Back أنت هنا: الرأي في حدود الاقتباس بين الفلسفة والعلم

في حدود الاقتباس بين الفلسفة والعلم

alamiabdelwahed1

عبد الواحد العلمي
لم يكن صيف 1996 بردا و سلاما على أهل ما بعد الحداثة في فرنسا و الولايات المتحدة الأمريكية. فبصدور كتاب ألان سوكال و جون بريكمون" الدجل الثقافي" " توالت ردود الفعل الناقدة للكتاب و الرافضة لاتهاماته أو المؤيدة له و الداعية لانتهاز الفرصة للنقاش الجاد حول المشهد الفلسفي و الثقافي الفرنسي، و هو النقاش الذي ما يزال مفتوحا إلى اليوم إذ مازالت ما سميت بقضية سوكال تثير سجالات محمومة و مازالت المقالات حول هذا الموضوع ترصع المجلات الأدبية و الفلسفية الأمريكية والفرنسية بين الحين والآخر.


و كانت القضية قد انفجرت قبل ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية  إثر نشر ألان سوكال أستاذ لفيزياء النظرية بجامعة نيويورك لمقال له في مجلة ذات صيت ما بعد حداثي و هي مجلة سوسيال تيكست ، إذ أعقب نشر هذا النص تسفيه من قبل ألان سوكال نفسه لهذا المقال و فضح لما فيه من ترهات و مغالطات علمية بل و أكاذيب و أقاويل لا معقولة و لا معنى لها خاصة و أن المقال يدعو من خلال عنوانه إلى "تجاوز الحدود مابين المعارف وبناء هرمونيطيقا تحويلية للجاذبية الكوانتية"!! و لاكتمال حلقة السخرية في هذه القضية فإن عدد المجلة كان مخصصا للرد على الانتقادات اليمينية للفكر ما بعد الحداثي فيما يخص جواز تداخل المعارف و الأجناس الكتابية في هذا الفكر!
أما فيما يخص سر قبول المجلة لهذا المقال فيقول سوكال أنه لا بد ناجم عن أمرين:
- احتواءه على كثير من الاقتباسات و الإحالات على نصوص أشهر ممثلي الفلسفة مابعد الحداثية مثل لاكان و دريدا ودولوز و كاتاري  و ايريكاري و ميشيل سير و فيريليو و بودريار ..الخ و فعلا إن المقال مشحون بهذه الاقتباسات خاصة تلك التي تتعلق بالفيزياء النسبية و الكوانتية. و هذه هي المفارقة إذ ما علاقة هؤلاء الفلاسفة بهذه الحقول المعرفية الدقيقة التي يكثرون الاقتباس منها و الإحالة عليها؟  
- أما الشق الثاني من السر فيرجع حسب سوكال إلى شدة غموض مقاله إلى حد اللامعقول، و يردف بالقول إن الغموض واللامعنى و اللامعقولية  هي سمة من سمات ما بعد الحداثة و لهذا فإن مقاله كانت له جميع الشروط اللازمة للقبول لدى هيئة تحرير سوسيال تيكست.
توالت ردود الفعل العنيفة أحيانا و الساخرة أحيانا أخرى من قبل كثير من الذين طالهم المقال الساخر لسوكال ثم من بعد ذلك كتاب"الدجل الثقافي" لسوكال و بريكمون (فيزيائي من جامعة لوفان ببلجيكا)، منها ردود كريستيفا و دريدا.
يؤاخذ الكتاب هؤلاء باستغلال بعض النظريات العلمية من دون أن يكون لهم إلمام متين بجوانبها التقنية و الرياضية مستعملين إياها في سياقات لا علاقة لها بنظرياتهم الفلسفية أو المعرفية و كل ذلك إما قصد التعمية على فقرهم النظري والفلسفي أو قصد إبهار القارئ في عملية هي أشبه بالدجل و الشعوذة و الكهانة القديمة. أخذ الباحثان على عاتقيهما اختبار متانة هذه المعلومات و النظريات العلمية المبثوثة في كتب مابعد الحداثيين و مناسبتها للسياقات المحيطة باستعمالها فلم يجدا على حد تعبيريهما إلا خلطا و" دجلا" و" لا مسؤولية " تجاه العلم و تجاه القارئ.
و كانت السجالات في الحقيقة مناسبة لطرح كثير من الإشكالات الحقيقية من مثل علاقة الفلسفة بالعلم و حدود النظريات العلمية و مفهوم "العلمية" في العلوم الإنسانية و شروط الاقتباس النظري و مفهوم الغموض في الكتابة و حدوده.  لكن طرحت أيضا كثير من الإشكالات ذات الصبغة الإيديولوجية أو الزائفة من مثل العلاقات الفلسفية الفرنسية الأمريكية، اليمين و اليسار في المعرفة العلمية و الفلسفية، المحافظة و التقدمية...الخ

اليوم و قد هدأت نسبيا حدة السجالات حول قضية سوكال ينبغي في رأينا بسط مسألة علاقة الفكر و الفلسفة بالعلم أمام النظر و التأمل مستأنسين و متعظين بما حصل حتى الآن من كوارث معرفية و مهازل نظرية جراء "الاستلاب" الذي يعاني منه كثير من ممارسي الفلسفة و العلوم الإنسانية إزاء النموذج الصوري و الرياضي الذي تتسم به العلوم الدقيقة.

عموما مرت علاقة الفلسفة بالعلم بمراحل عديدة من الشد و الجذب. فبعدما كانت في القديم أم العلوم حاضنة لها و مهيمنة على مختلف قطاعاتها سقطت، ابتداء من القرن 19، ضحية لها فتعرضت إثر ذلك إلى التشهير و الإقصاء و التهوين من قدرها حتى أصبح إعلان الاستبراء من شبهة التفلسف شرطا للانخراط في زمرة العلوم الفتية الخارجة بعنف من عباءة الفلسفة.
لكن سرعان ما وجدت كثير من العلوم الفتية نفسها ضحية لتمييز جديد تنقسم بموجبه العلوم إلى علوم "علمية" دقيقة و"حقة" و علوم إنسانية "نامية" لها طموح أن تلحق بركب التطور و الدقة الذي بلغتهما العلوم الأولى.و هكذا  سرعان ما حامت شبهة التفلسف من جديد بهذه العلوم الإنسانية بعدما أملت كثيرا مع أمثال كونت و غيره أن تتخلص من شبح الفلسفة مرة و إلى الأبد.
خرجت الفلسفة و العلوم الإنسانية من هذا المسار الصاخب و المعقد برضوض كثيرة و تشوهات سيكولوجية أكثر. من بين هذه التشوهات اعتبارها الواعي و اللاواعي أحيانا كثيرة أن منتهى ما يمكن الوصول إليه هو الشكل العلمي للعلوم الدقيقة و الذي يتمثل بشكل كبير في الصورنة الرياضية الدقيقة و القابلية للقياس في أشكال رياضية و هندسية و منطقية معلومة. لذلك كنت تجد كثيرا من البحوث الأدبية البنيوية مرصعة بالدياكرامات و الخطاطات الهندسية و الإحصاءات بل و المعادلات الرياضية. و ذلك يعني فيما يعنيه الانبهار الذي سكن ممارسي العلوم الإنسانية بنموذج العلوم الدقيقة، وخاصة في مناحيه الصورية الرياضية، و هو انبهار جعلها تعمل كل ما في وسعها للحاق بهذا النموذج سواء بالتقليد الميكانيكي السطحي  كما كان الأمر مع الوضعية الكونتية أو باستلهام الخطاطة المعرفية للمسار الابستمولوجي للعلوم الدقيقة كما هو الأمر مع الوضعية المنطقية في تجلياتها الأولى أو مع البنيوية في إطلاقاتها الوثوقية.
لقد سبق لبرتراند رسل أن أدان هذا الاستغلال السطحي لبعض المعطيات العلمية في كثير من الأنساق الفلسفية. ففي سياق نقده للتشويه الذي تعرضت له النظرية النسبية العامة على يد الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون يذكر رسل أنه كان في شبابه هيجيليا حتى وقف يوما  على التمرينات الرياضية الصبيانية الباهتة في احد كتب هيجل فقرر أن يراجع هيجليته و يهجرها.
كشفت قضية سوكال الكثير من عيوب في فكر مابعد الحداثة ، لكنها كشفت الشيء الكثير أيضا فيما يخص ما يسمى" مجتمعات" العلم و العلماء. فإذا كانت الأولى لا تعبأ ، كما يقول سوكال و بريكمون في كتابهما ، بأدنى معايير التدليل والاستدلال و البرهنة في مغامراتها النظرية ممتطية صهوة الشعر حيث ينبغي الترجل عند ضفاف الاستدلال العقلاني ووالجة كهوف الغموض حيث ينبغي التحلي بالوضوح النظري ، فإن الثانية مازالت ذات لغة حديدية صدئة عندما تعتلي المنابر خارج المختبرات و المعامل العلمية متمسكة بادعاء العقلانية الباردة حيث ينبغي الإنصات لأصداء المطارق النقدية التي تعرض لها هذا المفهوم سواء من أهل البيت أنفسهم (فايربند مثلا) أو من خارجه، و محافظة بتلك الغطرسة العلموية حيث ينبغي التواضع أمام الدروس و العبر التي يلقنها لنا تاريخ الفكر العلمي و التي مفادها أن العلم هو مسار من الإخفاقات الناجحة.

 

التعليقات   

 
0 #1 محمود صبرى 2014-01-01 18:02
موضوع جديد على الساحة العربية وانا مسجل ماجستير فى فلسفة العلم " المعرفة العلمية بين بول فيرابند والان سوكال".
اقتباس
 

أضف تعليق

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.