العلمانية والدين: سوء الفهم الكبير

الكاتب : محمد علي لعموري

منذ ظهور ما سمي في حينه بحركة الإخوان المسلمين في مصر والتي أسسها حسن البنا رحمه الله؟ والتيارات الدينية المنبثقة من الأصل والمنتشرة في بقاع العالم الإسلامي تتلمس وتتحسس طريقها نحو السلطة لتحقيق الغاية من تأسيس هذا التنظيم الذي أصبح عالميا بتمويلات من داخل دول عربية وإسلامية داعمة له، ومن طرف دول أجنبية كانت وراء التأسيس والتمويل واحتضان الرموز المبحوث عنها كبريطانيا.

ولئن كانت الإيديولوجيا الدينية التي يروج لها مثل هذا النتظيم وما يشبهه في الدعوة والزحف والتمكين قد ناصب العداء للحياة الغربية ونمط العيش الذي يرفل فيه الإنسان الأوربي، وجعل ما وصل إليه العالم الغربي من تقدم وتطور في ميادين عديدة مجرد نقل عن العالم الإسلامي إبان الأوج الإسلامي الذي تحكيه كتب التاريخ أيام انتعاش الفكر والأدب والعلوم والفنون في الحقبة العباسية وفترة نمو الحضارة الإسلامية في الأندلس، فإن الإشتغال على سؤال: لماذا تقدم الآخر وتخلف المسلمون جعل عددا من المفكرين في القرن العشرين يدلون بدلوهم، وكان مما قيل وجعلوه سبب أو قاعدة انطلاق الغرب في مسيرته نحو الحداثة وهذا التقدم التقني والتكنولوجي وازدهار العلم والفكر و…. هو تحجيم دور الدين بتلاوينه الثلاثة ” الكاثوليكية/الأرثودوكسية/والبروتستانتية ” وجعله شأنا خاصا بالمؤمنين داخل مجتمعات أوروبية عانت ويلات الحروب الدينية حتى استنفد الدين المسيحي عندها كل حضور له في حياة الإنسان الأوربي الخاصة والعامة.

فبعد أن حصلت القطيعة الإبستمولوجية بين الفكر الديني الذي فقد دوره في الحياة العامة وأصبح مجرد سلطة كنسية منزوعة الأنياب بعد أن فعلت الأفاعيل في المؤمنين من طرف تجار الدين وغير المؤمنين بإبادة كل من يعارض الكنيسة وقتل العلماء الذين عاكسوا تصور وتفسير الكنيسة للأرض والكون والفضاء كما فعلوا مع غاليلي وجيوردانو برونو… وبين الفكر التنويري الذي قاده فلاسفة الأنوار، تأسس وعي أوروبي جديد بدأ مع الثورة الفرنسية سنة 1789 وانتهى عام 1905 بإعلان علمانية الدولة بفرنسا مهد الثورة الفرنسية القائدة للتغيير في مجموع أوربا.

العلمانية كما تم التأسيس لها ذات سياق أوربي لكنه سياق إنساني توفرت فيه شروط منها ما يندرج في مجاله الأورومتوسطي كسلطة الكنيسة والكهنوت المسيحي، والإقطاع والملكيات الزائل حكمها في بلاد أوربا إلا من سيادة رمزية بدون أي حكم فعلي بعد تربع الفكر الديمقراطي فوق عرش الحياة السياسية الأوروبية.

في سياقنا العربي/الإسلامي يستدل أعداء العلمانية من الإسلاميين ذوي التأثير على ذهنية المؤمنين على عدم الحاجة في نقل النموذج العلماني نظرا لاختلاف السياق لكن في إطار استحضار نفس الجدلية القديمة التي تصنف غير المسلمين ضمن أهل الذمة و ” دار الكفر “.

فرغم مرور مياه كثيرة تحت جسر التاريخ، مازال المسلمون يرفضون الاعتراف بتأخرهم عن الركب ويحتفظون بنفس الرؤية المتقادمة التي تجعل كل من لا يدين بدين الإسلام كافرا وجب قتاله.

العلمانية ما دامت نتاجا غربيا وما دامت تجرد الإسلاميين من سلاحهم الوحيد في تدافعهم الإيديو-سياسي مع الدولة ومع دعاة الحداثة، فإن خطاب تسفيه مفهوم العلمانية الذي يرفعه الإسلاميون والسلفيون والمحافظون وعموم المؤمنين المنساقين وراء كل خطاب تعبوي و ديني، يبقى مجرد خطاب إيديولوجي يفتقد إلى العلمية.

العلمانية لا تعادي الدين بل تعترف به عقيدة للمؤمنين على اختلاف أديانهم، وتجعل الدولة الحديثة فوق الجميع لا ترعى دينا بعينه بل تكفل للجميع؛ متدينين ولا دينيين؛ حقوقهم كمواطنين يتمتعون بكافة الحقوق التي يكفلها القانون وأسماه الدستور.

فائدة العلمانية أنها تحمي حقوق الأقلية وتقطع الطريق على تجار الدين ومن يعرقل مسيرة التقدم باسم الدين والتقاليد والمعتقدات الشخصية.

العلمانية التي دعا إليها مفكرون معاصرون أمثال محمد أركون بجرأة أكبر والجابري بتأصيل أخف، هي مما يضع الدولة الحديثة ذات الفلسفة المنبثقة من الفكر الديمقراطي وحقوق الإنسان المتعارف عليها كونيا على مسافة مع معتقدات الناس داخل المجتمع الواحد المتنوع والمتعدد الديانات والإديولوجيات، وتسهر على تطبيق القانون الوضعي الذي أبدع في صياغته الإنسان في تنظيمه لمجتمعه الذي يسري على الجميع دون استثناء.

العلمانية النضالية التي فرضتها الأنظمة الديكتاتورية في بلاد عربية (تونس بورقيبة) و(تركيا أتاتورك) ، هي علمانية نزلت على المجتمع كالصاعقة، وطبيعي أن يظهر في المجتمع من يعاديها ويكفر بها.

العلمانية الإيجابية هي التي تنبع من حاجة المجتمع إليها في سياق عربي/إسلامي يخلو فيه كل خطاب لتخوين دعاة التغيير، وشيطنة مشاريعهم الإصلاحية نحو مجتمع إسلامي يولي أهمية للعلم ليحتل مكانته في شتى الميادين… ومنه يتم التأصيل لعلمانية لا تعادي الدين ولا تتماهى مع دعاته بل تصنع فهما عقلانيا له، لا يحارب وجودها ولا هي تحارب وجوده في تناغم معقول تحكمه ضوابط التعايش بين الحساسيات جميعها.