العمري: ينبغي التفكير في ما بعد فشل المشروع “الإسلامي”؟

هذا الحوار نشرته جريدة العلم في بداية يوليوز 2015 وأجراه الصحافي المتميز المحجوب ادريوش مع عمر العمري بمناسبة نشره رواية “كنت إسلاميا..”. موقع اسلام مغربي يعيد نشر النص الكامل الحوار لراهنيته ولأنه يتحدث عن موضوع ما زال يشغل الساحة الفكرية والسياسية في العالم وهو علاق ما هو ديني او دعوي بما هو سياس وحزبي. والحوار أجري قبيل الاستحقاقات التشريعية التي عرفها المغرب في 2015 و2016، وقد تحدث فيه الكاتب عن جزء من تاريخ الحركة الاسلامية بالمغرب، خصوصا التوحيد والاصلاح، ومقارنتها بحركة النهضة في تونس والإخوان المسلمين في مصر. وقد أكد العمري على اندحار مشروع الاسلام السياسي عموما، ومعه حزب العدالة والتنمية المغربي، متسائلا في النهاية: ماذا بعد فشل المشروع “الإسلامي” والإسلاميين في العالم؟ وفي أي اتجاه نسير؟

ترأس حزب العدالة والتنمية الحكومة المغربية بعد احتلاله المرتبة الاولى في انتخابات 2011، باعتبارك أحد الكوادر والأعضاء النشيطين أنذاك في الحزب إلى ما ذا ترجعون هذه النتيجة؟ ما هي قراءتك لتبوأ الحزب للمرتبة الاولى أنذاك ، خصوصا لا علاقة تنظيمية تربطه بالحزب الاسلامي وصوت له؟
لم أنتم يوما إلى حزب العدالة والتنمية ولكني كنت عضوا في حركة التوحيد والإصلاح، ذاك الرحم الذي تمخض عنه هذا الكيان السياسي. إن نجاح هذا الحزب في انتخابات 2011 وتصدره للمشهد السياسي بشكل لافت، كان مرتبطا بأربعة عوامل أساسية هي: أولا: ركوبه موجة الربيع العربي الذي اتخذ رداء أخضر وأطاح بأنظمة عربية فاسدة وأعطى أيضا انطباعا لدى الفئة المظلومة والفقيرة والمستضعفة بأن وقت الثورة والتغيير قد حان، وبطبيعة الحال، فهذه الفئات ستستمسك بأي مشروع حالم وجاهز، وكان هذا الأمل هو حزب العدالة والتنمية. ثانيا: استغل الحزب هذه السياقات الدولية المعقدة ليرفع شعارات واهمة في ذلك الحين من قبيل محاربة الفساد والمفسدين ومحاسبتهم والتصدي لطرق الاستبداد، وقدم برنامجا انتخابيا حالما مزودا بمعدلات نمو زائفة، مما فتح شهية الفئات المكلومة للتعلق بهذا الأمل الواعد. ثالثا: ينبغي أن نعترف بأن حزب العدالة والتنمية خاض انتخابات بشكل جيد ومنظم وممنهج، مرفوقا بحملة إعلامية واسعة على شبكات التواصل الاجتماعي لم يستطع أي حزب آخر أن يجاريه فيها، زيادة على أن هياكله كانت معززة بنشطاء ينتمون إلى حركة “التوحيد والإصلاح” وقد اكتسبوا تجربة قوية في مجال التواصل مع الناس وفي عمق الأحياء الشعبية. رابعا: كان الحزب يتوفر على زعيم يمتلك قدرات في استمالة الناخبين بواسطة خطاب شعبوي يفهمه الجميع، لكن الهيأة الناخبة لم تكن على علم بأن رأسمال “عبد الإله بن كيران” فقط كلام في كلام. أي لسانه طويل وباعه قصير..

انتميت في بداية عملك الإسلامي إلى عالم “الإخوان”، فالتحقت ب”رابطة المستقبل الإسلامي”، التي كان يقودها “أحمد الريسوني” ثم انضممت إلى “حركة التوحيد والإصلاح” بعدما اندمجت مع جماعة “بنكيران”، هلا تفضلت بتفصيل خصوصيات كل تنظيم؟
انتمائي في فترة من حياتي إلى “الإخوان” جاء في إطار البحث عن أجوبة لتساؤلات فكرية وروحية كنت أعيشهما في حياتي، واعتقدت أني وجدت ضالتي في حركة حضارية ستنقذ العالم من التيه والضلال. كان لهذا المشروع الواهم بريقا جذابا في الثمانينات والتسعينات والتحق به جم غفير من الحالمين، وقد انتميت إلى هذا العالم فكريا ووجدانيا ولم تكن لي أية مصلحة أخرى ولم أكن اطمع في أي شيء معين، وفي الأخير استفقت من هذا الحلم الخادع ونبذته وراء ظهري. التحقت بداية بـ”رابطة المستقبل الإسلامي” تحت رئاسة المقاصدي “احمد الريسوني”، وقد كنت معجبا بهذا الشخص وقتها، وكانت تضم نخبة مصطفاة من الدكاترة والطلبة النجباء، وكانت زاخرة بتنظيمات وافدة من عوالم مختلفة، منها تلك القادمة من الشبيبة الإسلامية والأخرى المشكلة من تنظيمات جهوية. “الرابطة” حددت أولوياتها بكل وضوح في العمل الفكري والتربوي والاجتماعي. على عكس من ذلك، كانت “الإصلاح والتجديد”، بزعامة “بن كيران” وفي وقت آخر تحت رئاسة “محمد يتيم”، متعجلة ومتشوفة إلى العمل السياسي وتريد المشاركة بأي ثمن، وقد قدمت أكثر من مرة طلبات لتأسيس حزب سياسي. وفي مقال نشره بنكيران سنة 1996 أكد فيه بكل وضوح على هذا المسلك: “بالنسبة لي كانت الخلفية التي أسست لانتمائي مطلع السبعينات سياسية بالدرجة الأولى”.. وصرح بكلام خطير قائلا أن على القوى الإسلامية أن “تعمل بكافة الوسائل لتسبق غيرها لأخذ المبادرة والإمساك بزمام الدولة”.. و”الريسوني” في حوار له مع أسبوعية “المستقلة” نشر أواسط غشت 1996 قال عن جماعة “بن كيران” أنها “تعطي الأولوية للمجال السياسي”.. لكن الغريب أن هذا “المقاصدي” وبعد أسبوع من هذا الحوار انضم إلى “بن كيران” وأسس معه حركة جديدة اسمها “التوحيد والإصلاح”، وولج بذلك عالم السياسة التي اكتوى بنارها فيما بعد..

هل هذه العلاقة بين الدعوي والسياسي هي التي تجعل الذراع الدعوي يوجه السياسي كما حدث في مصر أو على الاقل المشاورة والاخذ بالرأي واعتباره معادلة صعبة كما يحدث مع الحركة والحزب في تجربة اسلاميي المغرب اليوم؟
أستطيع أن أقول لكم بأن أخطر وأعقد المواضيع الشائكة داخل حقل الحركات الإسلامية هو علاقة السياسي بالدعوي أو الديني.. وهو المجال الذي فرق ـ ويفرق ـ بين الحركات الإسلامية تاريخيا، وهو الذي كان يمايز ما بين جماعة “بن كيران” وجماعة “الريسوني”. وللتأكيد على أن الوحدة تمت دون الحسم في الخلاف السياسي، فقد اعترف “الريسوني”، بعد انتخابه على رأس “التوحيد والإصلاح” وبعد اندماج حركتين إسلاميتين هي “حاتم” والرابطة” في عمل غير مسبوق في المغرب، قائلا: “الوحدة تمت دون الحسم في العمل السياسي الذي تم تأجيل الاتفاق النهائي حوله”.. وأشير أن الوحدة بين “بن كيران” و”الريسوني” تمت أسابيع قليلة بعد عقد مؤتمر حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية (العدالة والتنمية حاليا) التي كان يرأسها الراحل “عبد الكريم الخطيب”، الذي التحق به لأول مرة إسلاميون هم: “بن كيران” والراحل “عبد الله بها” و”سعد الدين العثماني” من حركة “حاتم” و”لحسن الداودي” من “الرابطة”.. وللإشارة أيضا، فإن سنة 1996 هي التي صوتت فيها أحزاب الكتلة أو المعارضة على الإصلاحات الدستورية بعد سنوات طوال من الممانعة، وهكذا بالنسبة لي لا أشك في أن هذه السنة عرفت أحداثا متواترة ومتسارعة توحي بأنها “طبخة سياسية” مهدت للعهد الجديد بعد رحيل الحسن الثاني، ونحن نعيش آثارها وعلى إيقاعاتها لحد الساعة.. يا أخي، إننا لا نتحدث هنا عن توجيه الدعوي للسياسي أو العكس، إنه استغلال مقيت للدين في السياسة من قبل الإسلاميين، والمتاجرة بالدعوة في صناديق الاقتراع للحصول على مناصب سياسية وحظوة اجتماعية عابرة، وإنهم سيحاسبون على ذلك..

في نظركم، هل من اختلاف في تجربة حزب العدالة والتنمية في المغرب عن التجربة التونسية لحركة النهضة وتجربة الإخوان في مصر ؟
القاسم المشترك بين هذه الحركات هي الفشل. لقد اندحر “الإخوان” في مصر وتشتت شملهم بسبب الأخطاء الفادحة التي ارتكبوها عندما وصلوا إلى الحكم. و”النهضة” منيت بهزيمة واضحة في أول استحقاق انتخابي بعد ثورة الياسمين. أما حزب العدالة والتنمية الإسلامي، فقد فشل هو أيضا في تحقيق برنامجه الانتخابي حتى قبل أن تنتهي ولايته الحكومية. وتنتمي هذه الأحزاب وغيرها من الناحية الفكرية إلى مدرسة “حسن البنا” مؤسس حركة الإخوان المسلمين في مصر، وتختلف في ما بينها في ظروف التنزيل والتطبيق الخاصة بكل بلد، وكل منها له مساره التاريخي المرتبط بالتحولات السياسية والاجتماعية والفكرية التي عرفها كل من المغرب وتونس ومصر. لكن ربيع الثورات العربي حكم عليها بالأفول ووضع حدا نهائيا لهذا “الحلم الإسلامي”، الذي ارتبطنا به حينا من الدهر وعلق علي الناس آمالا كبيرة في الانعتاق من الظلم والفساد.

إذن، هل يمكن القول أن الحزب المغربي سيلقى نفس المصير الحزبين خلال الانتخابات المقبلة خصوصا في ظل القرارات المتخذة في بعض المجالات ؟
لا شك في أن حزب العدالة والتنمية فشل في تحقيق ما وعد به المغاربة خلال استحقاقات 2011، ومني بهزيمة نكراء في محاربة الفساد والمفسدين والاستبداد، وهو الشعار الذي رفعه خلال دعايته الانتخابية، والذي كان متناغما وقتها مع الشعارات التي رفعها الثوار في العالم العربي. وقد تخلى “بن كيران” طواعية عن هذا المطلب الجماهيري بقولته الشهيرة “عفا الله عما سلف”، وهو ما خلف إحباطا لدى الكتلة التي انتخبته على هذا الأساس. وتلقى العدالة والتنمية ضربات موجعة في مصداقيته “الأخلاقية”، وهو الرصيد الذي اعتمد عليه في إقناع الناس بمشروعه السياسي، وتجلى ذلك في قصة غرام الوزيرين “سمية بنخلدون” و”الشوباني”، والفيلم الإباحي الذي أنتج في عهد حكومة الإسلاميين، وأخيرا الإهانة التي تلقاها المغاربة في بيوتهم وعبر قناتهم العمومية من قبل الاستعراض الفاحش لـ”جينيفر لوبيز” على منصات موازين في دورته الأخيرة. وسيعرف الحزب انتكاسات خطيرة في المستقبل ستنزع عنه بشكل نهائي رداءه “الإسلامي”، ولن يكون له أي تميز عن باقي الأحزاب المغربية. أما مصيره السياسي، فهو مرتبط باللعبة السياسية وتوازناتها في المغرب، فيمكن أن يتحول إلى موقع المعارضة، وسيمارسها بدون مصداقية أخلاقية أو سياسية، وإما أن يشارك في الحكومة المقبلة، وهذا احتمال وارد، لكن بدون إضافة جديدة. وفي هذا الباب يختلف مصير العدالة والتنمية المغربي عن مصير كل من النهضة في تونس والإخوان في مصر.

يقر الجميع على أن هناك تباين كبير بين مواقف الإسلاميين في المغرب قبل تسلمهم رئاسة الحكومة وبعدها، وهناك العديد من المحطات والملفات التي انقلب فيها اسلاميو المغرب على التزاماتهم وفق ما قدموه من برامج انتخابية ، بصفتك تربيت بين أحضان الجماعة هل الامر يتعلق بتكتيك سياسي ، أم هو عملة رائجة عندهم في جل المواقف وحسب الحاجة؟
أريد في هذا الباب أن أقدم نصيحة للقراء وأيضا للسياسيين المغاربة، ارجعوا إلى أرشيف الحركة الإسلامية في المغرب وإلى ظروف النشأة والمسار التاريخي لها، وارجعوا أيضا إلى أرشيف “بن كيران”، وستفهمون بشكل واضح هذا الكائن السياسي الذي يتحرك أمامكم. لا يتعلق الأمر هنا بأي تكتيك سياسي أو مرحلي، إنهم ببساطة كائنات سياسية لبست عباءة الإسلام وركبت على الدين لتحقيق مآربها السياسية والمادية. إنهم تاجروا بكل وقاحة بالدين ليتربعوا على المناصب التي بلغوها بواسطة صناديق الاقتراع.. وسأعطيكم مثالا واحدا فقط على هذا الاستغلال البشع للدين في الانتخابات، لكن للأسف أن ذاكرتنا مثقوبة وتتعرض للتلف بعد وقت قصير، وإذا رجعنا إلى أول خطاب لبنكيران بمناسبة انضمام قيادات في حركة الإصلاح والتجديد وعضو من رابطة المستقبل الإسلامي إلى حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية تحت زعامة “عبد الكريم الخطيب” رحمه الله، وعقد مؤتمر استثنائي يوم 2 يونيو 1996، قال فيه بنكيران بالحرف: “نحن في الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية عاقدو العزم على أن يكون حزبنا حزبا إسلاميا يدعو إلى جمع الزكاة من الأغنياء وردها على الفقراء وتحكيم شريعة الله ومنع بيع الخمور وإيقاف مسلسل الفساد في الإذاعة والتلفزيون والتعليم والوقوف في كل ميوعة…” وأضاف بكل زهو وحماس أمام الجماهير: “نحن مع الملكية الدستورية على أساس من الكتاب والسنة”.. أليس هذا استغلالا مقيتا للدين؟ هل هناك نفاق أكثر من هذا؟ بل إن “بن كيران” كذب على الله تعالى عندما قال في الخطاب نفسه: “إن الله تعالى يرعى دعوتنا ويرعى حركتنا”. فمن أعلم بن كيران بأن الله يرعى دعوته وحركته؟ أهو وحي يوحى إليه؟ ولو رجع الناس إلى خطاباته لاكتشفوا كائنا هلاميا مضحكا.

قيادات الحزب كثيرا ما حرصت على تجنُّب أيِّ صراعٍ مع القصرِ أو محيطِه، لكنها كانت تترك لقياداتِ الصفِّ الثاني، في الحزبِ أو في الحركةِ الدعويّة التابعةِ له ، مُهمّةَ الخروج إعلاميّاً للانتقادِ وذلك في توزيعٍ واضح للأدوار، ألا يعتبر هذا نوع من “استغباء” المواطن؟ وما تفسيركم لما وقع لأفتاتي ، مؤخرا، كأحد أولئك الذين كان موكولا إليهم الانتقاد وقول ما يشاء، لدرجة أن رئيس الحكومة اعتبره “درويشا” ولا داعي لأخذ أقواله على محمل الجد؟
لعبة توزيع الأدوار داخل التنظيمات مسألة معروفة ومعمول بها وهي تتيح هامشا للمناورة والمراوغة، وحزب العدالة والتنمية ليس استثناء في هذا المجال. أما بالنسبة لتجميد عضوية البرلماني “عبد العزيز أفتاتي” فلي رأي في هذا الباب. إن أفتاتي ليس هو أول من يطرد من الحزب، بل هناك طاقات إسلامية جمدت طيلة ثلاثة عقود طواعية أو بسبب مزاجية بن كيران ورعونته وفرض سيطرته على التنظيم. وقد توارت هذه الطاقات إلى الخلف أو اتخذت لها مسارات مهنية وعلمية بديلة. بعضهم استقطبتهم وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والتحقوا بمجالسها العلمية، وبعضهم الآخر اتخذ سبيله في الحياة واختفى بين الناس. ومن عاش مع بن كيران يعرف جيدا عقليته، فهو رجل مستبد ولا يقبل بالرأي الآخر داخل التنظيم ويحب أن يكون هو مركز الاهتمام ومحط الأنظار ولا يرضى أبدا بأي منافس له في هذا المجال. وهذا ما يفسر خرجاته في الإعلام وفي البرلمان والطريقة الفظة التي يرد بها على نواب الأمة، ومع الأسف، فإن الأتباع المخلصين له يزكون لديه هذا الشعور وهذه النرجسية.

هل ندمت يوما على انتمائك للحركة الاسلامية أولا لما لاقيته وأنت بالتنظيم ، وثانيا للاختيارات التي تتبناها كوادرها اليوم بالمغرب وهي تقود التجربة الحكومية؟
انتمائي للحركة الإسلامية كان على أساس فكري وبحث “روحي” عن الخلاص في هذه الدنيا الفانية، ولم يكن على أساس سياسي كما عليه الحال بالنسبة لبن كيران وقد اعترف بذلك كما ذكرت سالفا. وقد أكدت في حوارات سابقة أن دواعي تأسيس الحركة الإسلامية كان سياسيا وهو استرجاع الخلافة بعد سقوطها من يد العثمانيين بداية عشرينيات القرن الماضي. وكان الدين مجرد مطية لهؤلاء للممارسة السياسة والوصول إلى الحكم. وعندما تأكدت من هذا كله غادرت الإخوان بكل طواعية لأني وجدت عالما منافقا يبحث عن المصالح والمكاسب. لكن بالنسبة لي كان من الضروري أن أمر من هذه المحطة، وبالفعل استفدت منها كثيرا وكانت تجربة غنية في حياتي وتعرفت فيها على كثير من “الإخوان” الصادقين، لكن بن كيران وزبانيته استغفلوهم واستغلوا دروشتهم وطيبتهم وسمتهم، ما زال هؤلاء المساكين يظنون عن حسن نية أنهم يدعون إلى الله ويخدمون دينه. باختصار كنت أبحث عن الله ولم أجده عند الإخوان.

ما تقييكم لتجربة إسلاميّي العدالة والتنمية في قيادتهم للحكومة؟
في الحقيقة أنا لا أستطيع أن أقوم بهذا التقييم بلغة الأرقام وحسب منهج الاقتصاديين المختصين، وإنما أحاول أن ألامس هذا التقييم من الناحية الفكرية والأصول العقدية لإسلاميي العدالة والتنمية. أنا أناقش هذا الموضوع حسب الميثاق الذي قطعوه على أنفسهم ومع إخوانهم وحسب الوعود التي قدموها للمغاربة من أجل الحصول على أصواتهم. ومرة أخرى سأنقل للقراء كلاما سابقا لـ”بن كيران” ليقفوا على حجم التناقض الذي يعيشه هذا الرجل. في مقال منشور في جريدة الراية عدد 183، يكفر فيه الدولة المغربية وهو يخاطب وزير الداخلية الراحل ادريس البصري: ” فبأي حق وبأي شريعة في دولة إسلامية يباع الخمر للمسلمين؟ إن الدولة الإسلامية يجب ان تطبق الشريعة الإسلامية، ونحن نطبق القوانين الوضعية المستمدة من القانون الفرنسي الذي ليس إسلاميا… إن هناك حكما مبنيا على أسس غير دينية تطبقه الحكومة، وهذه السياسات غير الإسلامية تستوجب معارضة من الأمة…” أقول لبنكيران: لماذا لا تمنع الخمر وأنت الآن رئيس الحكومة وتملك صلاحيات دستورية؟ لماذا قبلت ان تحكم في إطار هذه القوانين الوضعية المستمدة من قانون ليس إسلاميا؟

هل من مؤاخذات وانتقاد يمكن توجيهه للتجربة خصوصا كشخص عايش فترات ولادتها ولم يجد نفسه فيها خصوصا وهي الفترات التي أوصلت بعض القادة اليوم للمراكز التي يحتلونها؟
ما يمكن أن أقوله لكم في الختام هو أن “الإسلام السياسي” تأسس في بداية القرن الماضي مثله مثل إديولوجيات أخرى عرفتها البشرية، وعرف مسارات مختلفة في بلدان عديدة، وتطبيقات وتنزيلات متمايزة، منها التبليغي والإسلامي والسلفي والجهادي والقاعدي والداعشي والحوثي وغيرهم، لكنها تجارب أوردت الأمة الآن المهالك، من هذه الحركات من قتلت الناس وكفرتهم وشردتهم واستباحت أموالهم واغتنت على حسابهم باسم تطبيق شريعة الله، ومنها من ذهبت إلى صناديق الاقتراع أيضا باسم تطبيق الشريعة والحجاب ومنع الخمور، حتى إذا نجحت في مسعاها السياسي واعتلت المناصب واغتنت بعد فقر مدقع تنصلت وخلعت رداءها “الدعوي” و”الديني”.. الآن إذا سألت بن كيران هل انت إسلامي؟ سيقول لك لا. وإذا سألته هل حزبك إسلامي؟ سيجيبك بطبيعة الحال لا. وإذا قلت له هل تريد أن تطبق الشريعة الإسلامية؟ سيقسم لك بأغلظ الأيمان بأنه لا يريد ذلك.. أليست هذه شيزوفرينيا فاضحة.. لكن يبقى سؤال أهم من هذا كله والذي يقلقني كثيرا هو: ماذا بعد فشل المشروع “الإسلامي” والإسلاميين في العالم؟ وفي أي اتجاه نسير؟
جريدة العلم حوار: المحجوب ادريوش

هذا الحوار نشرته جريدة العلم في بداية يوليوز 2015 وأجراه الصحافي المتميز المحجوب ادريوش مع عمر العمري بمناسبة نشره رواية “كنت إسلاميا..”. موقع اسلام مغربي يعيد نشر النص الكامل الحوار لراهنيته ولأنه يتحدث عن موضوع ما زال يشغل الساحة الفكرية والسياسية في العالم وهو علاق ما هو ديني او دعوي بما هو سياس وحزبي. والحوار أجري قبيل الاستحقاقات التشريعية التي عرفها المغرب في 2015 و2016، وقد تحدث فيه الكاتب عن جزء من تاريخ الحركة الاسلامية بالمغرب، خصوصا التوحيد والاصلاح، ومقارنتها بحركة النهضة في تونس والإخوان المسلمين في مصر. وقد أكد العمري على اندحار مشروع الاسلام السياسي عموما، ومعه حزب العدالة والتنمية المغربي، متسائلا في النهاية: ماذا بعد فشل المشروع “الإسلامي” والإسلاميين في العالم؟ وفي أي اتجاه نسير؟

ترأس حزب العدالة والتنمية الحكومة المغربية بعد احتلاله المرتبة الاولى في انتخابات 2011، باعتبارك أحد الكوادر والأعضاء النشيطين أنذاك في الحزب إلى ما ذا ترجعون هذه النتيجة؟ ما هي قراءتك لتبوأ الحزب للمرتبة الاولى أنذاك ، خصوصا لا علاقة تنظيمية تربطه بالحزب الاسلامي وصوت له؟
لم أنتم يوما إلى حزب العدالة والتنمية ولكني كنت عضوا في حركة التوحيد والإصلاح، ذاك الرحم الذي تمخض عنه هذا الكيان السياسي. إن نجاح هذا الحزب في انتخابات 2011 وتصدره للمشهد السياسي بشكل لافت، كان مرتبطا بأربعة عوامل أساسية هي: أولا: ركوبه موجة الربيع العربي الذي اتخذ رداء أخضر وأطاح بأنظمة عربية فاسدة وأعطى أيضا انطباعا لدى الفئة المظلومة والفقيرة والمستضعفة بأن وقت الثورة والتغيير قد حان، وبطبيعة الحال، فهذه الفئات ستستمسك بأي مشروع حالم وجاهز، وكان هذا الأمل هو حزب العدالة والتنمية. ثانيا: استغل الحزب هذه السياقات الدولية المعقدة ليرفع شعارات واهمة في ذلك الحين من قبيل محاربة الفساد والمفسدين ومحاسبتهم والتصدي لطرق الاستبداد، وقدم برنامجا انتخابيا حالما مزودا بمعدلات نمو زائفة، مما فتح شهية الفئات المكلومة للتعلق بهذا الأمل الواعد. ثالثا: ينبغي أن نعترف بأن حزب العدالة والتنمية خاض انتخابات بشكل جيد ومنظم وممنهج، مرفوقا بحملة إعلامية واسعة على شبكات التواصل الاجتماعي لم يستطع أي حزب آخر أن يجاريه فيها، زيادة على أن هياكله كانت معززة بنشطاء ينتمون إلى حركة “التوحيد والإصلاح” وقد اكتسبوا تجربة قوية في مجال التواصل مع الناس وفي عمق الأحياء الشعبية. رابعا: كان الحزب يتوفر على زعيم يمتلك قدرات في استمالة الناخبين بواسطة خطاب شعبوي يفهمه الجميع، لكن الهيأة الناخبة لم تكن على علم بأن رأسمال “عبد الإله بن كيران” فقط كلام في كلام. أي لسانه طويل وباعه قصير..

انتميت في بداية عملك الإسلامي إلى عالم “الإخوان”، فالتحقت ب”رابطة المستقبل الإسلامي”، التي كان يقودها “أحمد الريسوني” ثم انضممت إلى “حركة التوحيد والإصلاح” بعدما اندمجت مع جماعة “بنكيران”، هلا تفضلت بتفصيل خصوصيات كل تنظيم؟
انتمائي في فترة من حياتي إلى “الإخوان” جاء في إطار البحث عن أجوبة لتساؤلات فكرية وروحية كنت أعيشهما في حياتي، واعتقدت أني وجدت ضالتي في حركة حضارية ستنقذ العالم من التيه والضلال. كان لهذا المشروع الواهم بريقا جذابا في الثمانينات والتسعينات والتحق به جم غفير من الحالمين، وقد انتميت إلى هذا العالم فكريا ووجدانيا ولم تكن لي أية مصلحة أخرى ولم أكن اطمع في أي شيء معين، وفي الأخير استفقت من هذا الحلم الخادع ونبذته وراء ظهري. التحقت بداية بـ”رابطة المستقبل الإسلامي” تحت رئاسة المقاصدي “احمد الريسوني”، وقد كنت معجبا بهذا الشخص وقتها، وكانت تضم نخبة مصطفاة من الدكاترة والطلبة النجباء، وكانت زاخرة بتنظيمات وافدة من عوالم مختلفة، منها تلك القادمة من الشبيبة الإسلامية والأخرى المشكلة من تنظيمات جهوية. “الرابطة” حددت أولوياتها بكل وضوح في العمل الفكري والتربوي والاجتماعي. على عكس من ذلك، كانت “الإصلاح والتجديد”، بزعامة “بن كيران” وفي وقت آخر تحت رئاسة “محمد يتيم”، متعجلة ومتشوفة إلى العمل السياسي وتريد المشاركة بأي ثمن، وقد قدمت أكثر من مرة طلبات لتأسيس حزب سياسي. وفي مقال نشره بنكيران سنة 1996 أكد فيه بكل وضوح على هذا المسلك: “بالنسبة لي كانت الخلفية التي أسست لانتمائي مطلع السبعينات سياسية بالدرجة الأولى”.. وصرح بكلام خطير قائلا أن على القوى الإسلامية أن “تعمل بكافة الوسائل لتسبق غيرها لأخذ المبادرة والإمساك بزمام الدولة”.. و”الريسوني” في حوار له مع أسبوعية “المستقلة” نشر أواسط غشت 1996 قال عن جماعة “بن كيران” أنها “تعطي الأولوية للمجال السياسي”.. لكن الغريب أن هذا “المقاصدي” وبعد أسبوع من هذا الحوار انضم إلى “بن كيران” وأسس معه حركة جديدة اسمها “التوحيد والإصلاح”، وولج بذلك عالم السياسة التي اكتوى بنارها فيما بعد..

هل هذه العلاقة بين الدعوي والسياسي هي التي تجعل الذراع الدعوي يوجه السياسي كما حدث في مصر أو على الاقل المشاورة والاخذ بالرأي واعتباره معادلة صعبة كما يحدث مع الحركة والحزب في تجربة اسلاميي المغرب اليوم؟
أستطيع أن أقول لكم بأن أخطر وأعقد المواضيع الشائكة داخل حقل الحركات الإسلامية هو علاقة السياسي بالدعوي أو الديني.. وهو المجال الذي فرق ـ ويفرق ـ بين الحركات الإسلامية تاريخيا، وهو الذي كان يمايز ما بين جماعة “بن كيران” وجماعة “الريسوني”. وللتأكيد على أن الوحدة تمت دون الحسم في الخلاف السياسي، فقد اعترف “الريسوني”، بعد انتخابه على رأس “التوحيد والإصلاح” وبعد اندماج حركتين إسلاميتين هي “حاتم” والرابطة” في عمل غير مسبوق في المغرب، قائلا: “الوحدة تمت دون الحسم في العمل السياسي الذي تم تأجيل الاتفاق النهائي حوله”.. وأشير أن الوحدة بين “بن كيران” و”الريسوني” تمت أسابيع قليلة بعد عقد مؤتمر حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية (العدالة والتنمية حاليا) التي كان يرأسها الراحل “عبد الكريم الخطيب”، الذي التحق به لأول مرة إسلاميون هم: “بن كيران” والراحل “عبد الله بها” و”سعد الدين العثماني” من حركة “حاتم” و”لحسن الداودي” من “الرابطة”.. وللإشارة أيضا، فإن سنة 1996 هي التي صوتت فيها أحزاب الكتلة أو المعارضة على الإصلاحات الدستورية بعد سنوات طوال من الممانعة، وهكذا بالنسبة لي لا أشك في أن هذه السنة عرفت أحداثا متواترة ومتسارعة توحي بأنها “طبخة سياسية” مهدت للعهد الجديد بعد رحيل الحسن الثاني، ونحن نعيش آثارها وعلى إيقاعاتها لحد الساعة.. يا أخي، إننا لا نتحدث هنا عن توجيه الدعوي للسياسي أو العكس، إنه استغلال مقيت للدين في السياسة من قبل الإسلاميين، والمتاجرة بالدعوة في صناديق الاقتراع للحصول على مناصب سياسية وحظوة اجتماعية عابرة، وإنهم سيحاسبون على ذلك..

في نظركم، هل من اختلاف في تجربة حزب العدالة والتنمية في المغرب عن التجربة التونسية لحركة النهضة وتجربة الإخوان في مصر ؟
القاسم المشترك بين هذه الحركات هي الفشل. لقد اندحر “الإخوان” في مصر وتشتت شملهم بسبب الأخطاء الفادحة التي ارتكبوها عندما وصلوا إلى الحكم. و”النهضة” منيت بهزيمة واضحة في أول استحقاق انتخابي بعد ثورة الياسمين. أما حزب العدالة والتنمية الإسلامي، فقد فشل هو أيضا في تحقيق برنامجه الانتخابي حتى قبل أن تنتهي ولايته الحكومية. وتنتمي هذه الأحزاب وغيرها من الناحية الفكرية إلى مدرسة “حسن البنا” مؤسس حركة الإخوان المسلمين في مصر، وتختلف في ما بينها في ظروف التنزيل والتطبيق الخاصة بكل بلد، وكل منها له مساره التاريخي المرتبط بالتحولات السياسية والاجتماعية والفكرية التي عرفها كل من المغرب وتونس ومصر. لكن ربيع الثورات العربي حكم عليها بالأفول ووضع حدا نهائيا لهذا “الحلم الإسلامي”، الذي ارتبطنا به حينا من الدهر وعلق علي الناس آمالا كبيرة في الانعتاق من الظلم والفساد.

إذن، هل يمكن القول أن الحزب المغربي سيلقى نفس المصير الحزبين خلال الانتخابات المقبلة خصوصا في ظل القرارات المتخذة في بعض المجالات ؟
لا شك في أن حزب العدالة والتنمية فشل في تحقيق ما وعد به المغاربة خلال استحقاقات 2011، ومني بهزيمة نكراء في محاربة الفساد والمفسدين والاستبداد، وهو الشعار الذي رفعه خلال دعايته الانتخابية، والذي كان متناغما وقتها مع الشعارات التي رفعها الثوار في العالم العربي. وقد تخلى “بن كيران” طواعية عن هذا المطلب الجماهيري بقولته الشهيرة “عفا الله عما سلف”، وهو ما خلف إحباطا لدى الكتلة التي انتخبته على هذا الأساس. وتلقى العدالة والتنمية ضربات موجعة في مصداقيته “الأخلاقية”، وهو الرصيد الذي اعتمد عليه في إقناع الناس بمشروعه السياسي، وتجلى ذلك في قصة غرام الوزيرين “سمية بنخلدون” و”الشوباني”، والفيلم الإباحي الذي أنتج في عهد حكومة الإسلاميين، وأخيرا الإهانة التي تلقاها المغاربة في بيوتهم وعبر قناتهم العمومية من قبل الاستعراض الفاحش لـ”جينيفر لوبيز” على منصات موازين في دورته الأخيرة. وسيعرف الحزب انتكاسات خطيرة في المستقبل ستنزع عنه بشكل نهائي رداءه “الإسلامي”، ولن يكون له أي تميز عن باقي الأحزاب المغربية. أما مصيره السياسي، فهو مرتبط باللعبة السياسية وتوازناتها في المغرب، فيمكن أن يتحول إلى موقع المعارضة، وسيمارسها بدون مصداقية أخلاقية أو سياسية، وإما أن يشارك في الحكومة المقبلة، وهذا احتمال وارد، لكن بدون إضافة جديدة. وفي هذا الباب يختلف مصير العدالة والتنمية المغربي عن مصير كل من النهضة في تونس والإخوان في مصر.

يقر الجميع على أن هناك تباين كبير بين مواقف الإسلاميين في المغرب قبل تسلمهم رئاسة الحكومة وبعدها، وهناك العديد من المحطات والملفات التي انقلب فيها اسلاميو المغرب على التزاماتهم وفق ما قدموه من برامج انتخابية ، بصفتك تربيت بين أحضان الجماعة هل الامر يتعلق بتكتيك سياسي ، أم هو عملة رائجة عندهم في جل المواقف وحسب الحاجة؟
أريد في هذا الباب أن أقدم نصيحة للقراء وأيضا للسياسيين المغاربة، ارجعوا إلى أرشيف الحركة الإسلامية في المغرب وإلى ظروف النشأة والمسار التاريخي لها، وارجعوا أيضا إلى أرشيف “بن كيران”، وستفهمون بشكل واضح هذا الكائن السياسي الذي يتحرك أمامكم. لا يتعلق الأمر هنا بأي تكتيك سياسي أو مرحلي، إنهم ببساطة كائنات سياسية لبست عباءة الإسلام وركبت على الدين لتحقيق مآربها السياسية والمادية. إنهم تاجروا بكل وقاحة بالدين ليتربعوا على المناصب التي بلغوها بواسطة صناديق الاقتراع.. وسأعطيكم مثالا واحدا فقط على هذا الاستغلال البشع للدين في الانتخابات، لكن للأسف أن ذاكرتنا مثقوبة وتتعرض للتلف بعد وقت قصير، وإذا رجعنا إلى أول خطاب لبنكيران بمناسبة انضمام قيادات في حركة الإصلاح والتجديد وعضو من رابطة المستقبل الإسلامي إلى حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية تحت زعامة “عبد الكريم الخطيب” رحمه الله، وعقد مؤتمر استثنائي يوم 2 يونيو 1996، قال فيه بنكيران بالحرف: “نحن في الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية عاقدو العزم على أن يكون حزبنا حزبا إسلاميا يدعو إلى جمع الزكاة من الأغنياء وردها على الفقراء وتحكيم شريعة الله ومنع بيع الخمور وإيقاف مسلسل الفساد في الإذاعة والتلفزيون والتعليم والوقوف في كل ميوعة…” وأضاف بكل زهو وحماس أمام الجماهير: “نحن مع الملكية الدستورية على أساس من الكتاب والسنة”.. أليس هذا استغلالا مقيتا للدين؟ هل هناك نفاق أكثر من هذا؟ بل إن “بن كيران” كذب على الله تعالى عندما قال في الخطاب نفسه: “إن الله تعالى يرعى دعوتنا ويرعى حركتنا”. فمن أعلم بن كيران بأن الله يرعى دعوته وحركته؟ أهو وحي يوحى إليه؟ ولو رجع الناس إلى خطاباته لاكتشفوا كائنا هلاميا مضحكا.

قيادات الحزب كثيرا ما حرصت على تجنُّب أيِّ صراعٍ مع القصرِ أو محيطِه، لكنها كانت تترك لقياداتِ الصفِّ الثاني، في الحزبِ أو في الحركةِ الدعويّة التابعةِ له ، مُهمّةَ الخروج إعلاميّاً للانتقادِ وذلك في توزيعٍ واضح للأدوار، ألا يعتبر هذا نوع من “استغباء” المواطن؟ وما تفسيركم لما وقع لأفتاتي ، مؤخرا، كأحد أولئك الذين كان موكولا إليهم الانتقاد وقول ما يشاء، لدرجة أن رئيس الحكومة اعتبره “درويشا” ولا داعي لأخذ أقواله على محمل الجد؟
لعبة توزيع الأدوار داخل التنظيمات مسألة معروفة ومعمول بها وهي تتيح هامشا للمناورة والمراوغة، وحزب العدالة والتنمية ليس استثناء في هذا المجال. أما بالنسبة لتجميد عضوية البرلماني “عبد العزيز أفتاتي” فلي رأي في هذا الباب. إن أفتاتي ليس هو أول من يطرد من الحزب، بل هناك طاقات إسلامية جمدت طيلة ثلاثة عقود طواعية أو بسبب مزاجية بن كيران ورعونته وفرض سيطرته على التنظيم. وقد توارت هذه الطاقات إلى الخلف أو اتخذت لها مسارات مهنية وعلمية بديلة. بعضهم استقطبتهم وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والتحقوا بمجالسها العلمية، وبعضهم الآخر اتخذ سبيله في الحياة واختفى بين الناس. ومن عاش مع بن كيران يعرف جيدا عقليته، فهو رجل مستبد ولا يقبل بالرأي الآخر داخل التنظيم ويحب أن يكون هو مركز الاهتمام ومحط الأنظار ولا يرضى أبدا بأي منافس له في هذا المجال. وهذا ما يفسر خرجاته في الإعلام وفي البرلمان والطريقة الفظة التي يرد بها على نواب الأمة، ومع الأسف، فإن الأتباع المخلصين له يزكون لديه هذا الشعور وهذه النرجسية.

هل ندمت يوما على انتمائك للحركة الاسلامية أولا لما لاقيته وأنت بالتنظيم ، وثانيا للاختيارات التي تتبناها كوادرها اليوم بالمغرب وهي تقود التجربة الحكومية؟
انتمائي للحركة الإسلامية كان على أساس فكري وبحث “روحي” عن الخلاص في هذه الدنيا الفانية، ولم يكن على أساس سياسي كما عليه الحال بالنسبة لبن كيران وقد اعترف بذلك كما ذكرت سالفا. وقد أكدت في حوارات سابقة أن دواعي تأسيس الحركة الإسلامية كان سياسيا وهو استرجاع الخلافة بعد سقوطها من يد العثمانيين بداية عشرينيات القرن الماضي. وكان الدين مجرد مطية لهؤلاء للممارسة السياسة والوصول إلى الحكم. وعندما تأكدت من هذا كله غادرت الإخوان بكل طواعية لأني وجدت عالما منافقا يبحث عن المصالح والمكاسب. لكن بالنسبة لي كان من الضروري أن أمر من هذه المحطة، وبالفعل استفدت منها كثيرا وكانت تجربة غنية في حياتي وتعرفت فيها على كثير من “الإخوان” الصادقين، لكن بن كيران وزبانيته استغفلوهم واستغلوا دروشتهم وطيبتهم وسمتهم، ما زال هؤلاء المساكين يظنون عن حسن نية أنهم يدعون إلى الله ويخدمون دينه. باختصار كنت أبحث عن الله ولم أجده عند الإخوان.

ما تقييكم لتجربة إسلاميّي العدالة والتنمية في قيادتهم للحكومة؟
في الحقيقة أنا لا أستطيع أن أقوم بهذا التقييم بلغة الأرقام وحسب منهج الاقتصاديين المختصين، وإنما أحاول أن ألامس هذا التقييم من الناحية الفكرية والأصول العقدية لإسلاميي العدالة والتنمية. أنا أناقش هذا الموضوع حسب الميثاق الذي قطعوه على أنفسهم ومع إخوانهم وحسب الوعود التي قدموها للمغاربة من أجل الحصول على أصواتهم. ومرة أخرى سأنقل للقراء كلاما سابقا لـ”بن كيران” ليقفوا على حجم التناقض الذي يعيشه هذا الرجل. في مقال منشور في جريدة الراية عدد 183، يكفر فيه الدولة المغربية وهو يخاطب وزير الداخلية الراحل ادريس البصري: ” فبأي حق وبأي شريعة في دولة إسلامية يباع الخمر للمسلمين؟ إن الدولة الإسلامية يجب ان تطبق الشريعة الإسلامية، ونحن نطبق القوانين الوضعية المستمدة من القانون الفرنسي الذي ليس إسلاميا… إن هناك حكما مبنيا على أسس غير دينية تطبقه الحكومة، وهذه السياسات غير الإسلامية تستوجب معارضة من الأمة…” أقول لبنكيران: لماذا لا تمنع الخمر وأنت الآن رئيس الحكومة وتملك صلاحيات دستورية؟ لماذا قبلت ان تحكم في إطار هذه القوانين الوضعية المستمدة من قانون ليس إسلاميا؟

هل من مؤاخذات وانتقاد يمكن توجيهه للتجربة خصوصا كشخص عايش فترات ولادتها ولم يجد نفسه فيها خصوصا وهي الفترات التي أوصلت بعض القادة اليوم للمراكز التي يحتلونها؟
ما يمكن أن أقوله لكم في الختام هو أن “الإسلام السياسي” تأسس في بداية القرن الماضي مثله مثل إديولوجيات أخرى عرفتها البشرية، وعرف مسارات مختلفة في بلدان عديدة، وتطبيقات وتنزيلات متمايزة، منها التبليغي والإسلامي والسلفي والجهادي والقاعدي والداعشي والحوثي وغيرهم، لكنها تجارب أوردت الأمة الآن المهالك، من هذه الحركات من قتلت الناس وكفرتهم وشردتهم واستباحت أموالهم واغتنت على حسابهم باسم تطبيق شريعة الله، ومنها من ذهبت إلى صناديق الاقتراع أيضا باسم تطبيق الشريعة والحجاب ومنع الخمور، حتى إذا نجحت في مسعاها السياسي واعتلت المناصب واغتنت بعد فقر مدقع تنصلت وخلعت رداءها “الدعوي” و”الديني”.. الآن إذا سألت بن كيران هل انت إسلامي؟ سيقول لك لا. وإذا سألته هل حزبك إسلامي؟ سيجيبك بطبيعة الحال لا. وإذا قلت له هل تريد أن تطبق الشريعة الإسلامية؟ سيقسم لك بأغلظ الأيمان بأنه لا يريد ذلك.. أليست هذه شيزوفرينيا فاضحة.. لكن يبقى سؤال أهم من هذا كله والذي يقلقني كثيرا هو: ماذا بعد فشل المشروع “الإسلامي” والإسلاميين في العالم؟ وفي أي اتجاه نسير؟
جريدة العلم حوار: المحجوب ادريوش