مغاربةٌ يمسحون أخطاءهم بمغفرة الله ولعن الشيطان

جواد مبروكي ـ طبيب ومحلل نفساني كاتب وفنان تشكيلي
كثيراً ما أرى في كل مكان أشخاصا يتعمدون إحداث الفوضى والخطأ وفي الآن نفسه يشيرون بأيديهم “اسمحلي”. ففي السياقة مثلا يقوم السائق بخرق نظام السير ويعرضك للخطر ثم يخرج يده معتذرا “اسمحلي”، أو في الأسواق يقوم فرد بدفعك ثم يلتفت ليقول “اسمحلي”، أو في الإدارة حيث تنتظر دورك ويأتي مواطن إلى الشباك مباشرة ويشير بيده “اسمحوا لي”.

المشكل الخطير في هذه الظاهرة هو أن الشخص يطلب السماح بعد ارتكابه الخطأ عمدا ويتسبب في الفوضى، وبمعنى آخر هو يعي بأن ما يقوم به شيء غير معقول. فما هي يا ترى الأسباب التي جعلت المغربي يُدمن على ارتكاب الخطأ عمداً وبكامل وعيه ثم يرفع يده “اسمحلي”؟

من البديهي أن كل الأسباب ترجع إلى معضلات التربية والتناقض بين التربية الأخلاقية والمفاهيم الدينية، ومن هذه المعضلات أذكر النقط التالية:

1 ـ الله غفور رحيم: يتعلم المغربي منذ صغره أن “الله غفور رحيم”، ومهما أتيت من أخطاء يَغفر لك بشرط أن تستغفره! وهكذا يتعلم الطفل أنه ليس بشيء خطير أن يخطئ مادام أن الله غفور رحيم، فيتعمد الفوضى ويرفع يده ليستغفر. ولكن مع الأسف لا نعلّم الطفل أن الله يحب من يجهد في تنمية قدراته ليُحسِّن سلوكه، ويسعى بكل جهده إلى تجنب الخطأ والحرص على منفعة المجتمع.

2 ـ ابن آدم خطاء: يلقن للطفل هذا المفهوم وكأنه من المحتوم عليه أن يرتكب الخطأ بمبرر أن الله خلق الإنسان خطاء من ولادته إلى وفاته، ومن هنا يترسخ في ذهن المغربي أنه إذا أخطأ فلا ذنب عليه، ولكن للأسف لا نعلّم الطفل مفهوم “عملية التعلم” وكيف يتعلم من تجاربه الحد من تكرار الخطأ نفسه.

3 ـ الله يلعن الشيطان: هذا المفهوم خطير جداً ومنتشر في مجتمعنا كما ينتشر لهيب النار، وينشأ المغربي على هذا المفهوم ولما يرى أخطاءه الفادحة والكارثية، يتلو العبارة الجاهزة للاستعمال “الشيطان وْلْدْ الحْرامْ لْعْبْ بِيّا وْالله ما عرْفتْ كِفاشْ حْتّى لْقيتْ راسي…”.

ومن هذا السيناريو المتكرر يستنتج الطفل ما يلي “اْنْديرْ لِبْغيتْ وْ نْقولْ الشيطان ولد الحرام”. ومع الأسف المغربي لا يتحمل المسؤولية ويتهم الشيطان دائما، ولا نُعلم الطفل أنه مسؤول عن أعماله ونترك الشيطان في حاله؛ لأنه لم يأمر أحداً أن يرتكب أخطاء عمداً حتى يوقِع اللوم عليه.

4 ـ “المُّهمْ هُوَ الواحْدْ يْعْتَرْفْ وْ يْنْدْمْ على الغلط”: الاعتراف شيء نبيل ولكن الندم عملية سلبية تكون سبب إعادة الخطأ، ويجب أن تحل مكان الندم “عملية التعلم” لكي يقوي الفرد قدراته على عدم تكرار الخطأ نفسه. لكن في مجتمعنا نعلم الطفل أن يعترف ويندم على خطئه وهذا هو الأهم، وهذا من إرث الكنيسة “الاعتراف بالخطأ”. فيستنتج الطفل أن بإمكانه ارتكاب ما طاب له من أخطاء وما عليه إلا الاعتراف بالخطأ وعفا الله عما سلف!

5 ـ غياب مفهوم الاحترام: لكثرة استعمال المفاهيم الدينية بتأويل خاطئ نسي مجتمعنا قيم الاحترام وصار يلقن الطفل الحلال والحرام في سلوكه. وبما أن الله غفور رحيم، فكل ما يرتكبه من حرام يجب عليه الاستغفار ويرجع عدّاد السيئات إلى الصفر.

يجهل مجتمعنا أن كل التربية الدينية ترتكز أساسا على “مفهوم الاحترام”، وبعكس هذا يجعل من هدفها الأساسي جلب الحسنات عوض احترام الفرد واحترام أفكاره ورأيه وحرية عقيدته وما يمتلكه حتى ولو كان الأمر يظهر تافها. واحترام الإنسان احتراما لِـ”قدسية مبدأ الاحترام” مع تلقين الطفل الخط الأحمر الذي يجب أن لا يتجاوزه، وليس للطفل أن يحدد مكان الخط الأحمر بل الطرف الآخر.

6 ـ غياب طلب الاستئذان: ألاحظ كل الأطفال المغاربة يضعون أيديهم على كل ما وُجد أمامهم ويأخذون ألعاب الآخرين والآباء يشاهدون هذا ولا يتدخلون، وفي بعض الأحيان عندما يبدأ الطفل في الصراخ (وليس البكاء!) ترى الأم تأخذ شيئا من مِلك المضيف وتمده لطفلها حتى يتوقف عن الصراخ.

مع الأسف مجتمعنا يجهل الاحترام وجملة “طْلْبْ مْنْ عْمّْكْ واشْ يْمْكْنْ لِكْ تْقيسْ فْهذا….”. ومن المستحيل أن ترى طفلاً مغربيا ينطق بهذه الجملة “مُمْكِنْ نْلْعْبْ بْهادْ اللعبة؟” أو “مُمْكِنْ نْطَّلْعْ عْلى هادْ المجلة؟” قبل أن يضع يده عليها.

7 ـ التحايل والتجاهل: بكل هذه المفاهيم المذكورة أعلاه يتمكن المغربي من اقتناء جميع الأسلحة للتحايل وتجاهل الخطأ وفي أصعب المواقف يرد بِ،”اسْمْحْلي ما يْصْحابْليشْ…”، ثم يذهب ليقص قصة تحايله على أقربائه وأصدقائه فيجعلون ليلتهم رائعة بقص تحايلات كل فرد منهم مفتخرين بإنجازاتهم الهائلة.

أترك لكل قارئ الحرية في كتابة الخاتمة والخلاصة.