بيغوفتش: المجاهد المجتهد والمنتصر بأخلاقه وفكره

عبد الحميد أبوزرة
قلة من المفكرين يجمعون بين البناء الحضاري للإنسان والعمل السياسي من أجل ذلك، وقلة من السياسيين يجمعون بين التفاني في خدمة أوطانهم وقيادتها في ظروف الحرب والسلام وبين التعمق في الأفكار والفلسفات والنظريات القديمة والحديثة، ومن بين هذه القلة القليلة يوجد الرئيس البوسني السابق علي عزت بيغوفيتش.

كم نحتاج في أوطاننا وأحوالنا الفكرية والسياسية لقراءة والتفكر والاقتداء بسيرة وأفعال وأفكار علي عزت بيغوفتش، فإن عُرف علي عزت بيغوفتش في أوطاننا كزعيم سياسي ناهض الاستبداد السفياتي ثم التعصب الصربي على وطنه ودفع ثمناَ لذلك سنوات من عمره في سجونها، فسجنه لم يؤثر في إنسانيته وحبه للحرية والتعايش والكرامة لشعبه وحتى لخصومه فكتب كتابه الماتع: ” هروبي إلى الحرية ” الذي دون فيه عشقه للحرية وجمع فيه خواطره حول الفكر والأدب والفن والرواية والتاريخ انطلاقا من قراءات لآلاف الكتب كانت أنيسته الوحيدة خلال ساعات السجن الطويلة، ثم خرج ليؤسس للعمل السياسي والخيري ويقود شعبه نحوالاستقلال والتحرر.

وُلد علي عزت بيغوفتش سنة 1925 ميلادي من أسرة بوسنية عريقة الأصل ومعروفة بالعلم والدين، بمدينة “كروبا” في جمهورية “البوسنة والهرسك” التي كانت جزءاً من الاتحاد اليوغسلافي، فعمل مستشاراً قانونياً لمدة 25 سنة اعتزل بعدها وتفرغ للبحث والكتابة، بعد وصول الحزب الشيوعي للحكم في يوغوسلافيا قام «جوزيف بروز تيتو» بحبس ومحاربة كل أشكال التدين أو المعارضة لحكمه ولنظامه الماركسي الشيوعي، فكان نصيب جمعية « الشبان المسلمين »، التي أسسها علي عزت قبل الحرب، الإغلاق والإلغاء، ونصيب قادتها وعلى رأسهم عي عزت 5 سنوات حبساً، رغم أن الجمعية لم تكن تعنى أساساً بالسياسة بل بالتعليم الإسلامي وأعمال الخير.

ككل إنسان يُفكر، كانت شخصية علي عزت بيغوفتش نتيجة لتحديات فكرية وسياسية، التحدي الأول الذي شغل علي عزت هو قضية الأزمة وهوية المسلمين عموما ومسلمي البوسنة خصوصاً، والتحدي الثاني هوحل للمشكل الأول: تجديد وإصلاح الفكر والخطاب الاسلامي.

أدرك علي عزت بيغوفتش المخاطر المحدقة بمسلمي البوسنة في عصر الاستقاطبات السياسية والفكرية، في عصر الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي الرأسمالي والشرقي الشيوعي، بالإضافة إلى خصوصية البلقان حيث تتضاعف الاستقطابات بسبب الاختلافات الإثنية والعرقية والموقع الاستراتيجي بين الشرق والغرب وبين الحضارة الاسلامية والحضارات المسيحية، كان المسلمون في البلقان تائهين بين تجاذبات: فإما الإلحاد الشيوعي الذي يُدرس بشكل رسمي في الجامعات ويتبناه النظام الحاكم ويروج له في كل وسائل الاعلام، وإما الكاثوليكية الكرواتية التي كانت تدعمها ألمانيا الغربية، أوالأرثوذوكسية الصربية المعادية لمسلمي البلقان والتي كانت تدعمها المملكة البريطانية، فحين كانت باقي الطوائف في منطقة البلقان تتلقى الدعم المالي والسند السياسي والمرجعية الفكرية والمعنوية من الاتحاد السفياتي أو الدول الغربية المسيحية أرثوذوكسيةً أو الكاثوليكيةً، كان مسلمو البوسنة الوحيدين بدون دعم أومساندة.

في هذه الظروف وتحت هذه التجاذبات، كتب علي عزت بيغوفتش كتيبه الصغير في الحجم والكبير في المعنى والصدى الذي سببه، سنة 1970 بدأ بنشر كتابه «البيان الاسلامي» أو«الاعلان الاسلامي» الذي يحمل اسماً مشابهاً لكتاب « البيان الشيوعي » الذي يُعتبر إنجيل الشيوعيين، كان الهدف من الكتاب هو: ” محاولة ترجمة الإسلام إلى اللغة التي يتحدث بها الجيل الجديد ويفهمها”، هذا الكتيب الصغير الذي حاول من خلاله علي عزت بيغوفتش إعطاء الشباب والعاملين في الشأن الاسلامي والسياسي لمسلمي البوسنة إرشادات ومفاهيم أولية للعمل والتخطيط الجماعي، لكن هذا الكتاب تلقفه مجموعة من الحاقدين والخصوم التقليديين للمسلمين البوسنيين من صرب وكروات فأشاعوا أن علي عزت بيغوفتش نشر كتاباً يدعوا فيه المسلمين إلى الجهاد المقدس وإقامة دولة إسلامية في قلب أوروبا. فدخل السجن للمرة الثانية وحوكم بالسجن ل 14 سنة خُفضت فيما بعد وقضى منها 11 بين 1983 و1988، هذه التجربة ساهمت في تكوين وتغيير وإنضاج شخصيته الفكرية والسياسية وغيرت من قناعاته وطريقة عمل السياسي نحول العمل والنضال الميداني على أرض الواقع وبين الناس والفاعلين السياسيين.

بعد انهيار الاتحاد السفياتي وانهيار معسكره الشرقي، جاء الدور على يوغسلافيا التي بدأت مكوناتها التاريخية تستقل تباعاً، فاستقلت سلوفينيا وكرواتيا وظهرت دولة صربيا ذات الارث القديم في العداء لمسلمي البلقان، وأظهرت أطماعها التوسعية، هناك كان على مسلمي البوسنة في إقليم البوسنة والهرسك الاختيار بين الانضمام للكروات أو الصرب، أوالاختيار الصعب وهوالاستقلال .

كتاب ” الاسلام بين الشرق والغرب ” الذي كتبه علي عزت بيغوفتش وكانت ولادته صعبة مثل المخاض الذي يعيشه المسلمون في البلقان، فعندما أوشك «علي عزت بيغوفتش» على إنهاء كتابه أُدخل السجن، وبقيت نسخة الكتاب الأولى مكتوبة باللغة الأصلية للكاتب « الصربو– كرواتية » لكن استطاع صديقه « حسن قَرَشي» أن يُهرِّب هذه النسخة إلى كندا حيث سيُكمل إضافة الاستشهادات المرجعية ويترجمه إلى الانجليزية وينشره في الولايات المتحدة سنة 1984، هذه الطبعة الانجليزية هي التي سيعتمد محمد يوسف عدس ليترجمها إلى اللغة العربية سنة 1993.

أهمية كتاب « الاسلام بين الشرق والغرب » لا تظهر فقط في كونه حصل سنة 1995 على جائزة الملك فيصل، ولا لحجم الاهتمام والمناقشة والاحتفاء الذي قدمه له مثقفو العالم الاسلامي والعربي حينها أمثال: فهمي هويدي وأحمد بهجت وأنيس منصور ـ ولا يزال الكتاب إلى اليوم يلقى رواجا وتقام حوله المحاضرات والندوات والبرامج التلفزية أما نسخه الورقية فما زالت تطبع وتنفذ بسرعة ـ أهمية هذا الكتاب بنفس أهمية كاتبه، وهي الجمع بين النظرية والتطبيق وتقديم نموذج لإسلام حضاري متسامح مع نفسه ومتعايش مع الآخر المختلف دون تفريط في المبادئ أو انطواء على الذات.

من بين المفكرين الذين قدموا للكتاب واعتنوا به المفكر عبد الوهاب المسيري الذي تأثر بأفكار كتاب «الاسلام بي الشرق والغرب» وخاصة في نقدها للحداثة الغربية والفلسفات العدمية، وبسبب هذا الكتاب دخل المسيري مرحلة فكرية جديدة متصالحة مع التراث الاسلامي ومتوافقة مع روح الأنسنة، حيث يقول في سيرته الفكرية: « لوكنت قرأت هذا الكتاب في مقتبل حياتي الفكرية لوفَّر عليَّ وقتا كبيراً، لأنه قدم رؤية إنسانية إسلامية للكون رائعة وعظيمة ».

إن علي عزت بيغوفتش مجموعة من الشخصيات المبهرة في إنسان واحد، فكما كان كبيراً في الفكر وكان كبيراً في السياسة ولم تغيره ظلم وظلمات السجون أو أُبهة وكبرياء كراسي الحكم وعظمتها الزائفة، يقول محمد يوسف عدس في تقديمه لكتاب «الاسلام بين الشرق والغرب »: فمنذ توليه رئاسة الجمهورية لم ينتقل إلى القصر الجمهوري ليسكن فيه، وإنما بقي مقيماً في شقته المتواضعة بإحدى عمارات سراييفو مع جيرانه السابقين، ويأبى أن يختص بطعام وشعبه يتضوَّر جوعًا، فكان يشارك جيرانه فيما يُقدم إليهم من طعام متواضع، يأتيهم ضمن مواد الإغاثة الدولية. ورفض علي عزت تعليق صورته في الشوارع أو الإدارات والمكاتب. وكل الذين زاروا العاصمة سراييفو وغيرها من المناطق لم يشاهدوا صورة واحدة معلقة لرئيس الجمهورية. وسئلت ابنته «سابرينا» مرة: «ماذا يفعل الرئيس عندما تبدأ الغارات الصربية؟» فقالت: «إن أول ما يفعله أبي أنه يقف حتى يطمئن أننا جميعًا قد نزلنا تحت العمارة نتحصن هناك من الشظايا، ثم يذهب هو إلى مكتبه فيجلس وحيدًا يقرأ القرآن حتى تنتهي الغارة».

انتصر علي عزت بيغوفتش حين قدم نموذجاً إنسانيا حضاريا يمثل البديل للعيش المشترك الضامن لكرامة ومساواة كل الناس باختلاف أديانهم وأعراقهم وطبقاتهم، هذا الانتصار الأخلاقي والفكري الكبير صمد أمام امتحان السياسة والحرب فكان جنود مسلمي البوسنة نموذجا أخلاقيا في عدم الرد بالمثل أمام الجرائم ضد الانسانية التي اقترفها خصومه بأيديهم وبمباركة مرجعيات عنصرية أودينيةوبمساهمة دول الغرب المتفرجة.
ــــــــــــــــ
المراجع:
•علي عزت بيغوفتش – الاسلام بين الشرق والغرب، تقديم: عبد الوهاب المسيري، ترجمة محمد يوسف عدس، الطبعة التاسعة 2016.
•علي عزت بيغوفتش – هروبي إلى الحرية: أوراق السجن 1983-1988، ترجمة: محمد عبد الرءوف، مراجعة وتقديم: د. شكري مجاهد، الطبعة الثالثة 2017.
•علي عزت بيغوفتش – الإعلان الإسلامي، تقديم وترجمة محمد يوسف عدس، مكتبة الامام البخاري القاهرة، الطبعة الأولى 2009.
•علي عزت بيغوفتش – عوائق النهضة الإسلامية، ترجمة حسين حسين عمر سباهيتش، جمعية قطر الخيرية، الطبعة الأولى 1998.