وشبع الذي زهد واغتنى الذي قنع

في مقال قرأته للمفكر والطبيب خالص جلبي (سوري مقيم بالمغرب) ، يتحدث فيه عن تجربة عاشها أيام استعداده للحصول على الباكلوريا ، وكان وقتنا في سجن البعثيين يقبع مع ثلة من المعتقلين على السياسة ومعارضة النظام.

كان حديثه ذو شجون ويعج بالحوادث والمسلكيات التي تمارسها أجهزة القمع أيام الأسد الأب (حافظ).

وكان وقتها متقد النشاط مثابرا ومجتهدا في دراسته، لكنه كبقية شباب تلك الفترة كان عرضة للاعتقال كما بقية الشباب السوري.

مناسبة سرد ملخص المقال أن كاتبه ؛ وفي معرض نهاية المقال ؛ خلص خالص جلبي إلى تدوينة دالة كون مهنة الطب التي زاولها طيلة ثلاثين سنة ما كانت لتصنع منه إسما مشهورا لولا انغماسه في الكتابة ومزاولة حرفة التفكير في قضايا الأمة.

ورب سائل ممن أتيحت له قراءة هذا المقال ( مقالي ) أن يقول : وما علاقة هذا بذاك ؟ أي ما الرابط ببن العنوان والمضمون؟

وجوابي أنني غالبا ما أكتب بناء على ما أقرأه ، وربط ما أقرأه بما يراود بنات أفكاري من عصارة الفهم التي استخرجها من لب أي مقال رصين أقرأه.

فعصارة ما ذهب إليه فهمي أن صاحب المقال جعل من تجربته مثالا يحتدي به القراء أن لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس. وأن الإنسان يستهلك جهدا ليصل إلى وظيفة تضمن له قوت يومه لمدة طويلة ثم يركن إلى التقاعد أي إلى الظل وكأنه صنع لنفسه وهما فعاش به ثم أيقظه منه واقع وحقيقة أن لا شيء يدوم.

التجربة الإنسانية مليئة بتجارب متعددة لا تتشابه ولا تتطابق ، بل تتكامل أو تتعاضد لتقدم لنا فسيفساء من النجاحات والإخفاقات التي هي أحد أوجه النجاح .

لأن الإنسان في هذه الحياة إما ينجح وإما يتعلم والفشل أحد أوجه المحاولات المفضية إلى النجاح.
والنجاح في حد ذاته نسبي الإعتبار ، ذلك أن ما يبدو نجاحا للبعض يبدو سخافة وشيئا عاديا لدى البعض الآخر.

ولهذا كان التسديد في مرمى الحياة منوط بتكوين الشخص وبنضاله من أجل التحرر من وهم الإرتهان إلى شيء زائل من وظيفة وبناء الدور وكسب السيارات وجمع الأموال..

هذا هو الزبد الذي يذهب جفاء. أما ما يمكث في الأرض هو العلم الذي تتقدم فيه البشرية لصنع مستقبل أفضل لأجيال قادمة. وفكر متنور ينفض عن الناس غبار الخمول ويدعوهم لركوب سفينة المعرفة سبيلا للخروج من قوقعة الإنسداد الفكري والروحي.

ولهذا ستجد من صنع مجدا تفخر به البشرية وإسما دخل به التاريخ قد عاش طول حياته لا يلتفت لمتاع الحياة وإغراء الوجود ، بل كرس الجهد لدراسة حال الأمة في تضحية بالأنا من أجل النحن بمفهومها الكوني ( إفادة الإنسانية جمعاء ).

ومفاهيم النجاح لا تقاس بما راكمه المرء قيد حياته من أملاك ومال وبنين… بل بما بصمه في سجل المكرمات وحب الحياة بحب الناس وحب كل ما من شأنه صنع الإضافة لا تكرار نسخ من نجاحات فانية ، ذلك أن ما ينفع الناس هو ما يمكث في الأرض.
محمد علي لعموري