نظرية المؤامرة بين التأصيلات الجهادية والتطبيقات الإخوانية: المغرب نموذجا

تأصيل منهجي:
قد يبدو من التحامل الأخلاقي والارتجال الفكري، ربط بعض التأصيلات المركزية للتنظيمات الجهادية وتطبيقاتها على الميدان مع تكتيكات التحرك التي يتبناها مكون سياسي يفترض أنه يتحرك ضمن قواعد تفرضها وتضبطها اللعبة السياسية في المملكة المغربية. غير أن صاحب هذا القلم، من جهة، والمؤسسة الإعلامية آخر ساعة، من جهة أخرى، تبنت خطا تحريريا واضحا ينضبط للأمانة التحليلية والمنهجية العلمية في التعاطي مع “الخصوم الإيديولوجيين” وفق ما تقتضيه ضوابط الكتابة الصحفية وأخلاقيات التدافع السياسي والفكري.

سياقات التحليل:
إن ربط الخرجات الأخيرة للأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بن كيران بالأطروحات الأيدولوجية التي تحكم عمل التنظيمات الجهادية، يجعلنا نسجل التماهي الخطير لأطروحات هذه الأخيرة مع أسلوب “إخوان المغرب” في نمط الانتشار والاختراق.

مناسبة الحديث حول هذ النقطة الجوهرية والاستراتيجية هو ما صرح به عبد الإله بن كيران في كلمته أمام هيئة مستشاري المصباح بتاريخ فاتح يوليوز 2017، والذي لم يخرج عن نطاق التأكيد على نظرية المؤامرة التي تحكم العلاقات الاجتماعية والسياسية والمهنية في المجتمع المغربي.

وفي هذا السياق، يقول عبد الإله بن كيران في معرض حديثه حول مظاهر الفساد في المغرب: “جاء في تقرير سي جطو أن الأساتذة سلايتية، ويلا مشا التعليم مشا كلشي”، وفي سياق آخر يقول: “بعض أساتذة الطب ما كيجيوش كاع وكيتخلصو 5 ملايين في الشهر، وكايجيو يطلوا مرة مرة باش يديو المرضى ديالهم للمصحة”. ويستمر في سرد مظاهر الفساد التي ترقى إلى مستوى المؤامرة فيقول: “الفساد موجود في قطاعات أخرى وفي المجتمع، وحين كنت في السجن يحكي لي شاب عن مظاهر الفساد في جميع القطاعات الاجتماعية فقال لي: سي عبد الإله بن كيران راه الزبدة بلدية هي الزبدة رومية كيزيدولها اللبن والليمون كيضربولو الإبرة باش يزيدو فيه الما، الغش فالماكلة، فالديوانة الغش، الغش….فين غاديين”.

إن الجميع يتفق مع ما طرحه السيد عبد الإله بن كيران من مظاهر الفساد التي تنخر المجتمع المغربي وتهدد باختلالات هيكلية قد ندفع، في حالة عدم تداركها، ثمنا غاليا من مستقبل الأجيال القادمة، غير أن الخطير في الأمر، والذي نعتبره أساسا للأطروحة التي نحن بصدد التأصيل لها، هو أن ما صرح به الأمين العام للحزب الذي يقود التشكيل الحكومي يفقد كل مصداقية له ويفرز لنا خبث الأطروحة البنكيرانية حين يعمد إلى تقسيم المجتمع المغربي إلى “عالمين” متناقضين:
عالَم الواقع المغربي الذي يعيش حالة من الفساد المتقدمة والتي تهدد، في نظر بن كيران، بزوال الدولة، و”عالم” أو مجتمع العدالة والتنمية الذي يسمو بأخلاقه وأفراده على هكذا ممارسات إلى حد توصيف جماعته على أنها “شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها”.

كما أن التعرض لظاهرة الفساد بالمغرب، لم تمنع الأمين العام للبيجيدي من محاولة إصباغ هالة من القداسة على حزبه وتبرءته من التهم والسقطات التي وقع فيها باقي القوم، بل واعتبر حزبه بمثابة “أول تجمع بشري في العالم بدأ يتكلم عن المرجعية الإسلامية”! وبأن وصولهم إلى هذه المرتبة تدخلت فيه الأيادي الإلهية والرعاية الربانية، حيث يقول “والله مكاين غي الله سبحانه وتعالى الذي ساعدنا على الوصول لما وصلنا إليه”.

إن خطورة هذا التأصيل السياسي/الديني تكمن في إمكانية سقوط المواطن العادي والمتابع البسيط أو “النيّة”، بالتعبير العامي، في شراك الخطاب الإخواني، عندما يتحرك داخله ذلك التأويل اللاشعوري حول تقسيم المجتمع إلى قسمين: قسم مليء بالمؤامرة والفساد والذي لا يخلو منه مجال اقتصادي أو قطاع اجتماعي أو مهني أو مرفق عمومي، وتلك “الجماعة الربانية” و”الفئة النقية” التي تسمو بأخلاقها ودينها عن هذا العالم الدوني الذي تتحكم فيه نظرية المؤامرة لتصل إلى التمفصلات الدقيقة في الحياة اليومية للشعب المغربي. وبتعبير آخر فإن “جماعة المسلمين” تبقى هي الملاذ لكل باحث عن الحقيقة وكل هارب من براثين المجتمع المغربي الذي نخره الفساد وتآمرت عليه قوى معلومة وأخرى مجهولة قد تكون هي التماسيح والعفاريت التي يلهج بها لسان الأمين العام للبيجيدي في كل مناسبة.

ما الحل للهروب من واقع “المؤامرة”؟
قبل الحديث عن الحل الذي يحيل عليه عبد الإله بن كيران، دون أن يصرح به، نطرح بين يدي القارئ الكريم صورة مبسطة حول نظرية المؤامرة التي تستغلها التنظيمات الجهادية وتنظيمات الإسلام السياسي (ولو أنهم بالمحصلة وجهان لعملة واحدة)، لفهم خطط الاستقطاب والاستيلاب الفكري والعقدي:

عل هذا المستوى، تعتمد نظرية المؤامرة، حسب الباحثة الأنتربولوجيا والمتخصصة في “ظاهرة التلقين والتجنيد” عند التنظيمات الجهادية ورئيسة مركز الوقاية من الانحرافات العقدية المرتبطة بالإسلام، الدكتورة دنيا بوزار، على ثلاثة

مراحل رئيسية:
* رفض الفرد للعالم الذي يتواجد فيه حيث الجميع كذاب ومخادع

* توجيهه في اتجاه كون ما يقع يدخل في نطاق مؤامرة حقيقية تقوم بها شركات ومؤسسات سرية ضد الشعوب من أجل احتكار السلطة والعلم والثروة.

* الطريقة الوحيدة لمحاربة هذه المؤامرة هو الرفض والهروب من هذا العالم والانضمام إلى جماعة “نقية” تؤمن بأن المواجهة الشاملة هي الحل للقضاء على المؤامرة (comment sortir de l’emprise djihadiste؟ ص 38)
على هذا المستوى، تلعب وسائل التواصل الاجتماعي وخصوصا تقنية يوتوب على بلورة هذا الاعتقاد من خلال وضع سلسلة مقاطع فيديو تتبع تلقائيا وبشكل متسلسل للكلمة المفتاح (مثلا مؤامرة)، لتأخذ “الضحية” معها في رحلة بين مقاطع الفيديو مرتبة بشكل ذكي تنتهي بالفرد إلى الاقتناع التام بنظرية المؤامرة التي تحاك ضد الشعوب.

لقد لعب الفرنسي من أصول إفريقية عمر أومسن، على سبيل المثال لا الحصر، دورا كبيرا وحاسما من أجل تجنيد المقاتلين وتوجيههم إلى مناطق التوتر في كل من سوريا والعراق للقتال إلى جانب تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام والمعروف إعلاميا ب”داعش”، وذلك عن طريق استغلال تقنية اليوتوب من أجل تكريس نظرية المؤامرة، والتي بعد أن تتمكن من الفرد “الضحية”، يبحث، هذا الأخير، عن التموقع في إطار جماعة أو مجموعة يعتقد أنها نقية (purifiée) وتحميه من كل هذا النوع من المؤامرات فيجد في جماعة المسلمين المفر والملاذ وذلك التجمع “النقي والصافي” لمجتمع يقيه من شوائب المجتمع ويهيؤه للمواجهة المباشرة معه.

تقول دنيا بوزار في نفس الكتاب ص 51: “ومن أجل استكمال هذه الآلية، يستعمل الخطاب الجهادي مفاهيم تحيل على ذكريات سيئة مرتبطة ب: نقاء المجموعة”. وبتعبير آخر لتفادي الغرق في المنظومة الفاسدة يجب تطوير الشعور بالانتماء لمجتمع أكثر نقاء تعيش حالة من العزلة الشعورية تسمو على باقي العالم الفاسد، هذا التجمع الإلهي هو الذي يمتلك مفاتيح الحقيقة المطلقة.

إن نظرية المؤامرة تبقى من التبريرات المتجذرة في العقيدة الإخوانية منذ تأسيسها على يد مرشدها العام حسن البنا بالإسماعيلية سنة 1928. فلقد اعتُبر سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924 على يد مصطفى كمال أتاتورك مؤامرة صليبية-يهودية تهدف ضرب الإسلام والمسلمين من خلال استهداف قلب الخلافة الإسلامية، رغم أن إمبراطورية “الرجل المريض” ظهرت عليها مظاهر التفكك واستقلالية القرار السيادي للولايات التابعة، نظريا، للآستانة، ومستقلة، عملياً، عن سلطة الخليفة العثماني.

وفي سياق آخر، يربط سيد قطب، منظر تيارات الإسلام السياسي والتنظيمات الإرهابية، في كتابه “لماذا أعدموني؟، اغتيال مرشد الإخوان المسلمين حسن البنا بمؤامرة أمريكية-بريطانية-صهيونية وبتنفيذ مباشر من سرايا القصر الملكي وتعليمات مباشرة من الملك فاروق. ويحكي سيد قطب كيف أنه ليلة 12/13 فبراير 1949 وبينما هو في إحدى الحفلات الساخبة بالديار الأمريكية، سمع أصوات التهاني وصرخات الفرحة وقامت الكنائس بدق نواقيسها ابتهاجا بمقتل حسن البنا، وغيرها من الترهات الفكرية التي لا يقبل بها كل ذو عقل لبيب.

وفي نفس الاتجاه تم اعتبار محاولة اغتيال الرئيس المصري جمال عبد الناصر سنة 1954، فيما عرف إعلاميا بـ”حادثة المنشية”، مسرحية محكمة الإخراج بتعبير قيادات إخوانية بارزة وعلى رأسهم فريد عبد الخالق رفيق درب حسن البنا. حيث نسب الإخوان الحادث إلى الصهيونية العالمية والتي استغلت بعض الشباب المغرر بهم، حسب التعبير الإخواني، للتدبير لحادثة المنشية من أجل قصم ظهر الإخوان في واحدة من أكبر المحن التي مرت على الجماعة منذ تأسيسها.

إجمالا يمكن القول إن التنظيمات الجهادية وتنظيمات الإسلام السياسي ممثلة في جماعة الإخوان المسلمين تتقاطع في القناعة الراسخة في كون “جماعة المسلمين” هي المؤهلة دينيا وتاريخيا لإنقاذ الكون من مساوئ التيارات الغربية والملحدة والكافرة أو الدول التي تدعي أنها “مسلمة” رغم أنها لا زالت تركن في أثون الجاهلية والكفر. وهنا يعتبر حزب العدالة والتنمية أن أي شخص لا ينتمي إلى “المجتمع النقي” من “أعداء الداخل”.

وفي الختام سيستمر هذا المنبر في أداء رسالته التاريخية لفضح جميع التكتيكات والاستراتيجيات التي يعتمدها “إخوان المغرب” من أجل إخضاع اللاوعي العقدي عند المغاربة واستغلال المشترك الديني من أجل توسيع القاعدة المادية للمريدين والاستمرار في نهج سياسة الانتشار الجماهيري التي يعول عليها التنظيم في أفق التحضير للمواجهة مع النظام والتي تبقى عند القوم مسألة حتمية في انتظار إنضاج الشروط الذاتية والموضوعية للصدام. وهو ما يفرض تعبئة شاملة من جميع القوى الديمقراطية والحداثية من أجل مواجهة المشروع الشمولي لهذا التنظيم السرطاني الخطير ومواصلة تأطير المجتمع المغربي للتصدي لمحاولات الاختراق والانتشار التي يتبعها حزب العدالة والتنمية من أجل الهيمنة على المشهد السياسي والمؤسساتي في دولة قطعت مع نظام الحزب الواحد وتبنت خيار التعددية الحزبية كخيار استراتيجي يقع على نقيض، التصور السياسي والمؤسساتي “الإخواني” لنظام الحكم الذي تصبو إليه وتحلم به.
محمد رضا الرحماني ـ باحث متخصص في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين