توضيح من الدكتور “حصحاص” بخصوص انتحال مقال

نشر موقع “الاسلام في المغرب” مقالا لـ”معتصم اسماعيل” تحت عنوان “انتحال في مقال في مجلة علمية محكَّمة!!” بتاريخ 8 شتنبر 2017، جاء فيه أن الكاتب الأمريكي Michael Bevers كتب عن الدكتور “طه عبد الرحمن” مقالا انتحل فيه عددا من أفكار ومصطلحات وردت في مقال منشور للدكتور محمد حصحاص سنة 2015 بمجلة Oriente Moderno.
وقد وصلنا توضيح من الدكتور حصحاص بخصوص هذه القضية العلمية ننشره كاملا:

توضيح بخصوص دعوى انتحال مقال

وصلني عبر البريد اللكتروني الخاص يوم 8 شتنبر 2017 استفسار من الدكتور معتز الخطيب (عضو هيئة تحرير مجلة الأخلاق الإسلامية Journal of Islamic Ethics)) ورئيس التحرير الزائر لعددها الأول الصادر هذا العام مع دار “بريل”المرموقة )– حول تدوينة نشرها السيد معتصم إسماعيل على صفحته على الفايسبوك، والتي أعاد نشرها موقع “الإسلام المغربي” والذي تواصل معي أيضًا بخصوص الموضوع.

خلاصة التدوينة أن السيد معتصم إسماعيل كان بصدد الاطلاع على الكتابات الصادرة بالانجليزية حول أعمال الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن، وهي قليلة جدًّا لدرجة الانعدام، فوجد مقالي الذي قرأه على ما يبدو بتفحص واهتمام شديد وظن أنه تم انتحال عدد من أفكاره ومصطلحاته من قبل باحث أمريكي يسمى ميكائيل بيفيرز، وهو باحث يشرف على إنهاء بحث الدكتوراه بجامعة إنديانا الأمريكية حول فكر طه عبد الرحمن. والسيد معتصم فلسطيني يقيم في سلطنة عُمان كمدير تسيير ومدرب حر بحسب تعريفه لنفسه على صفحته على الفايسبوك.

وفي توضيحي لما سبق، لا أقصد إلى ردٍّ مفصلٍ هنا بقدر ما أقصد إلى ردٍّ يحفظ المجهود النقدي والعلمي لكل الأطراف المعنية، السيد معتصم إسماعيل، والباحث ميكائيل بيفيرز، والمجلة العلمية المحكّمة التي نشرت المقال وهي المجلة الأولى التي تتخصص في الأخلاق الإسلامية عربيًّا ودوليًّا ومع ناشر مرموق كدار “بريل”.

أولا، رغم ضخامة مشروع الفيلسوف طه عبد الرحمن، فإنه لم يتم البحث فيه بعدُ في الجامعات الغربية وباللغات الأوروبية لا في شكل كتب خاصة حوله ولا في شكل فصول في كتب في أكبر الإصدارات التي تخص الفكر العربي والاسلامي المعاصر، لذلك تفرغت للأمر ونشرت مقالاً محكَّمًا في حوالي 40 صفحة تقدم الفيلسوف وفكره العام وبعض مصطلحاته، ومنها مصطلح “الائتمانية” الذي ترجمته ب(Trusteeship)، بعد أن استشرت طه عبد الرحمن نفسه في هذا الأمر لأهميته العلمية، والذي بدوره استحسن الترجمة، فأصبح هذا أول مقال علمي حول الموضوع، وقد نُشر سنة 2015 مع مجلة Oriente Moderno)). قبل ذلك بسنة كنت قد نشرت مقالا مطولا وغير علمي حول الفلسفة الإسلامية في ثلاثة أجزاء مع مجلة ريست لحوار الحضارات (Resetdoc) خصصت الجزء الثالث منها للتعريف بطه عبد الرحمن أيضًا. وبعض آخر إصداراتي حول طه عبد الرحمن ستأتي خلال سنة 2018 ونعلن عنها في حينها.

ثانيا، عندما نشر مقالي العلمي وصلتني بعض الرسائل من بعض الباحثين يثنون على المقال، لأنه المقال الأول الذي يقدم فكر الفيلسوف في عمومه بشكل مكثف ومركز باللغة الإنجليزية، وكان من الباحثين الذين تواصلوا معي الباحث الأمريكي ميكائيل بيفيرز، وأخبرني باهتمامه بالموضوع وباستحسانه للمقال الذي كان مفيدًا له. وفي تواصلنا أرسلت له أيضا القليل مما كان عندي بالانجليزية حول عبد الرحمن.

لاحقا، خلال شهر ماي 2016 دُعيتُ لتقديم مداخلة خلال الندوة السنوية الثالثة حول طه عبد الرحمن التي تنظمها الجامعات المغربية، ونًظمت ندوة العام الماضي في مدينة الجديدة، بجامعة بوشعيب الدكالي، وحضرها باحثون من البلدان العربية وأوروبا وامريكا الشمالية، وخصصت جلسة باللغة الفرنسية وباللغة الإنجليزية. ولأن الندوة تخللتها جلسة باللغة الإنجليزية، نشرتُ إعلانًا عنها في بعض المنتديات، وأرسلتها للمهتمين، فأبدى الباحث ميكائيل اهتمامه وأنه سيحضر الندوة رغم اقتراب أجلها. وقد حضر بالفعل وكانت فرصة للقاء بيننا والتعارف أكثر. كما كانت مناسبة لتقديمه إلى السيد طه عبد الرحمن الذي كان حاضرًا وتبادلا أطراف الحديث. يضاف أن الندوة نظمت مسابقة للباحثين في سلك الدكتوراه والماجستير، لنيل جائزة أحسن ورقة تقدم للجنة التحكيم من خارج أوراق الندوة. وقد شارك الباحث ميكائيل في هذه المسابقة، وحصل على الجائزة الثالثة، وقدم شكره للجنة باللغة العربية آخر الندوة.

ثالثا، لأنني أستشرف عملاً جماعيًّا حول مفهوم الإئتمانية وطه عبد الرحمن، فإنني على تواصل مستمر مع ميكائيل وقلة آخرين ملمين بالموضوع، وعندما دعاني الدكتور معتز الخطيب للكتابة (أو اقتراح شخص آخر) في العدد الأول من مجلة الأخلاق الإسلامية المحكمة قبل سنة تقريبًا من الآن، اعتذرت لعامل الوقت، ورشحت له ميكائيل الذي تواصل معه بدوره ولم يكن يعرفه. كان ميكائيل في مرحلة حرجة من البحث خلال سلك الدكتوراه لكنه مع ذلك فضل أن يشارك بمقال – مراجعة (Review Essay) كما طُلب منه، نظرًا لاهتمامه بالموضوع علميًّا وشخصيًّا. فهو يرى في مشروع عبد الرحمن روحًا فكرية خالصة لم يرها في غيره، بحسب كلامه لي، ولذلك اختار البحث والعودة إلى الجامعة بعد أن اشتغل مع القوات البحرية الأمريكية في الخليج والعراق سنة 1990 وبرنامج المساعدات الأمريكية سنة 2008.

ومن المهم توضيح أمر يلتبس على غير الأكاديميين وهو أن مقالات-المراجعة (Review Essays) تختلف عن المراجعات (Book Reviews) كما تختلف عن المقالات العلمية (Scientifc Articles or Papers). فالمقال – المراجعة عبارة عن تعليق على كتابين أو ثلاثة في نفس الوقت، وفي هذا النوع من المقالات لا يتم التعليق بشكل مفصل على محتوى كل كتاب على حدة كما هو الحال مع مراجعة كتاب واحد فقط، وإنما يمتلك الكاتب حرية أكبر في التنقل بين الكتب وربطها بفكرة واحدة إن كانت لمؤلفين مختلفين أو بمشروع إن كانت لمؤلف واحد. ومساهمة ميكائيل في المقال موضع النقاش هي مراجعة ثلاثة كتب وليس كتابا واحدا، كما أن مقالات المراجعة والمراجعات يتخفف فيها الكاتب فلا تخضع للتحكيم العلمي كما لا يُتبع فيها أسلوب التوثيق، ومن هنا تحرر ميكائيل من هذا كله في كتابته لمقاله. بمعنى آخر، لا أرى أن نية ميكائيل هي انتحال بعض أفكاري أو قراءتي لطه عبد الرحمن وهو يعرفني ويعرف أن مقالي منشور على الشبكة، ويعرف أن بعضا من أعضاء تحرير المجلة تعرف باهتمامي بطه عبد الرحمن، خصوصًا أننا نتحدث عن قراءات لمفكر واحد هو طه.

رابعًا، لقد تدخلت المجلة وطلبت من الباحث الأمريكي ومن المعني بالأمر حصحاص الرد على ما كتب من قبل معتصم إسماعيل، فرد الباحث الأمريكي في اليوم نفسه على طلب المجلة. ومما جاء في الرد تزكيةٌ لما قيل أعلاه، واعترافٌ بالخطأ – إن صدر– من جهة أننا لا نتحدث هنا عن سرقة أفكار وإنما عن الاعتماد على مصدر ثانوي دون الإحالة إلى ذلك وقد رد ميكائيل بيفيرز قائلا: إنه قد يكون أخطأ لأنه لم يشر إلى مقالي في مقال-المراجعة هذا، ولكنه أكد أنه في رسالته للدكتوراه أشار لمقالي مرات عديدة ومتكررة – وكان قد أخبرني بذلك شخصيًّا عدة مرات قبل الآن.

أما بخصوص الخلط بين مصطلحات طه عبد الرحمن وأصلها ـ أي في أي كتاب ذُكِرت بالضبط، هل في كتاب روح الحداثة أم العمل الديني وتجديد العقل، فإن الباحث بيفيرز يقول في رده على تساؤل المجلة واتهام معتصم إسماعيل: إنه ربما أخطأ في عدم التدقيق في الأمر، لأنه كان يكتب تعليقًا شاملاً على الكتب الثلاثة وأفكارها العامة. نعم كان على الباحث تحري الدقة العلمية وتسلسل المصطلحات لتفادي الخلط لدى القارئ المتخصص وغير المتخصص، خاصة أن فكر طه وكتبه غير معروفة بما فيه الكفاية. فالقارئ المتمعن والمتتبع للموضوع –كحال السيد معتصم إسماعيل – له الحق، بل من واجبه، أن يتوقف عند تشابه القراءات أو تماثلها؛ صونًا للأمانة العلمية العامة وصونًا لمفهوم النقد والتحري في البحث العلمي.

حاصل القول أنني سعيد، أولا، أن فكر طه عبد الرحمن أصبح بالتدريج يجد مكانًا له في المجلات العلمية المحكمة وبين الباحثين داخل وخارج العالم العربي، وسعيد، ثانيا، أن روح التدقيق والتحري باقية رغم زحمة المكان في العالم الإفتراضي الذي قد يضر بالبحث العلمي المتعارف عليه. ويبقى النقاش هنا يدور خارج إطار الأبحاث العلمية المحكمة في المجلة المذكورة، والتي هي أول مجلة عربيًّا ودوليًّا تخصص عددًا خاصًّا عن موضوع “القرآن والآخلاق”.
د. محمد حصحاص (روما 10 شتنبر 2017)