إصدار جديد للدكتور “محمد وراضي”

بعد كتابه الصادر عام 1980م تحت عنوان “الأغلبية المخدوعة من خلال محنة مناضل”. صدر للدكتور محمد وراضي بداية صيف هذا العام 2017م مؤلف عنوانه “الأقلية الخادعة عبر التاريخ حامية للفكر الظلامي السلطوي والسياسي”.

فكان أن أوفى بما وعد به بعضا من أصدقائه، خاصة وأن “الأغلبية المخدوعة” تقتضي وجود “أقلية خادعة”. مما يعني أن انتظاره لمرور سبع وثلاثين سنة، كي يخرج بهذا الإصدار، إنما لكونه حريصا على تحديد هوية الخادعين قدر المستطاع. وهذا الحرص منه، فرضته الظروف والملابسات التي عرفها العالم برمته، ومنه العالمان: العربي والإسلامي.

فيكون عنوان مؤلفه الجديد شاملا يغطي مختلف دول المعمور. خلافا للأغلبية المخدوعة الذي حاول فيه تقديم صورة مضغوطة عن وضع الجماهير المغربية كهدف لمن مارسوا ويمارسون عليها فن الخداع والمكر! على مدى فترة تمتد من عام 1955م إلى عام 1980م.

وقد وقف المؤلف على واقع “الأقلية الخادعة” لدى الرومان والمصريين والفرس، والهنود والصينيين بإيجاز، على اعتبار أن هذه الأقلية مدعمة لإرهاب الدول، ولترسيخ مختلف مظاهر الجاهلية، إلى حد أن الأباطرة والفراعنة والأكاسرة، كانوا بمثابة آلهة معبودة. فالإمبراطور الروماني كان يقوم على الطقوس الدينية الوثنية، ومثله فرعون الذي قال – كما ورد في القرآن الكريم-:”أنا ربكم الأعلى”.

وهذا يعني أن القياصرة والفراعنة، كانوا يجمعون بين السلطة الدينية والسلطة السياسية. والجمع بينهما سوف يعرف لاحقا في العصور الوسطى بالجمع بين “السلطة الروحية” و”السلطة الزمنية”. إلا أن رجال الفكر والقلم -بعد تضحيات جسيمة قدرها فولتير بعشرة ملايين معارض – أفلحوا في الفصل بين السلطتين، وحالوا دون الباباوات والجمع بينهما؟ مع العلم بأن الدين الذي يتحدث عنه المسيحيون، دين تحول إلى كهنوت! من وراء التأسيس له الرهابنة والقساوسة، بينما الإنجيل لا يتوفر على ما ابتدعوه من فكر ظلامي قاتم؟ وفي الوقت ذاته، لا يتوفر على أحكام شرعية عملية كالتوراة والقرآن، وإنما تتوفر فيه مواعظ، ووصايا، مجسدة في السيرة الذاتية العطرةلرسول الله عيسى بن مريم.

ثم أوضح المؤلف بأدلة قاطعة، كيف أن المسيحيين، لم يحكموا قط بما أنزل الله؟ فالإنجيل لا يتوفر – كما تقدم – على الأحكام الشرعية. إضافة إلى كونهم لم يعتمدوا الأحكام الواردة في التوراة كما أمروا، لتنظيم حياتهم العامة والخاصة، فلزم رفض الادعاء القائل بأن الأوربيين فصلوا الدين عن الدولة بخصوص تسيير شؤون دولهم على العموم. مع الاقتناع التام بأن القوانين الوضعية العلمانية، هي الأسس التي كانت دولهم تعتمد عليها؟وبإيعاز من الكهنوت المظلم، وانطلاقا منه، جرت الحروب الصليبية بينهم وبين المسلمين.

ولم يغفل المؤلف الوقوف على الأوضاع الداخلية لشبه جزيرة العرب قبل الإسلام، ولا غفل الحديث عن ارتباطاتها الخارجية، مع الشام مثلا (إمارة الغساسنة). ومع الفرس (إمارة المنادرة). فقد عرف العرب الوثنية في جل مناطق بلدهم، كما عرفوا النصرانية في نجران وماحولها. كما عرفوا اليهودية في يثرب (= المدينة المنورة لاحقا). وبالتالي عرفوا الحنيفية (= دين سيدنا إبراهيم)، إنما في حدود ضيقة.

وانتهى المؤلف إلى نتيجة مؤداها أن الجاهلية غير محصورة في العرب، وإنما هي عامة لدى كافة شعوب العالم حتى وقتنا الحاضر!!! وما الحرب العالمية الأولى والثانية، ومسمى الحرب الباردة، وما يجري الآن من دمار وقتل وتشريد وتهجير، خاصة في دول عربية وإسلامية، ما هو إلا نموذج صارخ للجاهلية التي تعني رفض الاحتكام إلى الشرع الإلهي من جهة، وإلى الأخلاق التي يتبجح بها العلمانيون من جهة ثانية! حتى من طرف من يزعمون بأنهم إلى فرقة أهل السنة والجماعة منتمون؟؟؟

وحرص المؤلف على تقديم صورة رائعة للبعثة النبوية التي جاءت لتوجيه الإنسانية جمعاء إلى جلب المنافع و دفع المضار، في إشارة منه إلى الوحدة الإنسانية والكرامة البشرية والحرية والمساواة، والعدل والتضامن والتكامل، والتعارف والتشاور، كي يعم السلام والأمن والاستقرار كافة شعوب العالم.

إنها إذن مبادئ نورانية تنويرية، تقطع الطريق أمام أضدادها من الرذائل الظلمانية كالتعالي والتعصب والطغيان، والتمادي في الباطل، والحرمان من الحرية والاستقلال، والتمادي في الاستبداد وتجاوز الإرادات العامة، وفرض ما يرفضه الدين والعقل على الأمة، كتولي إدارة شؤونها دون رضاها، الذي لا يحصل إلا باحترام مبدأ الشورى وتطبيقه، كما كان رسول الله والخلفاء الراشدون المهديون بعد التحاقه بالرفيق الأعلى يطبقونه.

وقد كان من دأب رسول الله الجمع بين الدين والسياسة، أو بعبارة أخرى: بين النقل والعقل. فما هو وحي، لا مفر من الخضوع له والعمل به، وفق توجيهاته وتعليماته، وأوامره ونواهيه. أما ما هو عقل فيشارك فيه غيرهمن الصحب الكرام، يعني أنه يستشيرهم في أمور دنيوية كثيرة. وأهمية الشورى واردة في الذكر الحكيم والسنة النبوية. إنها مبدأ ديني من مرادفاته كل من مشورة ومشاورة وتشاور.فلزم – على سبيل المثال – أن يعمل الولد بمشورة أبويه. والمريض بمشورة الطبيب. والمتعلم بمشورة معلمه.بحيث تكون الشورى مرافقة للإنسانفي مختلف المجالات الحياتية، كنصائح وكتقويمات لسولكياته من طرف أي كان، إن هو قادر على تفعيل عملية النقد الذي يعني إظهار المعايب والمحاسن بناء على أدلة واضحة. يكفي أن الشورى مورست بصرامة وبوعي تام في مجال اختيار الخلفاء الأربعة الراشدين.

فالرسول الذي أدرك قيمة الشورى كمبدأ مساهم في الاستقرار والاستمرارية لتسيير شؤون الدولة قال: “لو كنت مؤمرا على أمتي أحدا من غير مشورتهم لأمرت ابن أم عبد”. (يقصد عبد الله بن مسعود)؟ فصح أن يسقط هنا مع هذا النص الحديثي ما ادعاه الشيعة من كون رسول الله أمر عليا كخليفة له!!! مع أن هذا الزعم لم ينته إلى علم الخلفاء الأربعة الذين أدركوا كيف أن تعيين الحاكم لا بد أن يكون نتيجة للشورى. وأن التوريث في السلطة لا يستقيم إسلاميا مع الكيفية المسنونة لاختيار أولي الأمر.

ودرسنا البليغ للتأكد من عدم وجاهة فرض الحكام على الأمة من ناحية. وتمرير السلطة لأحد أقاربهممن ناحية ثانية. نستفيده من اختيار أبي بكر كخليفة للمسلمين على إثر الشورى التي عرفتها سقيفة بني ساعدة، ثم اختيار عمر، فعثمان، فعلي. دون أن يعين أي من هؤلاء ولدا من أولاده وليا لعهده كحاكم من بعده. حتى علي عندما كان على فراش الموت قيل له: إن مت فهل نبايع ولدك الحسن؟ فكان جوابه: “لا آمركم ولا أنهاكم أنتم أبصر”. (البداية والنهاية لابن كثير 7/327).

لكن توريث السلطة الذي يفيد تعيين حاكم للمسلمين من ذات الأسرة التي حكمت من قبل، أحدثه معاوية رحمه الله من اجتهاده الشخصي حين عين ابنه يزيدا وليا للعهد. وهو ما نقمه عليه التابعي الجليل الحسن البصري أكرم الله مثواه؟ مما يفسر عدم اعتبار معاوية واحدا من ضمن الخلفاء الراشدين؟؟؟

وما له صلة بتوريث السلطة ووجوب الشورى لاختيار الحاكم، وكيفية قيادته للأمة، أوضح الإسلام من خلال السيرة النبوية نكتة غاية في الأهمية. إنها عدم مشروعية الجمع بين السلطة الدينية والدنيوية، لأن الجمع بينهما من حق رسول الله وحده. وإلا عدنا إلى الوراء التاريخي حيث كان القياصرة الرومانيون والفراعنة المصريون مقدسين معبودين! وفي نفس الآن حكاما طغاة متجبرين!يعني أن رسول الله وحده يملك حق الحديث باسم الدين. أما غيره من قادة الدول الإسلامية لاحقا فلا يملك غير الحديث بالدين مثله مثل العلماء وباقي المسلمين في كل زمن وفي كل مكان؟؟؟

وقد حاول المؤلف متابعة الأقلية الخادعة من خلال ما تناوله من أحداث، ورصد محاولات متعددة للحديث باسم الدين لدى كل مدع للنبوة، ولدى الملوك والأمراء والقادة. فركز على المأمون العباسي الذي تبنى فهم المعتزلة للتوحيد، فمارس بدعم مطلق منهم الطغيان ضد العلماء والمحدثين والقراء والمؤذنين الذين أصروا على رفض القول بخلق القرآن؟؟؟ وهو نفس الدور الذي سوف يؤديه المعتزلة المعاصرون بخصوص علاقاتهم مع حكام العرب والمسلمين؟؟؟

وبعد أن أوضح المؤلف كيف أن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، أدان الممارسة السلطوية للحكام الذين هم من قومه بني أمية! وأعاد الصورة الناصعة لخليفة رسول الله عمر بن الخطاب، واجهه الظلاميون من ممثلي الأقلية الخادعة! هذه التي عادت بعد وفاته لتأدية دورها في دعم الاستبداد. هذا الذي كان سببا للقضاء على الأمويين من طرف العباسيين. هؤلاء الذين وضعوا مجددا روح التقدم في أوصال نظامهم الإسلامي. إلا أن سقوط دولتهم على إثر ممارسات مشينة، مهد الطريق أمام ظهور دولة الأتراك العثمانيين، الذين أبلوا بلاء حسنا في استمرار تماسك المسلمين في دولة تذكر بالدولة الأموية والعباسية في قمة مجدهما. لكن الأتراك بعد النهضة الأوربية، فقدوا زمام حماية العالم الإسلامي من الانهيار، فخضع المسلمون تباعا لهزات استعمارية، تخلوا بسببها مكرهين عن النظام الإسلامي. فكان أن طمرت أو طمست صفات كان يحملها حكام بعض الدول الإسلامية، كأمير المسلمين، وكأمير المؤمنين. أي أنها أصبحت على مستوى التطبيق والممارسة تتناقض مع الدين الحق تمام التناقض؟؟؟ فلزم الحديث منطقيا ودينيا عن حكام المسلمين كملوك وكرؤساء وكأمراء؟؟؟

ثم إنه لزم الاعتراف بأن التخلي عن مبادئ الدين، هو الذي وسع الهوة بين الشعوب العربية والإسلامية وبين قادة الأنظمة العلمانية. وتوسيع الهوة وضع جد سيء؟ عليه اشتغل الإسلاميون وعليه يشتغلون. مما فتح الأبواب أمام انتشار ظاهرة الإرهاب التي هي في الواقع السياسي وليدة طغيان الحكام وجبروتهم! والحال أن انتشار الإرهاب، استدعى تدخل الاستكبار الدولي؟ إلى حد اعتبار الإسلام دين عنف وتجبر وظلام دامس!!! وهذا التدخل الاستكباري في شؤون الدول الإسلامية المحكومة بدكتاتوريين، هو المسؤول عن التدمير والتهجير، وقتل آلاف الأبرياء بأسلحة الغربيين الذين تعودوا على جعل بلدان الشعوب المعارضة لسياساتهم الاستغلالية، ميدانا مفتوحا على مصراعيه لتجريب ما تنتجه مصانعهم من أسلحة الدمار الشامل. مما يعني أن مواجهة الإرهاب تستدعي الوقوفعند أسبابه الموضوعية والذاتية. لكن الوقوف عليها عمليا مرفوض بالنسبة للاستكباريين المنتفعين من تواطؤهم مع حكامنا، بحيث إنهم يفضلون تجنب مواجهة الدكتاتوريين الذين يحكموننا حتى لا يفقدوا الأبقار الحلوبة وهم صاغرون؟