المغرب وخيار الفقه المالكي

تشابه البيئة المغربية بالبيئة الحجازية واشتراكهما في كثير من الأمور والخصائص والعادات، كاعتمادهم الفقه العملي أصلاً من الأصول التشريعية الأثر القوي في ترسيخ هذا المذهب وتثبيت دعائمه في بلاد المغرب.

علل ابن خلدون غلبة هذا المذهب على المغرب والأندلس فقال: «أما مالك رحمه الله تعالى فاختص بمذهبه أهل المغرب والأندلس وإن كان يوجد في غيرهم إلا أنهم لم يقلّدوا غيره إلا في القليل، لأن رحلتهم كانت غالبًا إلى الحجاز، وهو منتهى سفرهم، والمدينة يومئذ دار العلم، ومنها خرج إلى العراق، ولم يكن العراق في طريقهم، فاقتصروا على الأخذ من علماء المدينة، وشيخهم يومئذ مالك وشيوخه وقلدوه من دون غيرهم، وأيضًا فالبداوة كانت غالبة على أهل المغرب والأندلس”.

وقبله قال ابن حزم: “مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرئاسة والسلطان: الحنفي بالشرق والمالكي بالأندلس”. ويضيف: “وكان الغالب على أهل إفريقية السّنن، ثم غلب الحنفي، فلما تولى المعز بن باديس سنة 407 حمل أهلها وأهل ما والاها من بلاد المغرب على المذهب المالكي وحسم مادة الخلاف في المذاهب، فاستمرت له الغلبة على سائر بلاد المغرب”.

ينقل مصطفى القضاة، أن الإمام إدريس كان على مذهب الإمام مالك، ودعا الناس للأخذ به واتباع منهجه وجعله مذهبًا رسميًا، معززًا ذلك بقوله: “نحن أحق باتباع مذهب مالك وقراءة كتابه الموطأ»، وقد أرسى المولى إدريس أصول المذهب المالكي في المغرب الأقصى، بإسناد منصب القضاء الأول لشخصية عربية هي: عامر بن محمد بن سعيد القيسي، تلميذ الإمام مالك، «فكان عامر أول من أدخل الموطأ إلى المغرب الأقصى”.

وأسهم الحكام في انتشار المذهب، لما قربوا من يدرسه ويجيده، يقول أحمد تيمور باشا: «ولما قامت دولة بني تاشفين بالمغرب في القرن الخامس واستولوا على الأندلس، وتولى ثانيهم أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين اشتد إيثاره لأهل الفقه والدين. فكان لا يقطع أمرًا في جميع مملكته دون مشاورة الفقهاء، وألزم القضاء بألا يبُتّوا حكومة في صغير الأمور وكبيرها إلا بمحضر أربعة من الفقهاء، فعظم أمر الفقهاء. ولم يكن يقرّب منه، ويحظى عنده إلا من علم مذهب مالك، فنفقت في زمنه كتب المذهب، وعمل بمقتضاها ونبذ ما سواها…. ثم زالت دولتهم واستولى الموحدون على مملكتهم في أوائل القرن السادس، وسلك خليفتهم عبدالمؤمن بن علي هذا المسلك فجمع الناس بالمغرب على مذهب مالك في الفروع، ومذهب أبي الحسن الأشعري في الأصول».

يكثر الجدال حول دور الموحدين، في تغيير البيئة الدينية، يقول مصطفى القضاة: «إنه وبسقوط الدولة المرابطية (1050-1147) واستيلاء الدولة الموحدية (1121-1269) مرّ المذهب المالكي بفترة عصيبة، حيث ضيق على فقهاء المالكية وأحرقت مدونة سحنون، خصوصاً في عهد يعقوب بن يوسف بن عبدالمؤمن، حيث طلب من الناس ترك الاشتغال بعلم الرأي وأن لا يتمسكوا بشيء من كتب الفقه، ويواصل: «غير أن هذه المحنة التي لحقت بأتباع المذهب المالكي لم تطل، فبزوال الدولة الموحدية ومجيء الدولة المرينية (1242-1465) عاد النفوذ إلى المذهب المالكي، وما زال، فقد استطاع بنو مرين بسرعة أن يسترجعوا ما ضاع، وأن يبعثوا ما فقد من كتب المالكية وفي صدرها كتاب المدونة».

ولكن البعض يناقش هذه المعطيات، ويحاول نقدها، بفهم الدولة الموحدية على أنها تبنّت منهاج بعث الاجتهاد، ويورد بحث حاول تبني نظرة جديدة، طرح في ندوة المدرسة المالكية بفاس، حول الصلة بين المالكية والدولة الموحدية: «على الرغم من أنه لا يمكننا -استنادًا إلى ما بين أيدينا من مصادر- مجاراة صاحب المعجب في تقديره لحجم انتشار المذهب الظاهري، فإن ذلك لا ينفي مدى الإقبال الذي حظي به في بعض الأوساط العامية، لدواع متعددة ومتنوعة، وهو ما يكون عاينه الفقهاء، وقد هالهم أن ظهر بين العامّة من يتنكّر لفتواهم ويستقل بالنظر لنفسه». وفي ذلك يقول الفقيه ابن المناصف (ت 620هـ/1223م):

نشرت وزارة الأوقاف المغربية، على موقعها الإلكتروني، مقالاً، بعنوان «لماذا اختارت المغرب المذهب المالكي»، جاء فيه: «ملاءمة المذهب لطبيعة أهل المغرب، ومساندة السلطة للفقهاء المالكية، إن لتشابه البيئة المغربية بالبيئة الحجازية، واشتراكهما في كثير من الأمور والخصائص والعادات، كاعتمادهم الفقه العملي (الأعراف والعادات) أصلاً من الأصول التشريعية، الأثر القوي في ترسيخ أركان هذا المذهب وتثبيت دعائمه في بلاد المغرب. كما ظل أهل المغرب ملتزمين بهذا المذهب على مستوى الحكم، فأضحى مذهبهم الرسمي منذ عهد الأدارسة إلى يومنا هذا، يلزم به الأمراء والسلاطين الخاصة والعامة، مما يدل على أصالة هذا المذهب، وقدرته على التكيف والاستمرارية.

المدرسة الرائجة في تناول المذهب المالكي، هي ربطه تمامًا، بإدريس الأول، كما مرّ، ورفض الحديث عن تأخر دخوله. يقول محمد عزالدين معيار الإدريسي، في بحثٍ قديم، تعيد نشره وزارة الأوقاف المغربية: «والواقع أن المولى إدريس الأكبر، كان عند دخوله المغرب قد آثر الاتجاه السني، واتباع مذهب مالك، مما كان فيه للمغرب الخير العميم، وبذلك جمع المولى إدريس بين أمرين عظيمين ضمنا لهذا البلد الأمين التقدم والازدهار، والوحدة والاستقرار، وهما العرش الذي ظل على مدى أكثر من اثني عشر قرناً مصدر عظمة المغرب وشموخه، ومذهب مالك الذي ظل وعلى الامتداد الزمني نفسه من أهم عوامل نجاة المغرب من الاختلاف المذهبي، والتباين الفقهي، الشيء الذي عانت منه كثير من البلاد الإسلامية التي سمحت بتعدد المذاهب الفقهية، ويبدو من خلال ما تقدم من المولى إدريس بن عبدالله، الذي كان يحفظ موطأ مالك، أول من دعا المغاربة إلى مذهب مالك وقراءة الموطأ، قبل أن يرسخ من بعده خلفه ووارث سره المولى إدريس الأزهر الذي اختار عامرًا القيسي لقضاء فاس، وكان كما قال ابن أبي زرع «رجلاً صالحاً ورعاً فقيهاً، سمع من مالك وسفيان الثوري، وروى عنهما ثم خرج إلى الأندلس برسم الجهاد، ثم جاز إلى العدوة فوفد منها على إدريس فيمن وفد عليه من المغرب. وهكذا يظهر أن أبناء عبدالله الكامل، وبالتحديد ابنه إدريس الأكبر ثم حفيده إدريس الأصغر هما اللذان أدخلا مذهب مالك إلى المغرب وفي الوقت نفسه موطأ مالك».
ـــــــــــــــ
خلاصة من بحث: عمر الترابي ‘التشيع في المغرب العربي تمرد ناعم’، ضمن الكتاب 115 (يوليو 2016) ‘إيران ودول المغرب: المسألة الشيعية’ الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.