مجلة أفكار: تجديد في الشكل وإبداع في المضمون

خرج رقم 19 من مجلة “أفكار” (شهر أكتوبر الجاري) في حلة جديدة وقشيبة، وقد عرفت المجلة تغييرا شاملا من حيث الشكل، وتركيزا ذكيا على الصور، حجما وجودة.

المجلة في شكلها الجديد، اعتمدت على تزيين المقالات بلوحات فنية من توقيع رساميين متمرسين، وهي إضافة نوعية تساهم في تغذية الحس الفني لدى القارئ، وأيضا في تشجيع الفنانين على نشر إبداعاتهم..

كل هذه الأشياء لم تمنع الساهرين على هذا المولود الاعلامي، الذي دخل عامه الثاني، من الاحتفاظ بهويته التحريرية، القائمة على مقاربة مواضيع فكرية وفلسفية ودينية شائكة، مع تقريبها وتبسيطها إلى ذهن المتلقي، في أفق تعزيز المصالحة بين الفكر والواقع، وخير مثال على ذلك هو اختيار المجلة في عددها الأخير موضوع: “العلمانية المفهوم، النماذج والحدود”.

التحدي الذي رفعه أصحاب “أفكار” هو المزاوجة بين البعد الفكري والفلسفي للمضمون مع تجديد من حيث الشكل،واستلهام أحدث القوالب المعتمدة في نشر المجلات الحديثة.

ويرى رئيس تحرير المجلة، الأستاذ منتصر حمادة، أن عتماد شكل جديد للمجلة تم لاعتبارات فنية وجمالية، لأن النسخة القديمة (والتي تشبه مثلاً شكل مجلة “إسيبري” الفرنسية”) كانت خالية من الصور والزخرفة وما إلى ذلك، وهذه عوامل جمالية تساعد بشكل أو بآخر على إثارة انتباه شريحة معينة من القراء.

ويؤكد “حمادة” أن المجلة ستبقى وفية لخطها التحريري الذي تأسس على ثلاث محددات: “الانتصار لثقافة الاعتراف، المساهمة في رد الاعتبار للكتاب، والانتصار للمقاربة المعرفية في تناول القضايا والمفاهيم، عوض المقاربات الفكرانية/ الإيديولوجية”.

تناول العدد الجديد من مجلة “أفكار” موضوعا معقدا، له أبعاد فكرية وفلسفية ودينية، وكتب فيه باحثون ومفكرون وفلاسفة وسياسيون منذ عقود خلت، ولا يزال البحث فيه يسيل الكثير من المداد، ولا سبيل إلى الحسم فيه في المستقبل القريب.

يقول “منتصر حمادة” إن “تناول مفهوم “العلمانية” قبل أحداث “الربيع العربي”، كان أشبه بالترف المعرفي بالنسبة للمتلقي، ولو أنه لم يكن كذلك بالنسبة للمفكرين والباحثين الذين اشتغلوا عليه، إلا أن الأمور تغيرت كثيراً اليوم، بحيث أصبحنا نعاين مطالب برد الاعتبار للمفهوم، بل والدعوة إلى الاستفادة من تجربة بعض الدول العلمانية في المجال التداولي الغربي، في معرض التعامل مع التجارب الدينية والقلاقل المرتبطة بها، فكان ضرورياً مواكبة هذه النقاشات عبر هذا الملف الأولي، لأنه لا مفر من العودة للموضوع لاحقاً”.

اختيار موضوع العلمانية في هذا الوقت يعتبره رئيس التحرير “مجازفة ضرورية وحتمية”، لأنه لا ينبغي ترك المجال فارغاً، حيث ستزداد استفحالا المغالطات والتشوهات التي تطال المفهوم، “بمقتضى التأثير الكبير للخطاب الديني التقليدي، في شقيه الرسمي والحركي، على المخيال الجمعي لعامة وخاصة المسلمين، وهو التأثير الذي أفرز لنا هذه الصور المغلوطة حول المفهوم، من قبيل أن العلمانية تعادي الدين أو تفيد الإلحاد، كما لو أننا إزاء نموذج واحد من العلمانية، وهذه لوحدها مغالطة”.

وسعت “أفكار”، في تناولها لملف العلمانية، أن تقارب الموضوع من وجهات متعددة، ومن جملة هذه المواضيع: “المقدس والعلماني الدين والسياسة عالمياً” (ترجمة يوسف بنشرفي)، “في رحاب مفهوم العلمانية” (سعيد عبيدي)، “تحديد مبادئ العلمانية” (ترجمة الطبال محمد)، “العلمانية: آلية فصل لا أداة إلغاء” (عماد أجحا)، “العلمانية والانتعاش الديني” (حسن أشرواو)، و”في أفق علمانية متدينة” (عبد الفتاح نعوم)…

وكتب في المجلة أيضا شباب آخرون ينحتون أسماءهم يوما عن يوم في عالم البحث والفكر، وهم على سبيل المثال: بدر الحمري، حسام هاب، محسن المحمدي، وغيرهم كثير..

بالإضافة إلى الافتتاحيات المتميزة لمجلة “أفكار”، والتي يوقعها الأستاذ “منتصر حمادة”، بحسه النقدي والاستشرافي، هناك ركن “إشراقات”، التي يبدع فيها سيدي “محمد الحراق”، وقد كتب هذه المرة عن “أزمة المعنى وسؤال الدين”، هذا دون أن ننسى أن مدير نشر هذه المجلة الواعدة هو الاستاذ “عبد القادر الشاوي”، وهو اسم ارتبط مبكرا بعالم النشر والكتابة والأدب والفكر..

يقول رئيس تحرير المجلة، “منتصر حمادة”، إن “هناك مجموعة من الملفات قادمة في الطريق، ومنها ملف الحداثة وإشكالاتها، وهذا موضوع كُتب عنه الشيء الكثير، ولكن، على غرار مفهوم العلمانية، ما زال يحظى ببعض التشويش والضبابية لدى المتلقي في مجالنا التداولي”، مؤكدا أنه “يجب التوقف عنده ببعض التفصيل والتعريف والتوسط بين اجتهادات المفكرين والفلاسفة المحليين والغربيين، وبين المتلقي، أي قارئ المجلة”..
اسلام مغربي