ابتذال القرآن: أو عندما تتخذ الفضائياتُ الوحيَ سُخريا

محمد أمين السقال
من علاج السرطان إلى علاج البواسير، ومن وصفات للزواج والإنجاب إلى أخرى لتقوية الباه وعودة الشيخ إلى صِباه..
إذا كنت فاشلا في الحياة المهنية أو الزوجية فالحل في جَعبتنا، وإذا كنت مسحورا أو ممسوسا فالعلاج في تمائمنا..
من تبحث عن الجمال فنحن خالقوه ومن يريد أن يقوّم جُسمانَه تنحيفا وتطعيما، رسْما ومَشْقا فنحن ناحتوه..
هكذا تكلمنا جملة من القنوات الفضائية بلغة القرآن وبأصوات المقرئين الكبار مستغلة ما لكلام الله تعالى من دالَّة وسلطان على قلوب المسلمين لتسويق منتجاتها العشبية أو الطبية أو لإنفاذ وصفاتها السحرية والعجائبية مغتنمة ما تعانيه فئات واسعة من العرب والمسلمين من أمراض مستعصية وآفات نفسية واجتماعية معقدة. وغير قليل منها يضع صورة لشيخ معالج ويخلع عليه من النُّعوت والأوصاف ما يوهّمك بأن الله قد فتح له أسرار الملكوت وحكمة العالمِين وأعطاه من أسباب التطبيب ما لم يُعطاه الأطباءُ مُجتمِعين؛ فما من معضلة حسية أو معنوية، اجتماعية أو اقتصادية، إلا وللرجل فيها مقال جازم ودواء حاسم!
لقد ألزمت نفسي باستقصاء عدد كبير من هذه القنوات الناطقة بالعربية فوجدتها تبتذل القرآن ابتذالا إلى حد الإسفاف؛ تضع صورة لمَراهِمَ وأدويةٍ لعلاج أمراض/أوهام يستحيي الواحد(ة) منا أن يشاطرها أصدقاءَه أو أهلَ بيته، من قبيل تكبير أيْر الرجل أو صدر المرأة.. ومنها ما يدعي أنه دواء قاتل لمرض العصر (السرطان) وأمراض الدماغ، وتكون هذه العروض وهذه الادعاءات مرفوقة بـ”تلاوة عطرة من الذكر الحكيم”، وكأني بهذه القنوات توهمك بأن علاجها “رباني قرآني” بخلاف “الأدوية العلمانية والإبليسية” التي يصنعها اليهود والنصارى والماسونيون أعداء الإسلام. نعم؛ ما عجزنا عن تحقيقه بالعلم ـ اهتداءً بالوحي ومجاراة للعصر ـ ادعيناه بالسحر والدّجل و”أنصاف الوصفات” محفوفة بالآيات! وليس ذلك منا إلا مزيدا من الإثخان في ظلمات الوهم والجهل.
ومن “نكت” بعض هذه القنوات أنها تسمعك ما تيسر من القرآن الكريم مصحوبا بمشاهد و”لقطات ساخنة” لفتيات شبه عاريات ولشبان بلباس السباحة.. فأين صوْن القرآن وقدسيته؟
إن مثل هذا الصنيع الذي يتخذ من كلام الباري تعالى سخريا لأغراض ربحية خالصة لَصورة حية من صور امتهان القرآن في زمان الفضائيات تعكس مستوى الحقارة التي هوى إليها “تُجار القرآن”.