المرأة من المنظور السلفي الوهابي

أثار قرار المملكة العربية السعودية السماح للنساء السعوديات بسياقة السيارة ارتياحا كبيرا لدى العديد من المتتبعين للشأن الحقوقي بالمملكة السعودية، واستبشر المتفائلون خيرا بهذه الخطوة التي زحزحت فكرا قابعا يحكم بقوة التقاليد ويعتبر كل منحة للمرأة السعودية خارج إطار تلك التقاليد اعتداءا على النموذج الذي ينبغي أن تكون عليه المرأة المسلمة كذا !!!!

ويعتبر هذا القرار السياسي التاريخي بالنسبة للرأي العام السعودي بداية تململ أعراف المملكة باتجاه الانفتاح النسبي شأنه شأن عرض سهرات أم كلثوم على إحدى القنوات السعودية والبقية قد تأتي فيما بعد.

لكن السؤال الذي يتبادر للذهن هو لماذا بعد مائة عام من الوصاية على المرأة في السعودية يتم اتخاذ هكذا قرار؟ هل هو لذر الرماد على عيون الملاحظين من مختلف البقاع لما يحدث بالعربية السعودية؟ أم أن الضغوطات التي مورست على المملكة قد دفع بصناع القرار السعودي ومتخذيه بعد كثير تدارس وتدافع داخل أجنحة الحكم بين من يمشي في اتجاه الانفتاح ومن يمشي بطء السلحفاة في الإصلاح هو الذي أفضى إلى إطلاق سراح قرار من هذا النوع حتى يخرج للوجود في هذه الظرفية؟

لا شك أن المملكة السعودية تحكمها تقاليد وأعراف ضاربة في القدم ومنحدرة من عهود السلف الذين عاشوا قرونا في تلك البقعة وحافظوا على نمط معين من العقيدة الصارمة والتدين الدال على تمسك القوم بحرفية النصوص وظاهر المعنى حتى ترسخت تلك العقيدة وتأصلت وأصبحت في حكم المقدس الذي لا يمس.

ولا شك أيضا أن آل سعود لما حكموا تلك الأرض “المقدسة تاريخيا” ومنحتهم خيراتها من نفط وسياحة دينية تدر أموالا طائلة تأتيها من حجيج العالم، قد استعملوا مداخيل تلك التجارة المربحة لبسط سلطان إيديولوجيتهم عبر العالم الإسلامي.

وهي إيديولوجية تعود إلى فكر سلفي متشدد اعتمده علماء المنطقة كأساس للتنظير الإسلامي الذي يفتي فيما يجوز شرعا وما لا يجوز، وما يوافق الشرع وما يخالفه، بعدما بعدت بين فكر ديني من هذا النوع وبين الاجتهاد العقلي الشقة، وبات كل إعمال للعقل مروقا عن الدين، وكل اجتهاد بشري تعديا على روح الدين حسب الفهم السلفي لمعنى الإسلام.

نعود لقضية المرأة في المجتمع السعودي لنقول إن القضية أكبر من أن تلخص في إباحة قيادة المرأة للسيارة، لأن الأمر يتعلق بذهنية التحريم التي لن تقك عقدتها إلا بإحداث ثورة جارفة للتقاليد المتجذرة في القدامة والمتأصلة في الثقافة، والتي تتطلب تغيير النخب ووصول جيل جديد من الحكام قادر على استشراف مستقبل المملكة وفق سنن التغيير التي تسري في مفاصل الحياة في عالم يتغير بسرعة ويتطلب قدرة على التكيف والتأقلم مع كل مرحلة من مراحل الحياة الإنسانية.

ومن منظور الدعوة إلى فتح آفاق الانتساب إلى روح العصر، كان لا بد من خلخلة المفاهيم العقيمة والجافة حول الدور الذي يمكن أن يلعبه العنصر النسائي داخل المجتمع السعودي إلا من استثناءات نادرة.

وأن نهضة المجتمع باتجاه التغيير لن تتحقق إلا باسهام المرأة ولعبها الدور المنوط بها كفرد فاعل داخل المجتمع لا كعنصر مفعول به وعالة على المجتمع يستهلك ولا ينتج، ويتأثر ولا يؤثر، وتابع غير مستقل بقراره.

ولعمري هذه هي شروط انبعاث الدور الحيوي للمرأة داخل مجتمع محافظ وذكوري مثل المجتمع السعودي.
محمد علي لعموري