صدور كتاب “إبستيمولوجيا السُّوسيولوجيا” لمحمَّد حسين الرفاعي

ضمن مشروع [إستنهاض تساؤل العلم بالمجتمع والإنسان] في المجتمعات العربية، تأليف: د. محمَّد حسين الرفاعي، صدر حديثاً، عن مركز دراسات فلسفة الدين- بغداد- بيروت، بالتعاون مع دار التنوير، الكتاب الثاني بعنوان “إبستيمولوجيا السُّوسيولوجيا: في إستنهاض تساؤل العلم بالمجتمع والإنسان في المجتمعات العربية”. يعلن الرفاعي منذ المقدمة أن الكتاب يقع ضمن تساؤل المفهوم العلمي، وبناء المفهوم العلمي، وإعادة بنائه، في المجتمعات العربية. وهكذا، يبني الكتاب، في كليَّته، تساؤلَ المفهوم، من جهة كونه، هذه المرة، لا يأتي إلينا من بلدان العلم في الغرب فحسب، بل يؤخذ، على أرضية إبستيمولوجية، في بلداننا العربية، من أجل إعادة بنائه، وإعادة بناء مضامينه ومنظوراته النظرية. وفي الإجابة عن وظيفة الكتاب العلمية، يقدم محمَّدحسين الرفاعي الآتي:

“في الحقيقة، ضمن مشروع [إستنهاض- تساؤل- العلم- بالإنسان والمجتمع] في بلداننا العربية، يكون هذا الكتاب الجزءَ الثاني من الثلاثية التي من شأن بناء أرضية إبستيمولوجية لتناول المعرفة العلمية الآتية إلينا من بلدان العلم. فإذا كان كتاب “إشكالية التراث- والحداثة في الفكر العربي المعاصر: مقدمة نظرية في قراءة المعرفة السوسيولوجيَّة الآتية إلينا من بلدان العلم في الغرب (دراسة في إبستيمولوجيا السوسيولوجيا”، يتناول الإشكالية بوصفها عقبة معرفيَّة في وجه [إستنهاض- تساؤل- العلم]، وإذا كان يذهب، أولاً وفوق كل شيء، لأنْ يرسم معالم الطريق المؤدية لتجاوز العقبة، فإن هذا الكتاب، يأتي بعد لحظة الوعي التي من شأن الكتاب الأول ان ينجزها. ماذا يعني ذلك؟ إنَّهُ يعني هذا: يأتي هذا الكتاب، في اللحظة التي تلي لحظة الوعي التي بُنيت(بعد الإنتهاء من الجزء الأول من الثلاثية) بواسطة تجاوز العقبة المعرفية الأساسية في وجه التفكير العلمي، في بلداننا العربية. إنه الجزء الثاني من ثلاثية المشروع المعرفي الذي نطلق عليه تسمية [إستنهاض- تساؤل- العلم] بالإنسان والمجتمع، عَبر [إبستيمولوجيا السوسيولوجياThe Epistemology of Sociology]، في بلداننا العربية، بعامَّة”.

لماذا الإبستيمولوجيا في تناول المعرفية السوسيولوجية؟ ولماذا ضمن تساؤل العلم، وفيه، ومن أجله؟ لأنَّهُ حينما يكون العلم، تكون الإبستيمولوجيا؛ وحينما تكون الآيديولوجيا، تكون الإبستيمولوجيا، وحينما يكون الفكر تكون الآيديولوجيا؛ حينها، وحينها فقط، تحصل الإبستيمولوجيا على: 1- الموضوع الذي من شأنها الأخص: إنَّه الوجه الآيديولوجيِّ في أي معرفة في علوم الإنسان والمجتمع؛ 2- والموضوع الذي من شأنها الخاص: حقل ميدان من ميادين العلم؛ 3- والموضوع الذي من شأنها العام: حقل العلم بعامَّة؛ 4- والموضوع الذي من شأنها الأعم: حقل المعرفة بعامّة.

كما أن الكتاب يتضمن ستة فصول مختلفة، تقع كلها في لحظة بناء حقل “إبستيمولوجيا السوسيولوجيا” في البلدان العربية. وهي، في كل مرة، تبني، وتعيد بناء حقل الفهم الخاص بتلقي المفهوم العلمي.

يتناول “الفصل الأول: الإبستيمولوجيا: تفكير في المعرفة العِلميَّة الحديثة” طبيعة وكيفية الممارسة الإبستيمولوجية، وخصوصيتها. ويقدم وعياً بالمضمون النظري، والمنظور النظري الخاص بالإبستيمولوجيا، التي من شأن علوم المجتمع والإٍنسان، في كل مرة. وتأتي في الفصل الأول، ماهية الإبستيمولوجيا، بعد بناء التساؤل عنها، على الوجه الآتي:
“…على من يسلك طريق التفكير، المؤدية إلى فهم العلم الحديث، التوقف عند المحطات التالية:المحطة الأولى: لا توجد معرفة علمية من دون دورة إنتاجية.المحطة الثانية: تتحدد الدورة الإنتاجية للمعرفة العلمية، بواسطة ذات الباحث من جهة، وبواسطة الموضوع المعطى من جهة أخرى.المحطة الثالثة: حسب الإتجاه المعرفي التي تنخرط فيه الدورة الإنتاجية للمعرفة العلمية، يكون الموضوع المعطى إما العلامات الخارجية التي يراها الباحث ويشاهدها ويلاحظها ويشعر بها(خارج الموضوع هو الموضوع)، وإما ماهية الموضوع وكنهه وحقيقته التي تجر الباحث إلى معرفة ما يكمن فيه من حقائق(داخل الموضوع هو الموضوع).المحطة الرابعة: تُضبط العمليات في الدورة الإنتاجية لصناعة المعرفة، عن طريق العلاقات والروابط المتبادلة بين عقل الباحث، وبين حواسه، من جهةٍ، وبين الباحث والموضوع من جهة ثانية، وبين ما تنتجه العلاقات والروابط المتبادلة بين عقل الباحث وبين حواسه، وبين الباحث والموضوع، وبين مؤسَّسة العلم، من جهة ثالثة”.

يتضمن الفصل الثاني: “فكرة النقد، وفكرة النقد المضاد، وبناء الفهم بممارستهما” الآتي:
“من جهة كون المفهوم في كل مرة كلٌّ، فإن هذا الكل (مفهوم النقد) الذي يخاطبنا من صميم ذاته، بعد وعينا للتصور الأداتي له في حقل العلم، والذي يبقى مع ذلك أداة غايتها أن تُحدِث وتَفعل حركة في النظريات والمناهج العلمية، يصبح كذلك(كُلاً) يضع نفسه في موقع أمام الوعي والفهم والإدراك، في تلك اللحظة التي يلتفت فيها الإبستيمولوجي(عالِم الإبستيمولوجيا) إلى: أولاً: كلُّ مفهوم مُكوَّنٌ من مكونات محددة ترسم معالم عالمه النظري الخاص به، وتُعَيّنُها.ثانياً: يمكن النظر إلى أي مكوَّنٍ من المكونات على أنَّه مفهوم له مكونات ترسم معالم عالمه الخاص.ثالثاً: لا يمكن النظر إلى الصيرورة الداخلية الخاصة بالمفهوم، إلاّ بالنظر إلى صيرورته الخارجية التي تخص علاقته بالمفاهيم الأخرى. رابعاً: يتم النظر إلى الصيرورة الداخلية للمفهوم، والصيرورة الخارجية العائدة إليه، في لحظة معرفية واحدة. بكلمة أخرى، إن فهماً يعتمد الإبستيمولوجيا يقتضي أربع لحظات مقترنة وضرورية في التعرف إلى المفهوم.وعليه، يتطلب النقد – المفهوم، من حيث كونه كُلاًّ، علاقة حرة به، ينفتح فيها العقل عليه وينتشر فيه، بعد أن يكون قد وعى ماهية حقل العلم، من حيث هو مؤسسة، من أجل التخلُّص منها وبالتالي تجاوزها، من جهة، وبعد أن يكون قد وعى وظيفته ودوره في التأسيس: إذ إنَّ ما يؤسّس شيئاً، ينبغي عليه ألاّ يكون مؤسَّساً من قبل الشيء عينه، من جهة أخرى.

ويقدم الفصل الثالث: “ممارسة الإبستيمولوجيا: كتاب “بنية الثورات العلميَّة” لتوماس كون وفكرة الثورة العلمية”، الفكرة الأساسية الآتية:
“…لمجرَّد أن يقدم النموذج الإرشادي (البرادايم Paradigm) العلم العادي على أنه هو العلم، ويحدد معالمه، ولمجرَّد أن تكون صورة البحث العلمي التي يقدمها النموذج هي الصورة الوحيدة – الممكنة – المتاحة للبحث العلمي، ولمجرَّد وجود قواعد عامّة ضابطة ومقيِّدة للبحث العلمي، ولأن ممارسة تلك القواعد، وتطبيق ذاك الإلتزام، هي الممارسة العلمية، ولأنَّ نتائج البحث العلمي، أي بحث علمي، ضمن العلم المأطر بنموذج إرشادي، متوقعة سلفاً، ولأنَّ الأسئلة المطروحة في العلم المأطر بالنموذج الإرشادي أسئلة لا تُطرح إلاّ بعد صياغة إجاباتها المتوقعة من خلال النموذج، فيعني كل ذلك، ومع إجتماعه دفعة واحدة، ويقول بوضوح وجلاء إن عقبة إبستيمولوجية تحول دون الإنتقال إلى نموذج إرشادي آخر، وتقف في الوقت نفسه، في وجه تقدم العلم. ما هي هذه العقبة؟ هي العلم العادي المأطر بنموذج إرشادي يقدم نفسه، على أنه هو العلم، ويحول دون تقديم أي فهم آخر، على أنه هو العلم. العلم هو أنا.. وكل ما عداي ليس علماً.. هكذا يقول لنا العلم العادي”.

تحت عنوان “الإبستيمولوجيا والمعرفة السوسيولوجيَّة الحديثة- نموذج: التأويل في فهم الوجود المجتمعيّ- سوسيولوجيا الفهم عند ماكس فيبر” يقدم الفصل الرابع ممارسة ماكس فيبر للسوسيولوجيا على النحو الآتي:
تقوم سوسيولوجيا فيبر على وضع العقل داخل الظواهرالمجتمعيَّة(والنظر إليها على أنها كليّات).. وبما أن الظواهر المجتمعية تختلف، في كل مرة، عند الإنتقال من ظاهرة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر، ومن خصوصيَّة مجتمعيَّة إلى خصوصيَّة مجتمعيَّة أخرى، ومن محسوسٍ مجتمعيٍّ إلى محسوسٍ مجتمعيٍّ آخر، ومن فعلٍ مجتمعيٍّ إلى فعلٍ مجتمعيٍّ آخر، فيعني ذلك، إن الخصوصية: [خصوصية الشيء-كـ-موضوع] تضرب في جذور طبيعة المنهج؛ وبما أن المنهج، لا يوجد، ولا يظهر، ولا يمكن أن يُستخرج، إلا بعد حضور الموضوع، و[قيامه- إزاء- ذات الباحث- في- ترك الموضوع يتجلى فيها: (في ذات الباحث)]، لكل هذه الأسباب، تعني السوسيولوجيا [سوسيولوجيا الموضوع- في- خصوصيَّتِهِ- الكامِنَةِ- في- فهمِهِ]. وعليه، تمثل لحظة التعرف إلى السوسيولوجيا، لحظة تالية للحظة معرفة الموضوع(لأن ذات الباحث تُقدم على أنَّها مِن موضوع البحث، وفيه)، من جهة؛ومن جهة أخرى، تعتبر لحظةُ التعرف إلى السوسيولوجيا لحظةً تسبق لحظة التعرف إلى المنهج(لأن العقل في المنهج يجيب عن التساؤل كيف أبحث في الموضوع؟ بعديّاً، أي بعد اللحظة التي، فيها، يتعرف العقل على الموضوع، والعلم).

يتضمن الفصل الخامس: “الفكر العربي المعاصر وتساؤل الهرمنيوطيقاممارسة إبستيمولوجية من أجل الهرمنيوطيقا في الفكر[I]” كيفية بناء التساؤل العلمي في العلاقة بين الدين، والنص الديني، من جهة، وبين الواقع المجتمعي، والقبليَّات التي من شأن التساؤل عنه، من جهة أخرى. إنه يقدم الآتي:
“إنَّما التساؤل عن الدين في وجوده المجتمعيِّ، علميَّاً، لهو تساؤل يتطلب أرضيَّةً لقيامه. في التساؤل عن الدين في وجوده مجتمعيَّاً، لا يمكن الحديث إلاّ عن الدينيِّ كما هو ضمن الواقعيِّ، يتجلّى: 1- تلك الوظائف المجتمعيَّة التي يؤديها الدين، ومن ثُمَّ 2- الدينِ بوصفه مؤسسة مجتمعيَّة تبني وتعيد بناء المجتمعيِّ، كما تُبنى ويُعاد بناؤُها بواسطة المجتمعيِّ، على أرضيَّةٍ من بناء الحريَّة الأصليَّة التي من شأن الفكر الإنساني بعامَّة.. وفي حال كهذه، لا يمكن إلاّ أن نأتي بالعلم إلى حقل التساؤل الذي من شأنه. وإنما التساؤل العلمي عن الدين في تعالقه بالواقعيِّ- المجتمعيِّ قد حصل على إجابة له منذ زمن طويل؛ نجدها عند إميل دوركايم، ماكس فيبر، كارل ماركس،…، وأخيراً عند يورغن هابرماس. وما هو جديد في التساؤل، ليس إلا هذا:التساؤل عن الدين في وجوده مجتمعيَّاً في البلدان العربية؛ وما يسمح بقيام هذا التساؤل القديم، مرة أخرى، وأخرى، هو الماهية الأصيلة للتساؤل، وبناءه وإعادة بناءه، بشأن الموضوع ذاته. ولكن ما هي تلك الماهية الأصلية للتساؤل؟ إنها بناء [التساؤل- في-كل- مرة]. [في- كل- مرة] هذه تكتسب مبرر وجودها من الواقعيِّ، ولكنها لا توجد في الواقعيِّ، أي إنها لا توجد في الموضوعيَّةِ الأولى التي من شأنه”.

يتضمن الفصل السادس: “الفكر العربي المعاصر وتساؤل الهرمنيوطيقاممارسة إبستيمولوجية من أجل الهرمنيوطيقا في الفكر [II]” كيفية بناء التساؤل العلمي في العلاقة بين الهرمنيوطيقا، من جهة، وبين الواقع المجتمعي العربي من جهة أخرى. إنه يقدم الآتي:إنَّ [الذهاب- إلى- النص]، محمولٌ بإشكالات Problems، وإشكاليَّات Problematics، يضعها [الواقعيّ- المجتمعيّ] في [الذهاب- الآتي- من- النص]. لأنَّ الذهابَ إلى النص، في الهرمنيوطيقا، ليس ذهاباً من أجل النصّ، بل هو ذهاب، على الدوام، من أجل البنى المجتمعيَّة الأساسية الثلاث: سياسة، ثقافة، وإقتصاد، وتلك العلاقات والروابط بينها. تلك التي ينوجد ضمنها [الكائن- الإنسان]. إنّهُ ذهابٌ يأتي؛ إنَّهُ إتيانٌ يذهب في كل مرَّة يحدث. وإنَّ أي ضرب من ضروب الذهاب إلى النص، عَبر تجاوز [الواقعيِّ- المجتمعيِّ] ونسيانه، لهو تراجعٌ إزاء تساؤل الهرمنيوطيقا. إنَّهُ إنسحاب التساؤل وإتيان الإجابات الجاهزة لفرض سلطتها على الواقعيِّ- المجتمعيّ. بيد أن الهرمنيوطيقا [على- الضدِّ- من- الإجابات- الجاهزة]. وإنَّها تحدث في تلك اللحظة التي تكون البداهات في موقع التساؤل والمسآءلة.. ولهذا، ضمن هذا لا يمكن الحديث ولا يقوم النقاش إلاّ في البداهات وعنها. لماذا؟ لأن البداهات، في حقل العلم في بلداننا العربية، لا توجد بعدُ؛ ولأنَّ العلم لا يقوم إلاّ بعد وجود البداهات التي من شأنه، وبعد التسليم بها، فالمخاطرة هنا ليست أكثر من هذا:محاولة بناء البداهات، وقيام تساؤلات بشأنها من أجل بنائها. وهذا، لأن التفكير الذي يقوم على أرضية الحريّة، في بلداننا، ليس إلاّ [على- الضدِّ- من- السائد- في- مجمله]، يكون.. وهذا لا يكون إلاّ بعد فهم السائد، بعمق، بوصفه ناتجاً عن / ومنتِجاً لـ [العقبات المعرفيَّة- المجتمعيَّة] في تناول تساؤل الهرمنيوطيقا.

تقع مهمة الكتاب الإبستيمولوجية، بوصفه الجزء الثاني من المشروع الفكري- المعرفي للرفاعي، ضمن هذا:
يتناول هذا الكتاب، في ضرب هو الأعمق من تناوله، موضوعات الإبستيمولوجيا؛ ولا يقف عند هذا الحد، بل يذهب إلى تناول موضوعات المعرفة السوسيولوجية التي تأتي إلينا، بالإبستيمولوجيا؛ فهل يحيط بها كلها؟ لا بالتأكيد. إن أي إحاطة بالمعرفة العلميّة لهو إدعاء فارغ؛ وهو ليس خارجاً عن وهم الوحدة. فإذن ماذا يقدِّم هذا الكتاب؟ إنَّه يقدِّمُ تمعُّناً في عمليَّة تلقي المعرفة العلمية الحديثة في علوم المجتمع والإنسان، من قِبَل الممارسة العلميَّة في بلداننا العربية؛ يكشف هذا التمعُّن الأرضيةَ التي تقوم عليها كل المعرفة السوسيولوجية في بلداننا العربية.

هكذا، فإن هذا الكتاب ذاهب إلى أن يضع، إبستيمولوجيَّاً، الأسس لبناء، وإعادة بناء، حقل العلم في بلداننا العربية.
وعليه، إنَّما المسألة الأساسية فيه تتضمن تناول الأرضية التي تقوم عليها المفاهيم، ويقوم عليها تناول المفاهيم في بلداننا العربية؛ وفوق ذلك، إن الكتاب هذا يتناول تناول المفاهيم، ويتناول كيفية تناولها من قبل العلماء والمفكرين والأساتذة الجامعيين والطلاب والقُرّاء والكُتّاب العرب.

مصطفى ناصر