الإنسان الجبار والإنسان الحقير

أملى علي كتابة هذه الخاطرة التي تقترب إلى المقالة تورط الإنسان في قتل شقيقه الإنسان فوق الأرض ، ومنذ بدء الخليقة تمت أول عملية للقتل بين إبني آدم كما تروي قصة البدايات وملحمة النزول إلى الأرض ، وبداية السعي الإنساني فوقها ، وحدوث أول جريمة قتل حيث سيقدم احدهما ( قابيل ) بقتل الآخر ( هابيل ) فكان أول سفك للدم فوق الأرض ، لتتوالى بعده مسلسلات القتل والإغتيالات والتصفيات الجسدية منذ تلك اللحظة إلى اليوم.

سيقول قائل هذا ما نشهده بأم أعيننا في هذا العالم الذي نعيش فيه ، فهل إلى نهاية هذا العنف من سبيل ؟

لقد جاءت دعوات فلسفية قديمة وأخرى دينية تدعو الناس إلى الحب والسلام ، فأما الفلسفة فآمن بمنطوق دعوتها النخبة فاعتنقت أفكار الفلاسفة لأن نمط التفكير الفلسفي يلتقطه الخاصة قبل العامة ، وقد نحتاج إلى تبسيط القول فيه حتى يصل مفهوما لدى عامة الناس الذين يباشرون العمل الشاق بدنيا ولا يكون من تطلعاتهم إرهاق الذهن بمقولات متعالية تحتاج فهما وجهدا فكريين ومستوى من الإدراك والتجريد مالا يقوى على ممارسته كرياضة ذهنية جميع البشر….

وأما الأديان فتخاطب وجدان الناس ومخيلتهم التي يملؤونها برغبات ومتمنيات تستيجيب لحاجيات الفقراء والمساكين والبسطاء في الفهم الذين يؤمنون بسهولة ويسلمون بأي دعوة من شأنها زرع الأمل في النفوس وتعيد بناء المعنى في قلوبهم وتصل نشاط المخيلة لديهم بقوى الغيب حتى يكون لدعوة الأنبياء والرسل مصداقية متعالية…

ولا غرابة في أن من أتباع الديانات نجد فئة الفقراء والمساكين والمقهورين من العبيد والإماء…لأن دعوة الخلاص تكمن في الخطاب الديني المتعالي الذي يجعل دعوة النبي مجرد تكليف من الله للبشر…

ولا غرو أن يناهض هذه الدعوة كبار القوم وعتاتهم من الميسورين والمترفين وأصحاب السلطة والمال…لأن دعوات مثل هذه تنادي بالمساواة والحرية والعدل والتعلق بالله المتعالي بدل الأصنام التي رمزا لعبادة الكائنات الملموسة التي تبيح للمرء إمكانية عبادة البشر للبشر ؛ قلت مثل هذه الدعوات ؛ تقلب موازين القوى فتصيب رهانات المعنى بالثورة الثقافية التي تعدل المختل في العلاقات الإجتماعية ، وتستهدف إرادات الهيمنة التي تبقي على نفس النظام العبودي أو الإقطاعي أو الفيودالي… مما عانى منه الضعفاء والبسطاء كثيرا حتى جاءت دعوات الخلاص تلك لتخرج الناس من الظلم إلى العدل ، ومن العبودية إلى نور الإنعتاق ليتنفس الناس حرية ولو بالشروط الزمكانية المتاحة في تلك الحقب المتباينة…

فهل خلصت الأديان بعد مرور قرون على وجودها إلى إحراز نجاح كما أراد لها جيل الأنبياء إباء الدعوة قبل رحيلهم ؟ أم أن الأديان لم توفق في نزع فتيل الشر في نفوس البشر؟

طبعا لا ، فما يحكيه تاريخ الأديان يؤكد مما لا مجال فيه للشك أن الأديان لعبت دورا محوريا في جلب المؤمنين إلى حاضرة العيش داخل المنظومة ، سواء بأسلوب الإقناع والترغيب أو بأسلوب الفرض والترهيب ، لأن الأجيال التي تلت جيل التأسيس نأت بالمعنى السامي للأديان بسلوك سبيل العنف والحرب لتركيع الأمم والشعوب حتى تؤمن ، في غفلة تامة عن الهدف من كل دعوة دينية وهو الإيمان عن وعي وقناعة وليس عن خوف وخنوع…

زد على ذلك كون البشر قد جبلوا على التدافع والجري وراء المصالح والعمل بشتى الطرق من أجل الشعور بالقوة والإنتصار لفكرة أو عقيدة أو إيديولوجية…

بالمقابل ظلت الدعوات الفلسفية حبيسة من يفهم مراميها من الفلاسفة وتلاميذ الدرس الفلسفي ونخبة المجتمع من طبقة النبلاء والأمراء والبورجوازيين… وكانت مثل هذه الدعاوى بحاجة إلى تقريب المعاني المتعالية إلى أفهام الناس البسطاء مما كان يستدعي إنخراط السلطة والطبقة المثقفة في هذا المشروع التنويري ، بيد أن الفكر الفلسفي لم يحظ بالرعاية من طرف السلطة ، كما عرف هجوما شرسا من طرف حراس المعبد الأورثودوكسي في مختلف الأديان بما فيها الإسلام ، وهكذا حوربت الفلسفة من طرف الفقهاء ( تهافت الفلاسفة للغزالي ) ، بل إن كتب هذا الإمام كانت قد حظيت بالترويج والشعبية أكثر مما نالته كتب إبن رشد وإبن خلدون بسبب تفشي الفكر الداعي إلى التسليم بالمسلمات دون إعمال العقل ، وحتى حين اشتغل العقل ظل حبيس فكر دوغمائي أسسه فقهاء كي يكون حجر عترة أمام حرية الفكر والإبداع….وهكذا ضاعت القيمة القصوى للإنسان حين قيدوا عقله بنصوص حتى عبدوها كما يعبد الإله ، وضيقوا على الإبداع وشلوا حركة الفكر ، فانتقلت عدوى عدم المس بالمقدسات إلى الناس كافة فنجد من يقتل أخاه من أجل فكرة أو اختلاف في الفكر أوفي العقيدة ، وتجد من يفتي بحرق كتاب وقتل صاحبه دون أن يقرأه (حادثة محاولة اغتيال الكاتب نجيب محفوظ)…

الإنسان الحقير الذي نعنيه هنا هو ذاك المغرر به الذي يتبع فكر الأجداد ويتبع إيديولوجية تكرس تبعيته لمصالح الطبقة العليا ذات المصلحة في عدم وعي الشعوب حتى لا تنهض من سباتها الفكري لتحقق لنفسها الكرامة وتصحح مسار وجودها فوق الأرض حيث لا تمة إنسان حقير وآخر جبار متكبر.
بقلم: محمد علي لعموري