مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي بين المجيزين والمنكرين

بقلم: الدكتور محمد حمزة بن علي الكتاني
الأصل في الاختلاف في حلية الاحتفال بالمولد الشريف هو: هل كل ما أحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم بدعة غير جائزة، أم أنه تجري عليه الأحكام التشريعية الخمسة: الإباحة، والاستحباب، والوجوب، والكراهة، والتحريم؟.
فأما الفريق المانع؛ فيرى أن كل ما أحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم مما له صفة دينية، ولم يكن مصلحة مرسلة، إحداث في الدين وبدعة غير جائزة. لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد”. وفي حديث آخر: “ألا إن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة”، وفي آخر: “كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد”. وأن المولد مما يتدين به إلى الله تعالى، ويتخذ صفة شرعية، ولم يكن في العصر النبوي الكريم ولا القرون المثنى عليها بالحديث الذي رواه الشيخان عن عمران بن حصين: “خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم”.
وأما الفريق المجيز؛ فقال: نص الحديث على أن من أحدث في الدين ما ليس منه فهو رد. أما ما أحدث فيه ما هو منه فهو ليس مردودا. فالبدعة كما عرفها الإمام الشافعي رحمه الله: ما خالف سنة ولم يكن له أصل في الشريعة. فالاعتبار في الحادث: هل له أصل يجيزه من الشريعة الإسلامية أم لا، وهل فعله يأتي على حساب سنة أم لا؟. فقد تطور الزمان، وتطورت الحياة، فزيد فيها ما هو متصل بشعائر الدين من تعليم، وجمع، وتفريع مما أجمعت الأمة على جوازه، ولولا جوازه لما صلح الإسلام لكل زمان ومكان، واتصف بالكمال في الآية: {اليوم أكملت لكم دينكم…}؛ كتدوين الكتب على الحالة التي هي عليها الآن، وفتح المعاهد الدينية المختصة، وتفريع العلوم الشرعية، وإحداث مجالس القضاء والفتيا، وغير ذلك مما لم يكن عينه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأجمعت الأمة على جوازه، وقام تحت أصل: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ولذلك فإن كل ما أحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم ينقسم تحت أمرين:
أمر لا علاقة له مباشرة بأمور الدين.(على تحفظنا في هذه العبارة فكل شيء له تعلق بالدين، لاشتمال النية والمصلحة والمفسدة عليه)، كالطرق والمعمار، والأنظمة الإدارية الحديثة.
أمر له مساس مباشر بالدين، كالمعاهد العلمية، والتأليف، والاحتفال بالمواسم الدينية…وما هو في حكم ذلك.
أما القسم الأول؛ فلا خلاف في إباحته.
أما القسم الثاني؛ فيقسم على الأقسام الخمسة من حيث موافقته ومخالفته للشريعة الإسلامية، نصا، وفلسفة، ومقاصد.
فما كان له تخريج على حكم سابق؛ خرج عليه (كالقياس مثلا)، وما كان له تخريج من السيرة النبوية والحديث الشريف حكم بحكمه، وما كان له تخريج على حسب المصالح والمفاسد حكم بحكمها، وما كان مدعاة إلى منكر، أو لا يتم واجب أو مستحب إلا بمقتضاه حكم بحكم ملازمه.
ومن هذا الأصل تحدث المجيزون على جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وخرجوا جوازه على عدة أمور:
فمن الحديث النبوي الشريف: ما رواه مسلم والترمذي وأبو داود عن أبي قتادة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين؟. فقال: “ذلك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت، أو: أنزل علي فيه”. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم لذلك اليوم خصيصة، وهي: الصيام. فجاز تخصيصه بفعل الخيرات وإطعام الطعام، والدعوة إلى الله تعالى، والحض على السرور بالسيرة النبوية، والفرح بظهور النور المحمدي صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك من جنس الصيام فرحا بمولده صلى الله عليه وسلم، فكله عبادة حمد الله تعالى بها على فضل منه لنا.
والأحاديث بمراعاة المناسبات عديدة، إذ من أصول الديانات: مراعاة المناسبات والأوقات والأزمنة والأمكنة التي يحدث فيها الخير أو الشر. ومن ذلك حديث القاتل مائة نفس، والذي أمر بالخروج من القرية التي ظلم فيها. ومنه: أثر قول اليهودي لعمر رضي الله عنه: “إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيدا”. فقال عمر: “إني لأعلم حيث أنزلت، وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت: يوم عرفة، وإنا والله بعرفة. قال سفيان: وأشك كان يوم الجمعة أم لا: {اليوم أكملت لكم دينكم…}.[المائدة: 3]. رواه الشيخان بألفاظ متقاربة. ولا شك أن يوم العيد الشرعي هو يوم العاشر من ذي الحجة لا التاسع، فكان التاسع عيدا كذلك بمفهوم عمر رضي الله عنه.
كما خرجها العلماء كذلك على اعتبار الأصل في الفرح والعيد الإباحة، وكل مباح يتقلب في الأحكام التشريعية إلى الأقسام الخمسة بحسب ما يلازمه من النية، وأن الفرح المباح إذا اقترن بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم والتعلق به؛ صار مندوبا ومستحبا، ومحمودا.
وخرج على أن جمهور المسلمين، خاصة العلماء والملوك في عزة الإسلام؛ كانوا على ذلك من حيث الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، في المشرق والمغرب، ولم ينكر عليهم إلا الشاذ. وفي القرآن الكريم: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى}.[النساء: 115]. وفي الحديث: “من شذ شذ في النار”، و: “لا تجتمع أمتي على ضلال”. ولا يقال: اتفق أهل الباطل، وبقي أهل الحق قلة. لأن من ضمن المتفقين على جواز الاحتفال أئمة الإسلام، ودعاة صالحون مجاهدون؛ كجل أو جميع علماء المغرب عبر التاريخ مثلا.
على أن الله تعالى في القرآن الكريم ندبنا إلى التذكير بأيامه سبحانه، وهي: الأيام التي تعد معالم للشريعة الغراء، فقال تعالى: {وذكرهم بأيام الله}.[إبراهيم: 5]. قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، (رقم: 2380) عن أبي بن كعب: “وأيام الله: بلاؤه ونعماؤه”.
وعلى هذا الاستدلال؛ يخرج أمر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف من قسم الخلافي إلى قسم المندوب اتفاقا، بل ظاهر الآية يقتضي الوجوب، لتضمنها لفعل الأمر، ولا أغر في أيام الله تعالى من يوم إيجاده لمن فرق به الحق من الباطل، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور، فكان بذلك الاحتفال بيوم المولد الشريف طاعة لله تعالى، واقتفاء لأمر القرآن الكريم.
ولا يقال: لم يرد في السنة المباركة ما يقتضي الاحتفال بالمولد ولا غيره، فمفهوم ما فهمتـموه من الآية غير مفهوم.
لأن الآية – أولا – متضمنة للمعنى، ولا قرينة على دفع مفهومها. ثانيا: وجود نص الآية بذلك يدل على وجود نوع من احتفال في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده بتلك الأيام، فلا يعقل أن يأمر الحق تعالى بأمر ولا يقوم به الرعيل الأول من المسلمين، بدليل وصول أخبار ولادته صلى الله عليه وسلم إلينا، وهي قبل مبعثه، ولا ينبني عليها حكم شرعي، فلولا اعتناءٌ خاص لما وصلت أخبارها إلينا. والقرآن يؤرخ للسيرة النبوية كما لا يخفى على منغمس فيها. وثالثا: ورد ما يدل على الاعتناء بذلك اليوم المبارك من طرف النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق أعلاه. فلم يبق إلا دفع النصوص بالصدور.
ثم إن السبب الذي لفت الأمة وأعلامها إلى إحياء تلك المناسبات: هو ضعف شوكة الإسلام، وتكالب النصارى وغيرهم عليه، وعدم سد ولاة الأمر الباب في وجوه الزنادقة الذين يطعنون في نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فأحيوا ليلة المولد، وأحيوا ذكرى الإسراء والمعراج، وأحيوا مناسبة الهجرة الشريفة – ولا يخفى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرخ بها، بل وردت آثار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو أول من دعا للتأريخ بها، ولا يؤرخ العرب إلا بأمر مهم كما لا يخفى، وهو نوع من الإحياء والاحتفال – وأحيوا غير ذلك..ولعم جدنا لوالتنا الإمام أبي الفضل محمد المهدي ابن الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني مؤلف حافل في الموضوع، وإن كان مازال مخطوطا، يسر الله ظهوره…
والحاصل؛ لا يعترض معرتض بأن السلف لم يحيوا الليلة المباركو؛ لأمور ومنها:
1- أنهم أحيوا ذكرها بما ورد عنهم من الروايات في أخبارها..
2- أنهم أحيوا مناسبات أخرى وخلدوها، كالهجرة وغيرها…
3- أن هناك ترابطا بين الحكم والمناسبة، فمهما توافقا وقع الحكم، ومهما تخالفا لم يقع، وهو أصل أصيل في الشرع…وإلا؛ فالصيام من أعظم العبادات؛ فلماذا منع منه الحاج بعرفة؟، ومثال ذلك كثير، وجوابه لعدم اقتضاء المناسبة، ولاقتضائها ما خالفه…فلما ظهر التشكيك في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله، كتب الناس في دلائل النبوة، وأحيوا مناسبات جعلوها سببا لتعريف الناس بتلك الدلائل والأمارات…
غير أن الاحتفال بالمولد الشريف ينبغي أن يكون احتفالا شرعيا، دينيا، وعظيا، دعويا، لا أن يكون احتفال منكرات ومجون، وإسراف وبذخ في غير منفعة للمسلمين، وإلا؛ انقلب من الندب والاستحباب إلى حكم ما يشوبه من ذلك.
كما أنه لا ينكر على من لم يحتفل بالمولد الشريف؛ لوجود الخلاف فيه، ولا ينكر إلا على ما أجمعت عليه الأمة كما عليه جمهور الفقهاء.
نعم: أصل الفرح والسرور، وتخصيص اليوم المذكور بالعبادة أو فعل الخير مما لا يختلف فيه إلا جاهل، فواجب على كل من في قلبه ذرة من إيمان الفرح بهذا اليوم، سواء بالعبادة لمن مشى مع ظاهر الحديث، أو بالاحتفال وجمع الناس لقراءة السيرة النبوية وذكر الشمائل المحمدية.{قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}. [يونس: 58].
هذا تحرير أدلة المجيزين، وهم جل فقهاء الإسلام، ولا يخفى أن مذهبهم موفق لقواعد الفقه والاستنباط والله أعلم..
وأول من أقامه بالمغرب هو أمير سبتة أبو القاسم العزفي، ثم تأثر به آخر ملوك الموحدين محمد المرتضى، رحمهم الله تعالى، كما ألمحت لذلك شيختنا وخالتنا الأستاذة الدكتورة نور الهدى بنت الشيخ عبد الرحمن بن محمد الباقر الكتانية في مقدمة تحقيقها الرائع لديوان ابن الصباغ الجذامي…المطبوع بالإمارات…