التُراث المعماري لِكازابلانكا

علاء حليفي
كازابلانكا، المدينة وليس الفيلم، أرض الأحلام، أو ‘المدينة الوحش’ كما يلقبها سكانها. قبل أن تؤول إلى ما هي عليه الآن، كانت ، من قبل، مجرد مجموعة أحياءٍ ضيقة قرب الميناء، لا يتعدى سكانها السبعة آلاف نسمة. آنذاك، وتسمى آنفا، وهو الاسم الذي أطلقه عليها الأمازيغ إبان تأسيسها سنة 768م، وكلمة آنفا تعني القمة أو التل.

منذ ذلك الحين، سوف تشهد هذه المدينة الصغيرة مجموعة من النزاعات للاستيلاء عليها، بين البورغواطيين وغيرهم، لكون مينائها يمثل صلةً تجارية بينها وبين الدول الإيبيرية، قبل أن يتم تدميرها عن آخرها من طرف البرتغال سنة 1486م، إثر بعض النزاعات بين الطرفين.

ولن يتم تشييدها ثانية، إلا خلال القرن الثامن عشر، ثلاثة قرون كاملة، ظلت خلالها المدينة خرابا يحكي تاريخا مجيدا، قبل أن يأتي السلطان العلوي محمد بن عبد الله، ويعيد بناءها منتزعا إياها من صمتها. تقول كتب التاريخ أنه قد بنى ‘جامعا ، ومدرسة ، وحماما شعبيا’ ، تلك هي العناصر الرئيسية المؤثثة للنسيج العمراني للمدن المغربية العتيقة.

وقد تخلى عن الاسم القديم، آنفا، لتكتسب المدينة اسمها الحالي، كازابلانكا، أو الدار البيضاء، وهو الاسم الذي أطلقه عليها البحارة البرتغال والإسبان آنذاك، حيث وُجد ضريح أبيض اللون بالمدينة سموه بالدار البيضاء، كان يرشد بواخرهم إلى موقع الميناء.
سوف تمر المدينة بمراحل فاصلة في تاريخها خلال العقود الموالية، لكنها لن تعرف تحولا جذريا إلا خلال القرن العشرين، حيث عرفت مقاومة شرسة ضد المستعمر الفرنسي، وهجرة كثيفة بعد نهاية الحرب من شتى أقطار المملكة، لكونها كانت وما زالت أول قطب اقتصادي في البلاد.

اليوم، صارت كازابلانكا، إحدى أكبر مدن إفريقيا، تقطنها أزيد من سبعة ملايين نسمة، المدينة التي كانتها قبل زمن بعيد، قد تناستها الأجيال، لتكبر وتمتد على مساحة تقارب 25830 كيلومترا مربعا، بكثافة 26444 فرد/ كلم مربع.

وقد تحولت، هذه المدينة الصغيرة بجوار الميناء، من كونها الدار البيضاء، إلى مجرد جزء هامشي ضئيل من الدار البيضاء التي نعرفها اليوم، هذا الجزء الصغير هو ما يطلق عليه البيضاويون: المدينة القديمة.

حين أدخُل المدينة القديمة اليوم، من بابها الكبير، أشعر أنني قد ولجت زمنا آخر، لا الزمن الحالي، كما لو أن مدخلها، هو مدخل لحقبة أخرى، لا لمدينة أخرى. المدينة العتيقة، التي صارت حيا، تشكل جزءا لا يمكن إنكاره من هوية المدينة، لو وضعنا أمامنا خريطة المدينة قديما، في مقارنة مع تصميمها الحالي، فسوف نجد أن المدينة قديما كانت: بمثابة النطفة التي انسابت تفرعاتها وأحياؤها، في نمو متسارع سنة تلو الأخرى، قبل أن تلِد مدينة اليوم.

وإذا ما مثلت المدينة القديمة بصمة وتاريخا حاضرا، فمن منظور معماري محض، تشكل تناقضا صارخا، وانفصاما عميقا، مع ما تبقى من أجزاء المدينة الحديثة، التي هي وليدتها، لكن في نفس الآن، تمثل قطيعة عميقة معها في ما يتعلق بالجانب العمراني.

فالجزء الحديث من المدينة، بكل مميزاته المدنية و المعمارية، قد أتى نتيجة للاستعمار الفرنسي، خاصة المجال الحضري الموالي للمدينة القديمة، أي أول ما تم بناؤه من طرف الفرنسيين، حيث سوف نجد أن تصاميم منازله وشققه مستوحاة من مباني باريس المشيدة بعد الحرب، وكذا عماراته كعمارة الحرية مثلا، حيث استعان الجنرال ليوطي آنذاك، بمجموعة من المعماريين ومخططي المدن، أهمهم وأكثرهم شهرة الفرنسي هنري بروست، للتفكير في جزء جديد للمدينة، يستوفي متطلبات الساكنة التي أخذت تنهال من كل حدب وصوب، فصارت المدينة الجديدة مختبرا لشتى التيارات المعمارية الحديثة.

هذه الهجرة التي استمرت بعد استقلال المغرب سنة 1956، ممهدة لاستمرارية التوسع العمراني للمدينة، ومعها توافد المهندسين المعماريين من شتى أنحاء أوروبا، الشيء الذي ترك أثرا واضحا على الموروث المعماري المغربي آنذاك، تاركا للمدينة تراثا غنيا ومتنوعا.

بعدها أتت فترة العمران الحديث، أقصد هنا الأحياء المشيدة منذ الثمانينات، وحتى يومنا هذا، هذه الفترة التي شهدت ظهور جيل من المهندسين المغاربة، ساهموا وما زالوا يساهمون في تطور الدار البيضاء، مما جعلنا نفكر بشكل جدي، في الانسلال نسبيا من النزعة الأوروبية، والتفكير في عمران لا ينأى عن الثقافة والمعمار العربي الأصيل.

بينما نجد أن المدينة القديمة التي شيدها السلطان محمد بن عبد الله خلال القرن الثامن عشر، هي عبارة عن مجموعة أحياء ضيقة، يحيط بها سور ينفتح على المدينة عبر عدة أبواب، أهمها باب مراكش الذي يتجاوز ارتفاعه الخمسة عشر مترا، وهو الباب الرئيسي المفضي إلى المدينة القديمة لكونه يشكل فارقا مفصليا بينها وبين المدينة، ويطل تحديدا على ساحة الأمم المتحدة حيث يوجد مجسم الكرة الأرضية الشهير، المشيد من طرف المعماري الفرنسي جون فرونسوا زيفاكو سنة 1975 . وهناك أيضا الباب الكبير أو باب السوق ، الموجود شمال باب مراكش.

ومن جهة الميناء، نجد جزءا آخر هو امتداد للسور، يصطلح عليه بحصن السقالة، حيث توجد المدافع موجهة صوب البحر الأطلسي، وقد صار المكان الآن مطعما يحمل الاسم ذاته، بينما كان في ما مضى مرتعا لمهاجمة العتاد البحري البرتغالي.

يمكننا أن نعبر إلى المدينة القديمة عبر أحد أبوابها، لنفاجأ بهذا البنيان المعماري المختلف، أشد الاختلاف، عما نشاهده في جولاتنا الاعتيادية بالمدينة، ويجد المتجول نفسه وسط متاهة لا نهائية من دروب ضيقة، شُيدت ليعبرها شخصان أو ثلاثة فقط، حتى ليستحيل على سكان المدينة القديمة، إدخال بعض أهم الحاجيات المنزلية إلى بيوتهم.

وأثناء جولتنا هذه، سوف نلاحظ أن عدد السيارات العابرة داخل المدينة الصغيرة هو أقل مما يمكن تصوره داخل مدينة في القرن الواحد والعشرين، بل إنها تنعدم في فترات محددة من اليوم، خاصة زوالا حين يغادر الأطفال مدارسهم في اكتظاظ لا يطاق، كل هذا عائد لسبب بسيط، هو أن المدينة شًيدت في زمن لم يعرف سوى الخيول والعربات، لهذا سوف نجد أن جل السكان يستعملون الدراجات بشكليها، لضيق مساحة المعابر من جهة، ولضيق ذات اليد من جهة ثانية.

وعلى ذكر مسألة المساحة والاكتظاظ، فالمدينة القديمة، تشهد اختناقا مزمنا في فترات يومية محددة، أهمها زمن مغادرة التلاميذ لمدارسهم، خلال منتصف النهار، وفي المساء. كما تشهد اكتظاظا في أحياء معينة أكثر من أخرى، هذه الأحياء التي يغلب عليها النشاط الاقتصادي غير المُهيكل، والذي يشُكل صفوفا على الرصيف والمعْبر.

مشكلتا الضيق والاكتظاظ، عائدتان بالأساس، للفترة الزمنية التي شيدت فيها المدينة، ولارتفاع الكثافة السكانية داخل أسوار المدينة مع توالي العقود، حيث أنها حين شًيدت أول مرة، كانت تضم أقل من 20000 نسمة، أما اليوم، فيعيش في كنفها أكثر من أربعة أضعاف هذا العدد.

زيادة على ذلك، سوف نجد كسبب واضح، التحول الهام الذي عرفته المدينة من حيث نشاطاتها، ذلك أنها بُنيت أساسا لتلعب دورا سكنيا، مع بعض الأنشطة التجارية البحرية، خاصة من جهتي السقالة وحي القناصل، أما اليوم، فقد صارت المدينة ذات طابع اقتصادي بامتياز، إذ أن الأنشطة الاقتصادية قد التهمت المدينة ابتداءً من باب مراكش، وصولا إلى قلب المدينة.

وإضافة إلى ضيق الأحياء، يوجد أيضا هذا الاختلاف المهول بين ارتفاعات المنازل، بسبب انعدام أي تخطيط للمدينة القديمة، الشيء الذي يحيلنا إلى إحدى المعضلات الحميمية لدى المعماري: الضوء والظل.

فمجمل دروب ومنازل المدينة القديمة، لا ترى الضوء إلا حين ينتصف اليوم وتصير الشمس عمودية مع سطح الأرض، بينما فيما تبقى من فترات النهار، فالبنايات المتراكمة تحجب الشمس عن بعضها البعض وتخلق نوعا من “الظل والسكون” ،على عكس ما أتى به المعماري الأمريكي لويس كان. هذا الظل والسكون، يلتهم مساحة الأحياء الضيقة، حيث العتمة توحي بأن الحي مغلق وشبه مهجور، فتبث شيئا من الوحشة والرهبة على المكان.

وقد يلاحظ الزائر أن المدينة القديمة، تشهد نقصا مهولا في نسبة المساحات الخضراء التي لا تتجاوز نسبتها الخمسة في المئة، مما دفع السكان لزرع النباتات في الأصص وفي عجلات السيارات. أما فيما يتعلق بطبوغرافيا المدينة القديمة، فمُجمل طرقها وأزقتها مبنية بأحجار فرنسية، لم يتم إعادة صيانتها مع مرور الزمن، مما يخلق عرقلة في السير، وكدا في جريان المياه شتاءً.

و جميع المنازل ذات طابع واحد، ينم عن القدم والأصالة، مما أعطى هيبة للمكان، ومنحه لمسة معمارية خاصة، نستذكر هنا شكل البيوت، والألوان المستعملة، وضيق توزيع المساحات مقارنة مع الصالون، وثقافة البهو وسط المنزل، والزخرفة العربية على أبوابها ونوافذها.

من جهة أخرى، تشهد البنايات عدة مشاكل تؤرق حياة الناس، حيث المسافة بين الأرض والنوافذ الخارجية تقارب المتر الواحد مما حتم على الساكنة ملء النصف السفلي للنوافذ بالإسمنت لحجب الرؤية عن المارة خارجا، وسوف نجد أيضا خرْقا للخصوصية بالنسبة للنوافذ العليا، حيث أن القاطن بإمكانه رؤية المنزل قبالته لكون النوافذ بُنيت أمام بعضها البعض، وأيضا لقرب المسافة بين البنايتين.

ومجمل أبواب البيوت، هي عبارة عن أبواب خشبية عتيقة، لها من الجمالية ما يمتع العين ، غير أن طولها لا يتجاوز المتر والثلاثة وثمانين سنتيمترا، حتى أن قاطني البيوت تعودوا الانحناء بغية الولوج للداخل، هذا ويصل طول الأبواب العادية إلى المترين وعشر سنتيمترات، كما أن بعض البنايات التجأت إلى استعمال دعامات خشبية لتقوية الطابق الثاني من البناية، مما يضفي على المكان لمسة من القُبح، ويبث الشعور بأن المكان على وشك أن يهوي.

أما فيما يتعلق بالمعالم الأثرية، فالمدينة تمتلك مجموعة مساجد يعود تاريخها للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أهمها جامع الشلوح وجامع ولد الحمرى، الموجود قرب باب المرسى، الذي لم يشهد أي ترميم منذ بنائه سنة 1788، وجامع المخزن، وهو أول جامع بني في المدينة، ثم المسجد العتيق وهو أكبرهم مساحة.

وهناك ضريح علال القيرواني بالسقالة، وقد كان هذا الضريح سببا في تسمية الدار البيضاء باسمها الحالي، حيث غادر علال القيرواني مدينة القيروان بتونس على متن باخرة متجهة للسنغال، لكن الباخرة جنحت قبالة سواحل مدينة الدار البيضاء، فتم إنقاذه من طرف الصيادين بالميناء، وقد بنى الضريح في بداية الأمر لابنته التي ماتت غرقا، وسماه بالبيت الأبيض تكريما لابنته المعروفة ببياض بشرتها، وبعد وفاته تم دفنه قرب ابنته.

كما نجد ضريح سيدي بوسمارة، ويخص أحد الأولياء الصالحين حيث تم تشييد قبته خلال القرن التاسع عشر، وقد كان أمينا للصيادين بميناء الدار البيضاء، ويقال أنه ضرب الأرض بعصاه فانفجرت ماءا، فطلب من السكان التوضؤ لكنهم رموه بالحجارة، منذ تشييد الضريح وحتى اليوم، يأتي الزوار من كل بقاع المملكة لدق المسامير على جدار الضريح تبركا به.

قرب باب مراكش، يعلو برج الساعة على ارتفاع عشرين مترا، تم تشييده للمرة الأولى خلال بداية القرن العشرين، لكنه تهدم في منتصف القرن عينه، وأعيد بناؤه سنة 1994.

كانت هذه هي كازابلانكا في وقت مضى، الآن صارت مجرد حي شعبي باسم المدينة القديمة، كان سكانه قبل أزيد من قرنين ونصف يحاربون منه السفن البرتغالية، اليوم يتوافد السياح، البرتغاليون خصوصا، لاستكشاف ما بداخل الحصن، ربما بعين سائح قد يلمسون التاريخ الذي تحكيه جدران كل بيت.

حين قلت كلما دخلتُ المدينة القديمة إلا وأشعر بأني قد سافرت في الزمان لا في المكان، في الحقيقة، كان ذلك سحر المعمار الذي يبثه في نفس كل زائر دون أن يشعر.

التاريخ مفتاح لتجنب أخطائنا الماضية، لكننا في بعض الأوقات، نكون في مَسِيس الحاجة للجوء لعين معماري، لا لعين سائح، لنرى معاناة سكان هذه المدينة الحي، وكيف لمعمار بِدائي من القرن الثامن عشر، شُيد أغلبه دون أي توجيه معماري، ولا فكرة عن التخطيط المدني، أن يؤرق الحياة اليومية للساكنة، ببيوت ضيقة، خانقة، سيئة التهوية لا تدخلها أشعة الشمس، أَليس هدف المعمار هو راحة الإنسان؟

قد تبدو العلاقة بين المدينتين القديمة والحديثة جدلية إلى حد ما، فيما يتعلق بالحفاظ عليها كتراث معماري تاريخي، أو ترميمها لتصير كباقي أجزاء المدينة وتناسب حياة السكان، لكنها في الآن ذاته علاقة تناغم، حيث يكَمِل التاريخ الحاضر، هكذا هي روح المدينة، مزيج بين الحداثة والقِدم.

ربما قد اكتسب فيلم كازابلانكا، الذي جرت أغلب أحداثه بالمدينة القديمة، شُهرة أكثر من المدينة بحد ذاتها، لكن علاقتنا نحن السكان بكازابلانكا المدينة، باختلاف هويتها ومعمارها، هي أكثر ارتباطا وعمقاً، أكثر حتى من علاقة ‘السا’ و’ريك’ بطلا الفيلم!