هل يمكن للإسلام السياسي أن يتجه نحو بناء الدولة الوطنية؟ حركة النهضة التونسية نموذجًا

مقدمة
شغلت إشكالية الدولة والمواطنة علماء السياسة، وعكفت النخب الفكرية والسياسية، منذ سنوات، على دراسة الأطروحات ذات المرجعية الإسلامية التي تتناول علاقة الدين بالدولة والمجتمع. وكان لصعود (حركة النهضة) التونسية تأثير كبير لدى كل الأوساط السياسية التي تريد أن تحدد استراتيجيات جديدة للتعامل مع هذا الصعود‏، خاصة أن الحركة لا تردد مفاهيم الشورى والإمارة والطاعة وغيرها في خطاباتها السياسية والإعلامية، وإنما رسالتها تقوم على أنها “حركة مدنية ديمقراطية حداثية لا تؤمن بحكم الفرد ولا بعصمته، وإنما مشروعها في الحكم مشروع جماعي لا ترى نفسها إلا طرفًا فيه كغيرها من الأطراف. كما أنها لا تشجع على الاستقطاب الأيديولوجي، وهي تعمل سياسيًا بمنطق وفاقي وتبحث عن أوسع ائتلاف ممكن لدعم الانتقال الديمقراطي في تونس”.

تُعدّ (حركة النهضة) حركة مثيرة للجدل؛ فهي تمثل حركة إسلامية بدأت إخوانية، ثم انطلقت في مسار تميّز بالصراع والتجاذب داخلها، أوصلها إلى مستوى التحوّل إلى حزب سياسي مدني يحاول ألّا يوظف المجال الديني. وهي تمثل نموذجًا مهمًا للإسلاميين، تحديدًا في المشرق العربي، في التحوّل نحو الاندماج الكامل بالهمّ الوطني والسياسي الداخلي، وصولًا إلى ما يمكن أن نسميّه “مرحلة ما بعد الإسلام السياسي”، أي إعادة تعريف الأهداف النهائية وهيكلتها، بما ينسجم تمامًا مع القبول بالدولة الوطنية الحديثة، التي نشأت في تمايز صريح عن الدولة الدينية، من مواطنين يتمتعون بالشخصية القانونية الفردية عينها.

أولًا: المرتكزات العامة للإسلام السياسي حول الدولة الوطنية
يعود فقر الفكر السياسي الإسلامي حول الدولة الوطنية إلى المفهوم الشامل للإسلام، الذي يراه حسن البنا أنه “عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف”. وفي الدولة الإسلامية المفترضة، هناك غموض يُحيط بالمفاهيم، فالولاء مسألة خلافية: هل هو للدولة أم للدين؟ ومسألة غير المسلمين في الدولة الإسلامية ما تزال شائكة، كما أن مسألة ولاء المسلمين المواطنين في دول غير مسلمة هي مسألة أكثر تعقيدًا. وبهذا المعنى فإن الدعوة الإخوانية، من حيث الجوهر، هي دعوة عابرة للحدود السياسية ونافية لوجود الدولة الوطنية.

وإذا كانت الحركتان الإسلاميتان، التونسية والمصرية، تشكلان الحقل التجريبي الأول لمقاربة قدرة التنظيمات الإسلامية على الاندماج الطبيعي في معترك الدولة الوطنية وممارسة السلطة التنفيذية في مستوياتها القيادية، فإن قصة الإخوان المسلمين السوريين هي الأكثر مأساوية؛ ففي عام 1964 حصل الصدام الأول لهم مع نظام الحكم البعثي، وفي حماه بالذات، وظلوا ممنوعين ومطاردين إلى أن قاموا بتمرد مسلح أواخر سبعينيات القرن الماضي، وقد انتهى بالمذبحة الشهيرة في حماه عام 1982. ومنذ ذلك الحين، تشردوا في المنافي البعيدة، وخفتت حركتهم تمامًا، إلى أن بدأت بعض البيانات تصدر عنهم في تسعينيات القرن الماضي، وما بعد، من قيادتهم في لندن.

في تونس ومصر، ثمة فروقات مهمة بين إسلاميي البلدين، فـ (حركة النهضة) التي فازت بأعلى نسبة من الأصوات في انتخابات الجمعية التأسيسية التونسية، في سنة 2011، نجحت في تشكيل (ترويكا ثلاثية) تولّت إدارة البلاد، ما يسمح لنا بالقول: إن التوافق الذي أدى إلى اقتسام السلطة بين الإسلاميين والعلمانيين المعتدلين يُعدُّ أحد أهم الإنجازات السياسية التي تحققت بعد الثورة في تونس، في حين أن الإخوان المصريين لم يتمكنوا من إيجاد صيغة توافقية مع العلمانيين، الأمر الذي أدى إلى تعثّر المسيرة وتخبطها، لأن الجماعة أرادت تكييف أهداف الثورة مع أهدافها الخاصة.

لقد تهربت الجماعة المصرية من معالجة القضايا الملموسة ذات الصلة بالدولة: الخلط بين الدعوي والسياسي، وارتباك مفهوم الدولة المدنية، واختزال الرؤية السياسية في شعار “الإسلام هو الحل”. وثمة معركة حقيقية دارت حول مضمون وصياغات الدستور المصري الجديد، فبدلًا من أن تصبح كتابة الدستور وسيلة لإعادة صوغ العلاقات السياسية والاجتماعية في إطار عقد اجتماعي متوازن، فإنّ الرؤية الضيقة للجماعة حوّلتها إلى قضية خلافية كان لها أن ترسّخ حالة الاستقطاب الأيديولوجي والسياسي بين المصريين.

أما حركة الإخوان المسلمين السوريين، فقد أتاحت الثورة السورية لها الحضور في المشهد السوري، بعد كل الذي تعرضت له من قتل وإقصاء ونفي في ظل حكم آل الأسد، حيث ساهمت الجماعة في كل المحطات السياسية والعسكرية للثورة. وأخذت تسير في ضوء استراتيجية عامة تقوم على عسكرة وأسلمة الثورة من جهة، وعلى التحالف مع قوى سياسية علمانية، بغرض مماثلة التجربة التونسية من جهة أخرى.

وقد مثل (العهد والميثاق)، الذي أصدرته الجماعة في آذار/ مارس 2012، رؤية وطنية وقواسم مشتركة، يتبناها الإخوان المسلمون في سورية، ويتقدمون بها أساسًا لعقد اجتماعي جديد يؤسس لعلاقة وطنية، معاصرة وآمنة، بين مكوّنات المجتمع السوري بكل طيفه الديني والمذهبي والعرقي، وتياراته الفكرية والسياسية.

ثانيًا: أهم محطات تاريخ (حركة النهضة) التونسية
كانت النواة الأولى للحركة الإسلامية في تونس مرتبطة، فكريًا وتنظيميًا، بتجربة الإخوان المسلمين. فقد نشأت سنة 1972 تحت اسم (حركة الاتجاه الإسلامي)، وأعلنت عن نفسها رسميًا في 6 حزيران/ يونيو 1981. ويومها وضعت الحركة وثيقة ملزمة لأعضائها تحت عنوان “الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي”، ومما ورد فيها التأكيد على أن الحركة “تتخذ العقيدة الإسلامية مُنطلقًا لها.. ونحن لا نُفرّق بين التوجه لله بالشعائر والتلقّي منه في الشرائع، لا نُفرّق بينهما بوصفهما من مقتضيات توحيد الله وإفراده سبحانه بالألوهية والحاكمية”. ثم غيّرت اسمها في شباط/ فبراير 1989 إلى (حركة النهضة)، للتأقلم مع قانون الأحزاب الذي يُحظر إقامة أحزاب على أساس ديني. وشاركت في نيسان/ أبريل 1989 في الانتخابات التشريعية تحت لوائح مستقلة، وحصلت على 17 في المئة من الأصوات بحسب نتائج رسمية و30 في المئة من الأصوات بحسب تقديرات قيادييها. وإثر الانتخابات دخلت الحركة في مواجهة مع نظام الرئيس المخلوع بن علي الذي اعتقل نحو 30 ألفًا من أعضائها ومؤيديها.

مما يجدر ذكره أن الحركة شهدت تيارًا فكريًا تحت اسم (الإسلاميون التقدميون)، نشأ نتيجة انفصال حصل داخل ما كان يسمى (الجماعة الإسلامية) في سبعينيات القرن الماضي، في ظل خلاف فكري بالأساس بين شقين داخل هذه الجماعة، حيث ذهب تيار التجديد إلى القول بعدم وجود نظرية للحكم في الإسلام جاهزة، وأنّ النظام السياسي الذي لا يُشرك كل مكوّنات المجتمع، ولا تحتكم فيه الشرعية للأغلبية والانتخاب وسيادة الأمة، هو حكم مستبد حتى لو كان غلافه إسلاميًا. وبناء على هذا التصوّر طرح هذا التيار، منذ ذلك الوقت، تجاوز إشكالية الإسلامي والعلماني، وانفتح على مختلف مكوّنات النخب السياسية والفكرية في تونس.

وفي 30 كانون الثاني/ يناير 2011، عاد زعيم (حركة النهضة) الشيخ راشد الغنوشي إلى تونس، بعد أكثر من 20 عامًا قضاها في المنفى ببريطانيا. وفي الأول من آذار/ مارس 2011 حصلت الحركة على ترخيص قانوني بالعمل، بعد أن ظلت محظورة طوال عقود.

لقد وجدت الحركة نفسها بعد ثورة تونس، في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010، في مناخ مختلف، إذ أصبحت شريكًا أساسيًا في مسارٍ يهدف إلى بناء نظام ديمقراطي، لم يعد يسمح لها بتوظيف الإسلام من أجل الوصول إلى الحكم. لكن، مع ذلك، استمرت إشكالية العلاقة بين العنصرين الدعوي والسياسي إلى ما بعد الثورة، في مرحلة بدأت خلالها الحركة في التكيّف مع الإجراءات القانونية التي وُضعت للفصل بين مفهوم الحزب ومفهوم الجمعيات. ومما زاد في تشجيع الحركة على التقدم في هذا الاتجاه وجود تجارب في بعض الدول، تحديدًا التجربتين التركية والمغربية، إلى جانب تعثّر التجربة المصرية. وقد جاء البيان الختامي للمؤتمر التاسع للحركة، الذي عُقد بتونس في تموز/ يوليو 2012، ليؤكد أن البلاد تحتاج “إلى نظام حكم مؤسّس على عقد سياسي يدعم بناء التوافق والائتلاف”. وعلى “مدنية الدولة وديمقراطية النظام والدعوة إلى نظام برلماني”، إلا أن المؤتمر لم يحسم بين الدعوي والسياسي.

لقد تداركت الحركة أمرها بعد الحوادث المصرية وتداعياتها التونسية صيف 2013، فقبلت بالانضمام إلى الحوار الوطني، وتخلّت عن الحكم لحكومة من التكنوقراط، وخاضت الانتخابات التشريعية لعام 2014 وقبلت بهزيمتها النسبية. ولا بدّ أن يُحسب هذا كله لمصلحتها، فلولا موقفها المتفهم والمرن لما استطاعت تونس أن تتخطى أزمة 2013.

لكنّ الوثيقة الجديدة التي أقرها المؤتمر العاشر للحركة، في 20 أيار/ مايو 2016، ألغت الوثيقة العقائدية السابقة، واستبدلتها بـ “رؤية استراتيجية بديلة”، شكلت نقطة تحوّل في مسار الحركة لجهة إمكانية تحوّلها إلى حزب سياسي عصري، بعد 35 عامًا من وجودها كحركة سياسية، وأربعة أعوام من تدبيرها الحكم أو المشاركة فيه.

وقد أكد الشيخ راشد الغنوشي، رئيس الحركة، في افتتاح المؤتمر أن “حركة النهضة حركة لم تتوقف عن التطور خلال مسيرتها الطويلة، من حركة عقدية تخوض معركة من أجل الهوية إلى حركة احتجاجية شاملة في مواجهة نظام ديكتاتوري، إلى حزب ديمقراطي وطني متفرغ للعمل السياسي بمرجعية وطنية تنهل من قيم الإسلام، ملتزمة مقتضيات الدستور وروح العصر، مكرّسين بذلك التمايز الواضح والقاطع بين المسلمين الديمقراطيين وتيارات التشدد والعنف التي تنسب نفسها للإسلام”.

ثالثًا: مرتكزات تحوّل (حركة النهضة)
في تونس، ومنذ القرن التاسع عشر، برزت الحداثة في إطار إسلامي بتواؤم شيوخ الزيتونة، فكريًا، مع رئيس الوزراء الإصلاحي خير الدين التونسي، والذي أثمر عن كتابه (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك)، وكانت المطالب: تحديث التعليم والدولة والإدارة، والحدّ من سلطة الحاكم.

وتواصلًا مع التوجه الإصلاحي الزيتوني، يبدو واضحًا أن خطاب (حركة النهضة) مختلف عن الخطاب التقليدي لجماعة الإخوان المسلمين التي كانت تنتمي إليها، ولكن الاختلاف هنا جاء بحكم الواقع الثقافي والاجتماعي لتونس، الذي كان من الصعب على أي حركة تنتمي إلى الإسلام السياسي تجاهله أو القفز عليه، وهو ما جعل الحركة تؤكد على أنها لن تنقلب على المكتسبات الحداثية التي رسّختها التجربة البورقيبية.

وتواصلًا مع نظرية فصل السلطات والمجالات، فإن السعي للفصل ما بين الدعوي والسياسي جاء في مسار ابتعاد العسكر عن ثورة الربيع التونسي، حيث تُرك المجال للثورة أن تُفصح عن تداعياتها إلى آخرها، ما أعطى الثورة مدلولها الحقيقي من دون أن تُصادَر أو تُخطَف على الطريقة المصرية، أو تُفضي إلى انهيار الدولة على ما جرى في سورية وليبيا واليمن.

وهناك مجموعة من العوامل أسهمت في التحوّل منها:
1- طبيعة وتكوين المجتمع المدني التونسي ومؤسساته وهيئاته التي اتسمت بالاستقلالية والقدرة على الحشد والتعبئة، مثل اتحاد الشغل والرابطة التونسية لحقوق الإنسان.

2- نمط الثقافة السياسية السائد في المجتمع التونسي الذي يتميز بدرجة عالية من الانفتاح، بحكم الارتباط الكبير بأوروبا، ما سهّل إدارة الحوار الوطني، وبناء التوافقات والتحالفات السياسية.

3– كان فشل الحركة الأم (إخوان مصر) درسًا استوعبه (إخوان تونس) المختلفون سياسيًا عن نظرائهم المصريين، فمعظم قياداتهم عاشت في أوروبا واكتسبت خبرات سياسية.

4- البراغماتية السياسية التي اتسمت بها الحركة، بعد أن استفادت من مآلات الثورة المصرية، التي كانت في منزلة نقطة تحوّل بالنسبة لقيادتها.

ويبدو أن ثمة حدثين حسما مسألة الولاء للوطن لدى قيادة حركة النهضة: أولهما، صعود الحركة السلفية بصورة مفاجئة وعنيفة، وكان من شعاراتها المركزية العودة إلى اعتبار الوطنية “رجسًا من الجاهلية”. وعندما اتّسعت رقعة التهديد من خلال عسكرة الحركة السلفية، وانتقالها إلى مرحلة المواجهة المسلحة، بهدف إسقاط الدولة وتحويل تونس إلى إمارة إسلامية، اندفع راشد الغنوشي ليؤكد أن حركته تقف في مقدمة القوى المدافعة عن الدولة الوطنية؛ وثانيهما، توالي مؤشرات حالة انحسار حركات الإسلام السياسي في المنطقة، ما جعل المسألة الوطنية تكتسب أولوية قصوى في الاختيارات الاستراتيجية للحركة.

رابعًا: مظاهر التحوّل وأهميته
بعد الثورة التونسية أدركت حركة ” النهضة “أن الناس لم يثوروا من أجل إقامة دولة دينية، بل احتجاجًا على الاستبداد وهيمنة الحزب الواحد، والمحسوبية، والظلم، والتوزيع غير العادل للثروة. وثاروا من أجل إقامة دولةٍ جمهورية، ديمقراطية، عادلة. لذلك، خاضت الحركة معترك الحياة السياسية، محاولة التخفّف من إكراهات الجمع بين الدين والسياسة، فلم تُضمِّن برنامجها الانتخابي حديثًا عن إقامة الدولة الإسلامية الموعودة، ورفضت التنصيص على الشريعة في الدستور، وأقرّت حرية الضمير والمساواة بين المرأة والرجل، ودعت إلى تحييد المساجد وإبعادها عن التجاذبات السياسية.

ومنذ سنة 2011 تساءل الشيخ الغنوشي: هل نحن في حاجة إلى فقه جديد يمكن أن نسميه “فقه الثورات”، كما نحتاج إلى “فقه التوافق” والعمل المشترك، و”فقه التعايش” بين القوى السياسية جميعها حتى نطوي صفحة الإقصاء وصفحة العنف، ونؤسس لـ “فقه المواطنة” الذي يعتبر الوطن ملكًا لكل أبنائه وبناته؟

وعندما فازت الحركة بأعلى نسبة من الأصوات في انتخابات الجمعية التأسيسية نجحت في تشكيل (ترويكا ثلاثية) تولّت إدارة البلاد، ما يسمح لنا بالقول: إن التوافق الذي أدى إلى اقتسام السلطة بين الإسلاميين والعلمانيين المعتدلين يُعدُّ أحد أهم الإنجازات السياسية التي تحققت بعد الثورة في تونس.

في أول تعليق له بعد الانتخابات الرئاسية التونسية سنة 2014، برّر الشيخ الغنوشي إحجام الحركة عن خوض الانتخابات الرئاسية بأن ميزان القوى لم يكن يسمح بذلك، ولو تقدمت النهضة بمرشح فإن المسار الديمقراطي كان سينهار. وكانت الحركة قد تداركت أمرها بعد الحوادث المصرية وتداعياتها التونسية صيف 2013، فقبلت بالانضمام إلى الحوار الوطني، وتخلّت عن الحكم لحكومة من التكنوقراط، وخاضت الانتخابات التشريعية لعام 2014 وقبلت بهزيمتها النسبية، وكل هذا لا بدّ أن يحسب لها.

وعشية المؤتمر العاشر للحركة، في 20 أيار/ مايو 2016، صرح الشيخ الغنوشي لصحيفة (لوموند) الفرنسية بقوله: “لا نعرّف أنفسنا بأننا جزء من الإسلام السياسي”، وشدّد على أن (النهضة) حزب سياسي، ديمقراطي ومدني، له مرجعية قيم حضارية مُسْلمة وحداثية، وأعاد التأكيد على “أن يكون النشاط الديني مستقلًا تمامًا عن النشاط السياسي”. وتكمن أهمية هذا التحوّل في اختيار الحركة التموضع داخل المشهد السياسي، والإسهام فيه بصفتها الحزبية وبمقترحاتها البرامجية، لا بصفتها الدينية، أو أعمالها الدعوية.

وفي رسالة بعثها إلى الاجتماع الخاص بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، الذي عقد باسطنبول في نيسان/ أبريل 2016، (نشرتها صحيفة “الحياة الجديدة” الفلسطينية– 15 أيار/ مايو 2016)، قال: “أرى يومًا بعد يوم أن لحظة الافتراق بيني وبينكم قد اقتربت، أنا مسلم تونسي، تونس هي وطني، وأنا مؤمن بأن الوطنية مهمة وأساسية ومفصلية، فلن أسمح لأي كان أن يجردني من تونسيّتي، أنا وبالفم الملآن أُعلن لكم أن طريقكم خاطئ وجلب الويلات على كل المنطقة”.

وقد وصل تحوّل الحركة إلى ذروته عندما صمتت عن الإجراءات التي أعلنها الرئيس التونسي- مؤخرًا- بشأن المساواة في الإرث بين الذكر والأنثى وحق المرأة التونسية في الزواج من غير المسلم، وكذلك عندما التقى الشيخ الغنوشي مجموعة من الأكاديميين التونسيين مؤخرًا، إذ قال بصراحة: “عندما أخذنا معظم السلطة أخذناها على قراءة خاطئة، على أساس أننا أخذنا الأغلبية، دون أن ننتبه إلى ميزان النخبة الذي نحن ضعفاء فيه.. نحن الإسلاميين فقراء من حيث القوة الصلبة، فقراء في النخب، لأننا لم نأخذ وقتنا، خرجنا من السجون وعدنا من المهاجر واختارتنا الناس بالعواطف، فكيف لنا أن نحكم بهذا الغثاء العاطفي؟”.

خامسًا: معوّقات التحوّل
في مرحلة ما بعد الثورة، وتحديدًا منذ أن تولّت الحركة السلطة، تزايدت العلامات التي تُظهر “أسلمة” المجتمع التونسي، ومنها سيطرة المجموعات السلفية على مئات المساجد في كامل التراب التونسي، بتواطؤ مكشوف من قبل التيار السلفي المتشدِّد في الحركة. كما يمكن الإشارة إلى المهمات التي ضبطها الشيخ الغنوشي في كلمته، التي سُرِّبت في عام 2013، أمام شيوخ السلفية، ومفادها أن “الأمن غير مضمون، الجيش غير مضمون، الإدارة غير مضمونة… الاقتصاد ليس بأيدينا، لا يمكن تطبيق الشريعة قبل إنجاز هذه المهمات”، مما ساعد القوى السلفية عمومًا، وأنصار الشريعة تحديدًا، على التمدد والتمكين، ووفر لهم الغطاء السياسي، بل الأمني، الذي أدى إلى استفحال ظاهرة الإرهاب وتوطينه في تونس.

وعلى الرغم من تأكيد الحركة على طلاقها مع الإخوان المسلمين، إلا أن استمرار النقاش بين أعضائها، حتى الآن، بشأن العلاقة بين السياسي والدعوي ليس سوى أحد المؤشرات الدالّة على صعوبة مغادرتها مربع الإخوان، وإن كانت تسعى إلى أن تطوّر خصوصيتها، وتبني لنفسها مسارًا مختلفًا. فالغنوشي يقول “الدولة التونسية، ليست دولة علمانية بل دولة إسلامية، وإن الفصل الأول من الدستور كافٍ ليؤسِّس لكل قانون إسلامي” (صحيفة “المغرب” التونسية 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2012). كما يرفض، في مقابلة أجرتها معه صحيفة “الشروق” التونسية في 19 كانون الثاني/ يناير 2016، الفصل بين المجالين السياسي والدعوي، ويصرّ على التمييز، وهو مصطلح يأتي بين الوصل والفصل، فهو مصطلح حمّال غموض ولا يخلو من المناورة. إذًا الغنوشي لا يقرّ بالفصل بل يتحدث عن التمايز، فيكون بذلك الدعوي هو الجناح الأيديولوجي للسياسي.

كما أن الحركة أعطت الانطباع أن طريقة تسييرها لا تنتمي إلى طرق التسيير الديمقراطي، بل المفارقة الكبرى أن رئيسها الغنوشي رفض قوانين اللعبة الديمقراطية الداخلية، التي تفرض انتخاب قيادة الحركة من المؤتمر العاشر مباشرة. وهذا يعني أن الخط السياسي، الذي أراد فرضه منذ آب/ أغسطس 2013، لم يصبح بعد هو الخط الغالب، وأنه يخشى أن يجد نفسه في موقع الأقلية داخل الهيئة القيادية للحركة، ولذا فرض على المؤتمرين اختيارًا يشبه طرق التسيير التسلطية في أنظمة الحزب الواحد.

والسؤال هو: هل الإعلان عن فصل العمل الدعوي عن العمل السياسي يكفي لحل معضلات الإسلام السياسي؟

من المجحف الحكم الجازم على هذه الخطوة، قبل ملاحظة تطبيقاتها السياسية في الواقع مستقبلًا. ولو أن أسئلة (حركة النهضة) ومواقفها تعيدنا إلى جذور موضوع توظيف الدين في العمل السياسي، إنها تعيدنا إلى ضرورة التفكير بطرق أخرى في كيفية التخلُّص من مختلف أشكال وآليات التلاعب بالدين بين النخب السياسية.

سادسًا: هل يمكن للإسلام السياسي في مصر وسورية أن يتجه نحو بناء الدولة الوطنية؟
شكّل ربيع الثورات العربية اختبارًا عسيرًا للقوى والحركات الإسلامية، سواء التي وصلت إلى السلطة أو التي ظلت في المعارضة. وفي الوقت الذي نجحت فيه بعض هذه القوى في التكيّف مع مخاض الثورات وتقلباته، كما هي الحال في تونس والمغرب، ظلت قوى أخرى على حالها، ولم تستطع التأقلم مع الأوضاع الجديدة، كما هي الحال في مصر وسورية.

لا شك في أن نشوء تيار إسلامي مدني‏،‏ يؤمن بفصل الدين عن الدولة‏،‏ وبدعم الدولة الوطنية الحديثة التي ترعى كل الأديان وتصون مقدساتها، وتضمن حقوق مواطنيها من دون استثناء، وبغضّ النظر عن انتماءاتهم الدينية والمذهبية والعرقية،‏ هو أمر بالغ الأهمية في زماننا الصعب الذي لا بدّ فيه من دعم مؤسسات الدولة الوطنية القائمة على مبدأ المساواة في المواطنة‏،‏ واستناد البرامج السياسية إلى أسس مدنية ومعايير عقلانية،‏ بعيدًا من المزايدات الدينية‏ والتدخل في حيوات الناس الشخصية‏.

لكن، لا ينبغي الإفراط في التفاؤل بشأن الامتدادات السياسية والاجتماعية المحتملة لتحولات (حركة النهضة)؛ فالثورة التونسية لا تزال تبحث عمّا يعزّز بنياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية ويطوّرها، ويدفع بها إلى الأمام، في أفق تحصينها وحمايتها في محيط عربي تجتاحه الفوضى.

لقد أثبتت التجربة، بعد دفع أثمان باهظة، أنه لا يمكن لجماعات الإسلام السياسي أن تتجه نحو بناء الدولة الوطنية الحديثة إذا لم توائم نفسها مع الواقع والعصر والعالم، إذ يتعذر قبولها كقوة ماضوية وعنفية وتكفيرية وقسرية وإقصائية، لأن هذه وصفة للحروب الأهلية والعبث والضياع. كما لا يمكن لها حيازة شرعية سياسية من دون أن تُقر بقيم الحرية والمساواة والعدالة والمواطنة، والاعتراف بالآخر والقبول بالتعددية، ونقد أفكارها عن الحاكمية والحدود والخلافة، أو القطع معها، وتَفهّم أنها مجرد أحزاب سياسية مثلها مثل غيرها، من دون الاتكاء على المقدس.

يبقى التحدي الأساسي المطروح على الجماعات الإسلامية هو القدرة على إدارة الحقل الديني في اتجاهات ثلاثة: أولها، حيادية الدولة إزاء تعددية تأويلات النص المرجعي المقدس بدلًا من فرض سقف تأويلي له؛ وثانيها، الحفاظ على التنوع الديني في البلدان التي تضم أقليات غير مسلمة، ما يقتضي تكريس فكرة المواطنة المتساوية التي لا تزال تصطدم بمعوّقات نظرية في الخطاب الإسلامي السائد؛ وثالثها، النأي بالمسألة الدينية عن صراعات الشرعية السياسية والتجاذبات الأيديولوجية، وتحويلها إلى سياج معياري ضامن للقيم المدنية المشتركة (الديانة المدنية بلغة جان جاك روسو). فهل استوعب إخوان مصر وسورية الدروس؟

الإسلام السياسي المصري يحاول التهرب من معالجة القضايا الملموسة ذات الصلة بالدولة الوطنية، ويبدو ذلك واضحًا من خلال الإشكاليات التي ما زالت قائمة في خطاب الجماعة: الخلط بين الدعوي والسياسي، وارتباك مفهوم الدولة المدنية، واختزال الرؤية السياسية في شعار “الإسلام هو الحل”. وكعادتهم، يبدي الإخوان الكثير من البراغماتية على مستوى الأداء السياسي، من دون أن يحدِّدوا موقفهم الواضح تجاه مفاهيم مختلفة من بينها: الديمقراطية والدولة الحديثة وحقوق المرأة وطبيعة المجتمع المدني الذي ينادون به. لقد كان حريًا بـ (الإخوان المسلمين) في مصر، لو كانوا جادّين في الإسهام ببناء الدولة الوطنية الحديثة، والتعايش معها، عدم الركون للابتزاز الذي تمارسه القوى الإسلامية السلفية كـ (حزب النور) المنافس الذي ربما أعاق بمزاوداته إفشال تجربة إنجاز مشروع الدستور لمصر ما بعد الثورة. ينطبق هذا الأمر أيضًا على تنظيمات الإخوان المسلمين في أكثر من بلد عربي.

لقد دخلت الجماعة مرحلة جديدة، بعد الثلاثين من حزيران/ يونيو 2013. فبعد فشلها في الهيمنة على الدولة وأخونتها، عجزت عن المحافظة على وحدة التنظيم، الذي تتنازعه الآن قيادتان تكيل كل منهما الاتهامات للأخرى. وحتى اليوم يكاد لا يوجد نقد من داخل الجماعة لتجربتها في الثورة والسلطة، إذ إن خطاب المظلومية، وتحميل المسؤولية للآخرين، هو الخطاب الغالب، ما يُضرّ بإدراكات هذه الجماعة للعوامل الذاتية، التي أدت إلى وصول مصر إلى ما وصلت إليه.

ولكن يبدو أن تيارًا داخل الجماعة رأى ضرورة إطلاق سيرورة المراجعات، وهو ما أفضى إلى إصدار (المكتب العام لجماعة الإخوان المسلمين)، الذي يُعرف أيضا بـ (تيار التغيير) أو (القيادة الشبابية)، في آذار/ مارس 2017، ما وصفه بأنه “منتج أولي”، بعنوان “تقييمات ما قبل الرؤية.. إطلالة على الماضي”، مؤكِّدًا أن الجماعة أخطأت في أربعة أمور، هي: غياب ترتيب الأولويات في العمل العام وأثر ذلك في الثورة، والعلاقة مع الثورة، والعلاقة مع الدولة، والممارسة الحزبية للجماعة. ولم يكد التقييم يخرج إلى النور، حتى سارع مكتب الإرشاد، بقيادة محمود عزت، إلى التنصّل منه رسميًا.

لكن المراجعة هذه، تبدو قاصرة عن وضع تصوّر مستقبلي لما تنتقد غيابه خلال سنتي حكم الجماعة، سواء عن مفهوم العمل السياسي، أم فصل مجالات العملين الدعوي والحزبي، أو المجتمعي والسياسي. لم نرَ في هذه المراجعة ما يُشير إلى تأسيس معرفي ومرجعي، ولو حتى بشكل أولي، للمسائل الأساس: الديمقراطية، والمواطنة، وشكل الحكم، والدولة.

أما بالنسبة إلى جماعة الإخوان المسلمين في سورية، فقد لاحظ الكاتب ماجد كيالي، محقًا، عدة توجهات في البيان الذي أصدرته (نشر على موقعها الرسمي يوم 13 أيلول/ سبتمبر 2016)، منها تأكيد البيان التزام الجماعة: “بكل ما صدر عنها من مواثيق وعهود ورؤى مستقبلية… في ميثاق الشرف الوطني 2001، والمشروع السياسي لسورية المستقبل 2004. والعهد والميثاق 2012… من التمسّك بالدولة المدنية الديموقراطية التعددية، المبنية على قواعد المواطنة المتساوية وعلى دستور مدني يعبّر عن إرادة الأكثرية السياسية”. وقد لفت إلى أن البيان لا يُشير إلى أسباب إزاحة مضامين هذه الوثائق عن الخطابات السائدة في الثورة، وتاليًا صعود الخطابات المتطرفة والمتعصبة ذات الطابع الديني والطائفي بدلًا منها، ولا إلى سكوتهم عن ذلك.

واستنتج من ذلك أن الجماعة لم تذهب في بيانها إلى حدّ مراجعة تجربتها وخطابها في الثورة السورية، بطريقة نقدية ومسؤولة وصريحة، ولا سيّما هيمنتها، بصورة مباشرة أو غير المباشرة، على الكيانات السياسية الأهم (المجلس الوطني ثم الائتلاف الوطني)، ما أظهرها كجماعة فئوية تشتغل لذاتها وليس لمصلحة كل السوريين. والواقع، فإن مسؤولية الإخوان هنا تتعلق تحديدًا بعدم تمييزها نفسها عن الجماعات الإسلامية المتطرفة والإرهابية، أو سكوتها عنها وعن ممارساتها التسلطية في المناطق التي خضعت لسيطرتها، وعدم تفنيدها لطروحات هذه الجماعات المتعلقة بالحاكمية والجاهلية والحدود والخلافة والولاء والبراء والحطّ من مكانة المرأة، واستخدام العنف والإكراه لفرض تصوراتها على مجتمعات السوريين، ما أضرّ بصدقية الثورة السورية باعتبارها ثورة تحررية ديموقراطية ضد الاستبداد.

ويبدو أن (وثيقة العهد) التي أصدرتها الجماعة، في آذار/ مارس 2012، لا تتعدى كونها تكتيكًا سياسيًا نابعًا من براغماتية يُجيدها الإسلاميون (منذ بضعة أشهر سئل أحد أهم رموزهم الفكرية عن مدى التزامهم الوثيقة فقال “أصبحت وراء ظهورنا”!؟).

أما البيان الذي أصدرته الجماعة، في أيلول/ سبتمبر 2017، بعنوان (تأكيدات وإعلانات مواقف)، فهو يُشير إلى تراجعها عن عديد من القيم التي كانت أعلنت عن تبنيها أو تعهّدتها في أوقات سابقة. فقد نص ذلك البيان، في فقرات مختلفة، تأكيد الجماعة “على بناء سورية الحديثة دولة مدنية بمرجعية إسلامية، وأدوات ديموقراطية تعددية وتشاركية”، وعلى تأسيس “دولة وطنية ذات سيادة، تضمن أمن جميع المواطنين وأمانهم وحرياتهم وكرامتهم، والمساواة التامّة فيما بينهم…”، في حين أن الجماعة ذاتها كانت أصدرت (وثيقة العهد والميثاق) التي تعهّدت فيها بإقامة “دولة مدنية، تقوم على دستور مدني، أي من دون الحديث عن مرجعيات من أي نوع، ومن دون اعتبار الديمقراطية أداة إجرائية، كما تحدثت عن دستور مدني وليس دينيًا، في حين أنها في النص الجديد لا توضح ماهية النظام السياسي المطلوب لسورية المستقبل.

ويبدو أن الخطاب السياسي يبقى غير كافٍ من دون ممارسة عملية، ومن ثمّ لا بدّ من الممارسة حتى يتضح أيّ نموذج يمكن أن يحكم معالم تجربة إخوانية في سورية على المستوى العملي، وإن كانت (جماعة الإخوان) في سورية، وحتى اللحظة، تحتفظ بأنموذج الثمانينيات، ولديها أنموذج آخر ما زال قيد النقاش والبحث داخل مستويات الجماعة.

سابعًا: خاتمة
تُمثّل حركة (النهضة)، اليوم، مدرسة لتيارات الإسلام السياسي في المنطقة العربية، فهي كانت سباقة إلى فتح حوارات مع العلمانيين واليساريين، في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، عندما كان رموز هذه التيارات المعارضة يُقيمون في المنافي؛ وكان من نتائج تلك الحوارات أن تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس، بعد الثورة، مرّت بأقل الأضرار عكس ما حدث في دول المنطقة الأخرى التي انتصرت فيها الثورات المضادة، أو انقلبت ثورات شعوبها إلى فوضى وحروب دامية، بسبب عدم التوافق بين التيارات المختلفة التي أفرزتها الثورات العربية. ويُحسب للحركة دورها المهم في العبور بتونس بسلام من وسط إعصار ما بعد ربيع الثورات العربية، عندما قررت التنازل، أكثر من مرة، وهي في أوج قوّتها.
الكاتب: وحدة دراسة السياسات28 نوفمبر 2017
موقع مركز حرمون للدراسة المعاصرة
https://harmoon.org/archives/7443