الإنسان والمرض

سئلت الفنانة الراقصة والممثلة نجوى فؤاد في إحدى البرامج الحوارية بعد أن عرض أمامها مقطع من فيلم أدته وهي في وضعية متوفاة ممدودة على الأرض ؛ والدمع يغالبها ؛ هل مشهد الموت يرعبها ؟ فكان جوابها بالنفي ولكن الذي يخيفها هو المرض.
مناسبة كتابة هذا المقال قراءتي لمقال من جنس الموضوع الذي أريد الحديث فيه وهو المرض ، للصحافية والكاتبة شامة درشول تتحدث فيه عن مرض الزهايمر.
مقال انسيابي أثارني فيه تطرق صاحبته إلى تمثلات الناس ؛ خاصة المغاربة ؛ حول المرض. والحقيقة أن الناس الحريصين على صحتهم من طبقة الفقراء و محدودي الدخل يهابهم مشهد أن يقعوا مرضى في مجتمع لا يرحم فيه قويه ضعيفه ، ويستأسد كل ذي قوة بقوته على الضعيف ، ويجد المواطن البسيط والفقير والمعوز صعوبة في الولوج إلى الإستطباب والعلاج. كما أن المرء لا يتقبل أن تتراجع صحته بعد أن كان يصول ويجول لا يلتفت لشيء في عز العطاء والبدل والتضحية ، ثم يأتيه مرض مزمن أو عضال يقاسي على إثره الأمرين ويقع بين براثن المرض من جهة وسقوطه عالة أو رهينة الإعتناء أو الإهمال من طرف ذويه والمقربين إليه.
فإذا أخذنا داء الزهايمر الذي يلقبه الكثير من الناس بمرض الشيخوخة ؛ وهو وصف غير دقيق ؛ سنجد أنه يقضي على ذاكرة الإنسان ويمحو دماغه من كل بصمة كانت له في حياته وكأنه صفحة طواها الزمن وركنها خلف الذكريات تجر ذيول الماضي السحيق دون تذكر أقرب الأقرباء.
وكم مؤلم ألا يتذكر المرء أولاده ولا يتعرف إليهم رغم تواجدهم إلى جانبه صباح مساء !!!
أما مرض السرطان فيفتك بجسم الإنسان في ظرف قياسي فيحوله من جسد مملوء إلى وعاء فارغ المبنى والمعنى ، إذ يذبل صاحبه كما تذبل الزهرة حين يمنع عنها الماء ليموت ببطء بعد أن صرعه الداء وقضى على كل خلية حية فيه.
والحقيقة أن الذي يقتل هو تدهور إرادة الإنسان أمام المصاب، فارتباك المريض واستسلامه للمرض هو جزء من السقوط الذي يقع فيه فتتقوض معنوياته ويتراجع إقباله على الحياة كما كان يفعل من قبل.
أيضا هناك بعض الأمراض التي يساهم المجتمع بتمثلاته في قمع المصابين بها. وإذا شئنا ضرب المثل وجدنا داء فقدان المناعة المكتسب الملقب إختصارا ب (السيدا) ، من أكثر التعفنات المنقولة جنسيا التي يتعرض أصحابه للوصم والتمييز والتهميش فقط لأن أغلب المصابين به ؛ المتعايشين مع الفيروس ؛ قد انتقل إليهم الفيروس عن طريق العلاقات الجنسية غير المحمية.
ودافع المهاجمين الذين لا يرحمون المصابين بهذا الداء أنهم قد حصلوا عليه عن طريق ممارسات جنسية ” غير شرعية ” كذا !! ، والحقيقة أن من جهل شيئا عاداه ، فكيف نفسر أن 75% من النساء المصابات في المغرب قد حملن الفيروس عن طريق أزواجهن؟ فأين الإخلاص في ظل العلاقة الشرعية هنا؟
إن مجتمعا ذكوريا يقوى فيه الرجل على الخيانة الزوجية دون رادع ، ويصاب بالعدوى من شريك أو شريكة له في الجنس ثم يضاجع زوجته وينقل إليها الفيروس دون أن يدري ، لهو مجتمع مختل التوازن ويحتاج إلى وقغة تأمل لنقد أساسات تمثلاته الخاطئة تجاه المرض وتجاه الجنس وتجاه المرأة وتجاه ما ينبغي أن تكون عليه العلاقات الإنسانية والجنسية داخل المجتمع.
أعود لموضوع المرض لأختم بالقول إن المرض ما هو إلا حلقة من حياة الإنسان ، فالعصر الذي نحياه مليء بالمتناقضات ، فهناك تقدم في العلم والطب يوازيه استفحال كبير في انتشار التلوث في البيئة التي تتسبب في انتعاش بعض الأمراض والأوبئة مثل السرطان ، ثم إن تكالب رأسمالية متوحشة وعولمتها لقيم الإستهلاك تسهم في ارتفاع نسبة البدانة وبالتالي ارتفاع نسبة المصابين بداء السكري ، وغياب ثقافة جنسية قمينة بإعداد الشخص/الطفل من الأساس على فهم الأشياء في أبعادها العلمية يجعل تمثلاته الخاطئة حول السيدا يتغذى من الأحكام المسبقة المنتشرة التي تحكم على المريض وبالتالي يتأخر نمط التعايش مع المرض بسبب وجود مثل هذه التمثلات المبنية على تصور خاطيء تجاه فئات المجتمع.
بقلم : محمد علي لعمور