هل عرى قرار ترامب حقيقة العرب والمسلمين؟

بتوقيعه على قرار اعتراف أمريكا بمدينة القدس عاصمة أبدية لدولة إسرائيل ، يكون الرئيس دونالد ترامب قد وضع العرب والمسلمين في إطار حجمهم الطبيعي كأمم متنافرة ، وكدول ما يفرق بينهم أكبر مما يجمع بينهم.

لقد دل القرار على أننا لم نعد نخيف أحدا ، ولا يقدر وجودنا أحد من الدول الكبرى ، فمتى كان القوي يعير انتباها أو اعتبارا للضعيف إلا من باب الإستغلال أو من جانب العطف والإحسان ؟ !!

يذكرني مشهد العرب اليوم بحماستهم بالأمس حين كانوا من دعاة محو إسرائيل من الخريطة ، وبقر بطون اليهوديات الحوامل ورمي الجنود الإسرائيليين في البحر ، يومها لا صوت كان يعلو على صوت المعركة ، وكانت للحرب الباردة يومئذ اليد الطولى في جر مصر؛ قائدة مشروع تحرير فلسطين ؛ إلى مستنقع الحروب مع إسرائيل لتصفية الحساب بشكل غير مباشر بين الإتحاد السوفياتي سابقا والولايات المتحدة الأمريكية.

حروب توجت بهزيمة مدوية قصمت ظهر العرب وزعزعت حجمهم أمام دويلة استخغوا بإمكاناتها وقدراتها العسكرية…

بعد الهزيمة في عام 1967 ، كانت مصر قد فقدت صحراء سيناء ، وتم سلب هضبة الجولان من سوريا البعث آنذاك ، وتم قضم المزيد من الأرض الفلسطينية على مرأى ومسمع من العالم دون أن يتحرك أحد. ولا غرو فكل القرارات التي تتخذ في مجلس الأمن ضد دولة إسرائيل كانت ماما أمريكا عرابة الكيان الصهيوني تقف لها بمرصاد الفيتو.

ولم تسترجع مصر في عهد الرئيس المقتول أنور السادات صحراءها (سيناء ) إلا بعد أن وقعت على اتفاق سلام بشروط إسرائيلية/أمريكية/غربية تضع مصر بمبعد عن أي صراع فلسطيني/إسرائيلي.

وقتها كانت حماقات مجنون الحكم في ليبيا تدعم الهجمات على المصالح الأمريكية جعل ليبيا تحت الحصار والعقوبات لسنوات طويلة على إثر قضية لوكربي مما جعل وزن ليبيا غير وازن في القضية الفلسطينية ، لأن حب الزعامة التي كانت لدى قائد الثورة الليبية ؛ إسوة بشيخه وقدوته جمال عبد الناصر ؛ قد حدا من تبصره في أن تكون له الحصافة لإدراك العدو الخارجي ، فصنع له أعداء من بني عروبته…

نحيت دولة من دول الممانعة ، أو بالأحرى حيدت باتفاقية ملزمة تكبل كاهل مصر لتصبح طرفا محايدا ، وجاء الدور على العراق ، الذي لعب فيه المشنوق صدام حسين دورا في إتاحة الفرصة للأمريكان بالتدخل فيه بمباركة دولية بعد اجتياحه للكويت عام 1990.

مازال السؤال محيرا حول من أفتى على صدام باحتلال الكويت؟ !!! ، ومهما يكن مصدر الإفتاء يومها فقد بلع الطعم ونالت منه إسرائيل التي كان يهددها بصواريخ سكود روسية الصنع ، وصولا بعد الضربة الإرهابية التي منيت بها أمريكا في عقر دارها عام 2001 بالتدخل عسكريا للإطاحة بنظام صدام وبقية المحاكمات ، وإعدام صدام شنقا صباح عيد المسلمين ( عيد الأضحى )والبقية تعرفونها.

دمرت العراق بسبب وشاية كاذبة صدقها حينئذ الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن بدعوى امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل… وهكذا تم تسليم العراق لإيران تعبث فيه كما تشاء… بعد أن كان العراق في حرب الثماني سنوات ( 1980/1988 ) حليفا يحارب مع الشيطان الأكبر ( أمريكا كما تصفها إيران ) ضد نظام الخميني.

بعد تصاعد العمليات الإرهابية الآتية من العالم الإسلامي مستهدفة المصالح الأمريكية في المنطقة العربية ، كان الترتيب يقتضي القضاء على ما تبقى من قوة العرب ، وهكذا تفتقث عبقرية كاتبة الدولة في الخارجية وقتها عن مشروع شرق أوسطي كانت أهدافه تصب لصالح إسرائيل في المنطقة ، فشل الأمريكيون في فرضه فكان لا بد من زرع فتيل تفتت الدول العربية بمشروع بديل لكنه خفي المعالم ، خبيث المرامي سمته نفس الكاتبة الأمريكية بالفوضى الخلاقة ، أي إعادة ترتيب الشرق الأوسط وفق جغرافيات جديدة وسياسات جديدة…

وهكذا جرى إعداد جيل جديد من شباب الفيسبوك من المنطقة العربية للثورة على الحكام والإطاحة بالأنظمة وبالتالي الإتيان بالإسلاميين المعتدلين لضرب عصفورين بحجر واحد : مسك القيادة في ظل غياب أي تجربة وحنكة سياسية لدى الإسلاميين وذلك حتى يسهل التحكم فيهم ، وضرب الإسلاميين المتطرفين بإسلاميين من نفس منظومتهم العقائدية وذلك لسد الطريق على الإرهابيين من الوصول إلى السلطة وبالتالي تهديد مصالح الأمريكان واليهود.

هكذا وبواسطة ما سمي وقتها بالربيع العربي الذي اجهضت فيه الثورة السلمية لتتحول في كل من ليبيا واليمن وسوريا إلى صدام مسلح بين المعارضة والنظام ، استطاعوا القضاء على حكم معمر القذافي والإنتهاء به مقتولا على يد الناتو ، وإشعال حرب مفتوحة في بلاد الشام ( سوريا ) بهدف إسقاط النظام ، بعد أن تكالبت عليه قوى إقليمية ( السعودية/تركيا ) وأخرى دولية ( أمريكا/انجلترا/فرنسا…) .

هذا الضعف ؛ أو إن شئنا الدقة الإضعاف ؛ كان كله يصب لصالح إسرائيل في المنطقة ، والدليل على ما نقول أن إسرائيل طوال هذه المدة كانت تحصن نفسها وتتحالف سرا مع هذا الطرف ضد ذاك تأمينا لنفسها وحفاظا على أمنها القومي حتى لو كان تدميرا للدول العربية التي تحيط بها ، فهي تريد دولا ضعيفة ، منهكة ، تابعة لا تشكل تهديدا لمستقبل إسرائيل.

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم : هل كان بإمكان أمريكا الإقدام على الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل لو أن العرب اليوم في حالة صحية قادرين على الرد بشتى السبل المتاحة ؟

الجواب بسيط ، إسرائيل وأمريكا يدركان أن التوقيت اليوم مناسب لإتخاذ مثل القرار الذي لن تعترض عليه سوى الشعوب بالهتافات ، أما الأنظمة فمنشغلة بهمومها ، فمنها المدمر ( سوريا/العراق/ليبيا) ومنها المنهك اقتصاديا والمكبل بتعهدات مثل مصر ، ومنها التابع الذي يطبع مع إسرائيل في الخفاء….

ولهذا فإن صفعة ترامب ما هي إلا هدية لإسرائيل ووفائه بالوعد الذي قطعه على نفسه إبان حملته الإنتخابية ، وصراحة من أرعن لا يقيم وزنا إلا للمصالح ومنطق الربح بدون خسارة .

فمتى نستفيق من غبائنا ونتخلص من جهالاتنا التي لا تعد ولا تحصى ؟
بقلم: محمد علي لعموري