تراجع وانحسار.. هذا مسار تيار الفكر الجهادي بالمغرب

عبدالسلام كوراحي
مرت الحركة السلفية بالمغرب من مراحل عدة بداية من مرحلة السلفية الوطنية في النصف الأول من القرن العشرين، والتي تميزت بنشر فكر التنوير والتجديد في الفقه وملائمة العصر ومقاومة المستعمر، حيث برزت خلالها أسماء وازنة منها علال الفاسي، وأبوشعيب الدكالي والمختار السوسي وغيرها من الأسماء الكبيرة.
لتصل حقبة نهاية الستينيات وبداية السبعينيات ليظهر ما يسمى بتيار السلفية التقليدية أو العلمية بالمغرب، والذي استمد كل حمولته الفقهية وتدينه من المشرق العربي وبالتحديد من الفكر الوهابي نسبة لمؤسسه محمد بن عبدالوهاب كفكر ونموذج تدين، ومن بين الأسماء التي اشتهرت في السلفية التقليدية الشيخ تقي الدين الهلالي رحمه الله والشيخ زحل رحمه الله.
بالمقابل بدأت العلامات الأولى لتشكل ما يسمى بتيار السلفي الجهادي بالمغرب في الظهور بعد ما كان يسمى إعلاميا بالجهاد الأفغاني، حيث تحول مجموعة من أبناء مدرسة السلفية التقليدية إلى أفغانستان لنصرة إخوانهم ضد السوفييت، كما كان من بين عوامل بروز هذا التيار أحداث العشرية السوداء التي عاشتها الجزائر في تسعينيات القرن الماضي، والتدخل الأمريكي في العراق ليبدأ بعدها ظهور تيار السلفية الجهادية بالمغرب.

السلفية الجهادية بالمغرب: تيار أفراد لم يتحول لجماعة منظمة
عكس دول مثل مصر التي عرفت تكوين جماعات سلفية بتوجه جهادي مثل الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد، بالعكس بالنسبة للحالة المغربية، فالحديث عن تكوين جماعة بالمفهوم التنظيمي كان غائبا وتميز التيار السلفي الجهادي مع نهاية التسعينيات وبداية الألفية الجديدة بظهور أسماء متفرقة متأثرة بمدرسة الفكر الجهادي التي بناها عبدالله عزام والظواهري وأسامة بن لادن أيام ما كان يسمى إعلاميا بالجهاد الأفغاني والذين استطاعوا تأسيس تنظيم القاعدة.
هذا التنظيم الذي عرف تعاطف بعض من يسمون شيوخا بالمغرب مثل محمد الفيزازي وعمر الحدوشي ومحمد عبدالوهاب رفيقي المعروف بأبوحفص، وحسن الكتاني وعبدالكريم الشاذلي ، حاولوا ما أمكن تصدير فكر القاعدة عبر خطبهم سواء في بعض المساجد التي كانوا يؤمونها أو في التجمعات المغلقة لحشد مجموعة من الشباب المغربي في بداية الألفية الثالثة ليتحول إلى تيار أفراد ناقل لأفكار التكفير والردة والعدو القريب والبعيد، وليس لجماعة منظمة بشكل هرمي.
وبعد الهجمات الإرهابية في 2001 التي ضربت مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، عرف هذا الحادث الإرهابي تعاطف بعض من ينسبون إلى التيار السلفي سواء التقليدي منه أو حتى الجهادي، حيث كانت هذه المناسبة مواتية لشيوخ السلفية من أجل تجيش وتهييج الشباب.
واستغل شيوخ التيار السلفي الجهادي بالمغرب التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدها المغرب مع بداية الألفية الجديدة إضافة إلى الحرية التي كانت تشهدها المملكة لنشر أفكارهم المسمومة.
وسنتين بعد مرور الأحداث الإرهابية ل2001 بالتحديد في 16 ماي 2003، حيث ضربت المغرب وبالتحديد مدينة الدار البيضاء هجمات إرهابية، لتتغير بعدها مقاربة الدولة اتجاه هذا التيار الذي بدأ بالتصاعد بقوة مابعد هجمات نيويورك الإرهابية.
وبعد الأحداث التي وقعت سنة 2003 اعتقلت أجهزة الأمن المغربية مجموعة من المشايخ الذين برزوا في تلك الفترة، منهم أبوحفص والفيزازي والشاذلي والحدوشي والكتاني وغيرها من الأسماء التي حاولت أن تحتل مشهد مهما في الساحة الدينية بالمغرب.
اعتقال هذه الأسماء سيشكل تحول جديد في مايسمى بالفكر الجهادي بالمغرب، حيث عرف تراجع المتعاطفين مع هذا الفكر خاصة الذين ارتبطوا وجدانيا مع الأسماء التي ثم اعتقالها لينتقل الشباب بعدها إلى أسلوب جديد في الشحن وتلقي الدروس عن بعد.
ومع الطفرة التكنولوجية وانتشار استعمال الإنترنيت بالمغرب بدأت مرحلة الاستقطاب الجديد للشباب المغربي داخل و خارج المغرب، حيث في إطار مايسمى بعولمة الجهاد الرقمي أصبح الشاب المغربي يشحن عبر اليوتيوب والمنتديات المغلقة في النت، وعبر شبكات التواصل الاجتماعي، عوض الجلوس مباشرة مع الشيوخ في المساجد أو في تجمعات سرية .

السلفية الجهادية.. تراجع وغياب عن التأثير في الساحة الدينية بالمغرب
أدت اعتقالات بعض دعاة تيار السلفية الجهادية بالمغرب سنة 2003 بعد الأحداث الإرهابية التي ضربت مدينة الدار البيضاء، إلى انحسار هذا التيار بشكل كبير على مستوى الفضاء العام وتراجع خطابه المباشر للشباب، ليتحول الأفراد المتعاطفون والمتشبعون بالفكر المتطرف، وينتقلوا من سلطة الشيخ وتأثيره عليهم في الواقع المادي إلى سلطة الشيخ في العالم الافتراضي.
وساهم النقد الذاتي وليس المراجعات بما أننا لا نتحدث على تنظيم هرمي قائم، والذي أطلقه مشايخ السلفية خلال تواجدهم بالسجون المغربية مثال محمد عبدا لوهاب رفيقي الملقب بأبو حفص، إلى استمالة مجموعة من الشباب الذين تواجدوا معهم في السجن وخارجه بالتراجع عن اعتناق هذه الأفكار المتطرفة والغريبة عن البيئة والثقافة المغربية والتدين المغربي المالكي .
وإذا كانت مبادرة أبناء التيار ساهمت في احتواء نسبي لهذا الفكر، فإن انخراط الدولة من خلال سلسلة حوارات قامت بها مع المعتقلين السلفيين في السجون تمكنت من خلالها من تغيير مجموعة من أفكار الشباب الحاملين للفكر المتطرف، والحد من انتشار خطاب الكراهية و التحريض.
وعرفت محطة 20 فبراير 2011 والتي شهدت خروج الشعب المغربي للشارع وخاصة فئة الشباب في إطار موجة مايسمى الربيع العربي في صيغتها المغربية، منعطفا هاما في تراجع مستقبل الفكر السلفي الجهادي بالمغرب، حيث أفرجت الدولة عن مجموعة من دعاة التيار السلفي الجهادي، ليندمج بعدها جزء كبير محسوب على هذا التيار في أحزاب سياسية وهيئات مدنية وحقوقية، الأمر الذي جعل مسألة الرمز و القائد، والتي بدأت مع بداية الألفية تتشكل في وجدان المتعاطفين مع هذا التيار في الجانب التهيجي والتحريضي، تتحول من نشر الفكر المتطرف لرموز التيار السلفي الجهادي سابقا، إلى نشر فكر متنور ومتسامح ساهم في وضع حد لهذا الفكر وإقناع جزء كبير من الشباب من القطع مع هذا المشروع التخريبي للمجتمع والفرد.
ومن خلال تأمل كبير لمسار تيار السلفية الجهادية بالمغرب فإن الدولة المغربية استطاعت الحد من مد الأفكار المتطرفة عبر مقاربة أمنية محكمة ومنسجمة، وكذلك عبر نشرها لثقافة الاعتدال التي قادها بعض رموز التيار السلفي الذين غادروا السجون وعبر مؤسسات فكرية وثقافية وحقوقية حاولت أن تلعب دور الوسيط مابين هذا التيار والدولة.
وبعد أن تراجع تواجد هذا الفكر على مستوى الساحة ولم تعد المساجد مفتوحة لهذا النوع من الخطاب بشكل كبير، وأصبحت اليقظة على مستوى مؤسسات الدولة أكبر، بدأ حضور هذا الخطاب ينحصر على مستوى الفضاء العام مما يؤكد صعوبة تواجد حضور مادي قوي لتيار سلفي جهادي منظم في الساحة المغربية في الوقت الراهن.
في حين أصبح يقتصر الأمر بعد أن شهد هذا الفكر انحسار كبير، ظهور بعض الخلايا الإرهابية والتي يتم اكتشافها من قبل السلطات الأمنية المغربية بشكل استباقي ومبكر.
لكن على مستوى التأثير المباشر لهذا الفكر على المجتمع يمكن أن نقول أن الدولة المغربية استطاعت تجفيف منابعه والسيطرة عليه بشكل كبير.

2 تعليقان

Click here to post a comment

  • ما يُقال على المنابر و في القنوات الإذاعية و التلفزية و ما يدور في المجالس العلمية و ما يصدر عن وزارة الأوقاف و باقي المؤسسات الدينية ليس فكراً و لا تنويراً و إنما أقوال متهافتة يناقض بعضها بعضاً. تحول الكلام في الدين إلى تجارة يُخاف كسادها و إساءة للدين و إلى المجال العامّ من حيث لا يشعر المتكلمون. حري بالدولة أن تتخفف من هذه المؤسسات الدينية و أن تتوقف عن تمويل كثير من هذه الأنشطة الضارة و تحرر الدين من قبضة الجهل و التخلف و تمنع الكلام في الدين إلا على الثقاة الورعين و كبار الدارسين.

  • هل مثل هذا الانشاء الفقير معرفيا و لغويا يمكن تسميته مقالا ؟ هذا لا سيء مجرد اجترار لما قيل من قبل