جودت سعيد يعتمد منهج اللاعنف كأسلوب لتحقيق الأمن والاستقرار

رشيد الحسيني
يبين جودت سعيد معالم فكرته هذه بقوله: «إنّ هذه السُّنة التي نشأ المجتمع الإسلامي الأوّل عليها – أعني: أسلوب الرسول محمد صلى الله عليه وسلّم في منع العنف قبل أن يصل إلى الحكم بغير عنف – إنّ هذه السلسلة هي التي تقطع الخطأ، بحيث لا يسوّغ إزالة الخطأ بالخطأ… إذن للخروج من هذه المتاهة لا بد لنا أن نرجع لفهم السبب الحقيقي في نهي القرآن عن العنف حين قال: “كفّوا أيديكم وأقيموا الصلاة” (1).

إن جودت سعيد يقدّم طرحه البديل مستشهدًا بحديث: «إنّ من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» (2)، ويعلِّق على الحديث قائلا:ً «إنّ الرسول صلى الله عليه وسلّم لم يقل: الذي ذهب إليه بسيف أو رمح يريد أن يقتله أو يغتاله، وإنمّا ذهب إليه وصدره مفتوح ليقول الحقّ وإن أدّى ذلك إلى الشهادة… هذا الذي ينبغي أن نَعْمَلَه» (3).

“ويؤكّد جودت سعيد أنّ المنهج العنفي الذي يتبنّى الخروج المسلّح، غريب عن جوهر الإسلام ورسالته. وأنّ اشتهاره ورواجه جاء نتيجة الانتقائيّة في التعاطي مع النصوص الإسلاميّة حيث جرى «الاستبعاد والإخفاء والإزاحة لبعض الأمور وإبراز أخرى… لصياغة أسلوب التفكير» وقد نتج عن هذه الانتقائيّة حصول: «الاختلال في الفهم في العالم الإسلامي، واختلاط الدنس “أي: [الخروج الممنوع] بالمقدّس [أي: «الجهاد » المشروع]، وما نتج عنه من مآسٍ، وما يزال ينتج عنه، وما سوف يظل ينتج عن هذا الاختلاط بين «جهاد الخوارج » و «الجهاد » الذي جاء به الإسلام»” (4).

“وعليه فإن ثقافة العنف المبثوثة في أركان كثيرة من تراثنا الفقهي والفكري تحتاج إلى مجهودات كبيرة لكنسها عبر الاستيعاب المنهجي والتاريخي لسيرة الرسول (ص) أكبر دعاة اللاعنف، وكذا استيعاب الحياة الروحية الخصبة في الدين. وتعميق الأبعاد الإيمانية الحقة عوض الطقوس العقدية والفقهية الجافة. أبعاد إيمانية ممتلئة بالمعنى، يتخلق فيها الإنسان بأخلاق الله، كما تغدو صفاته تعالى مؤشرات وغايات عظمى لمخلوقاته” (5).

ولما سئل جودت سعيد في الندوة التي شارك فيها تحت عنوان” الاسلام وظاهرة العنف” ما الحل إزاء ظاهرة العنف؟ أجاب بقوله: «أما ما يتعلق بالحل فإنني أقول: ينبغي أولا ألا نرفع السيف على أحد، وألا نقابل العنف بالعنف لأن (كل من أخذ السيف بالسيف يهلك) وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر أبا ذرٍّ عن الفتن وعما يكون فيها، وأمره بعدم المشاركة فيها، وحين قال أبو ذرٍّ: يا رسول الله أفلا أضع على عاتقي؟ قال ” ويلك، شاركت القوم إذن. قال فما تأمرني؟ قال إلزم بيتك قال: أرأيت إن دخل على بيتي وأراد أن يقتلني؟ قال كن كابن آدم” وقال له شيئا عجيبا: ” أكسر قوسك، واقطع وتره، واضرب سيفك بالحجارة” (6).

حقا لقد صار مجرد احتواء السلام جريمة، ومن هنا أرى وجوب الأخذ بهذا الحديث في مثل أوضاعنا هذه.
إنني أخاطب المسلمين وأقول لهم: يا مسلمون ماذا ستفعلون حين يصير الحكم لكم في المستقبل؟

إننا نقاوم مقاومة سلمية، كمقاومة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، ونصبر على الأذى كما صبر جميع الأنبياء، وقد ذكر الله تعالى في سورة إبراهيم على لسان الأنبياء جميعا قولهم ” ولنصبرن على ما آذيتمونا” (7) هذه هي دعوتي، وهذه هي طريق الحل برأيي، وأعتقد أن الشهداء بهذه الطريقة لن يكونوا رخيصين إنهم على أغلى الشهداء !!!! » (8).

ولذلك نجد جودت سعيد في تأسیسه لمبدأ الرشد (اللاعنف) یرى أن الجهاد لم یكن أبدا لإكراه الناس على الإسلام، بل لرفع الإكراه عنهم حتى یعتنقوا ما شاؤوا بحریة (من شاء فلیؤمن ومن شاء فلیكفر) (9).

وبناء على ما سبق فإن الحرب عند جودت سعید ماتت ولا یمارسها إلا الجهلة والمغفلون الذین باعوا قضیتهم لأعدائهم الخبثاء ابتداءً، وهنا یضعنا أمام صورتین قائمتین هما صورة النهضة الیابانیة بعد مأساة هیروشیما التي قادت إلى استسلامه، وصورة الانتكاسة السوفیاتیة وتفكك اتحاده على تسلحه العظیم.

وهكذا فإن جودت سعيد يرى في تصميم الأنبياء على رفض الدفاع عن أنفسهم بالعنف وعلى الصبر حين يُعتدَى عليهم يرى المبدأَ عينَه للموقف اللاعنفي. ويتكلم أيضًا عن “الكمال العقلي” للأنبياء الذين يريدون إعلاء حرية التفكير والاعتقاد على كل إكراه. ويستشهد بكلام الأنبياء لمن يضطهدونهم كما رواه القرآن: “ولنصبِرَنَّ على ما آذيتمونا”.

وفي نفس السياق الذي يذهب فيه جودت قال الدكتور خالص جلبي: ” أذكر جيداً «جودت سعيد»، الذي كان يردِّد أن العنف، واستخدام القوة المسلحة لفرض الآراء يعتبران من الشرك في «الدين»، وكما كانت شهادة: أن لا إله إلا الله، هي الأعظم، كذلك بُنيت الحياة السياسية على مبدأ «لا إكراه في الدين»، و«لا» هنا حرف للنفي، يدخل على كل صور الإكراه، وكل دين، وعلى أي اتجاه، فلا يُقتل الإنسان من أجل آرائه أياً كانت: اعتناقاً أو تركاً، دخولاً أو خروجاً، وإلا كانت إكراها وحبساً «ما يشبه سيارات تمشي للأمام فقط، وطرقات سريعة باتجاه واحد». وهذا يعني أنه بمجرد دخول الإكراه في الدين، فقد دخل الشرك، وتم مزج التوحيد بالوثنية، واختلط الحق بالباطل، والشخص الذي يعلِّق أي أمل بالقوة فقد أشرك في لغة الدين، وأدخل مع الله آلهة أخرى، وأُبطل عمله «في القرآن حبط عمله»، فمع الشرك يُحبط كل عمل «لئن أشركت ليحبطن عملك».

ثم إن استخدام القوة المسلحة من وجهة نظر «علم الاجتماع»، تعني الدخول إلى «شريعة الغاب»، فالذي يملك القوة هو الله، لا إله غيره، وهو ما قاله فرعون لموسى «لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين». وللسحرة «لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى». وهكذا، فإن «عبادة القوة» هي عبادة الطاغوت، والسجود للصنم.

كذلك يمكن أن نفهم القوة واستخداماتها في «اللغة البيولوجية»، بأنها طلاق العقل، وتوديع الدماغ، واعتماد العضلات، وهو الفساد الأكبر للإنسان عندما تنقلب الأدوار، فيمشي الإنسان على رأسه «منكساً»، ولكن مَنْ يمشي على رأسه يخسر رأسه، ورجليه معاً” (10).

وهكذا نرى أن الأستاذ جودت سعيد يحثنا على أن نعض على اللاعنف بالنواجذ، لأن أي لجوء إلى السلاح لجوء إلى النجس ويؤكد على أن من لجأ إلى السلاح خرب كل شيء، كما أنه صرح في لقاء تلفزيوني بأن ما يعتقده البعض حول كون الطرح الذي يتبناه جودت يتفق مع طرح غاندي بقوله: وأظن أن اللاعنف عند غاندي لا يتسع لمثل هذا الذي عرضته، ورغم ذلك فأنا أحترمه؛ لأنه قام ونبّه الناس إلى أنّ اللاعنف سلاح للتحرر السياس ، إضافة إلى هذا يأمر جودت سعيد برفع كلمة الودّ والوفاء لسقراط لأنه مارس اللاعنف قائلا: “ينبغي أن نرفع كلمة ود ووفاء لسقراط الذي مارس اللاعنف، ومارس عدم التراجع عن قول الحق، وإن لم يستطع أن يحرك الجماهير الغربية، لكن أنبياء الشرق قادوا الجماهير باللاعنف بينما الثورات الغربية كلها دموية”.

وفي حوار أجرته جريدة (عربي21) مع المفكر السوري الأستاذ جودت سعيد قائلة له: “ألا تؤكد أحداث التاريخ أن التغيير تصنعه القوة؟” .

أجاب بقوله: “لقد تمكن الرسول صلى الله عليه وسلم من إقامة الحكم، بدون أن يرفع أي سيف أو يقتل أحدا من الطرف الآخر، وإنما استقبله أهل المدينة وتقاسموا مع أصحابه أموالهم، لكننا فسرنا الحدث النبوي تفسيرا خوارقيا، وليس تغييرا سننيا قابلا للتكرار، لذلك لا يزال المسلمون إلى يومنا عاجزين عن العثور على سنة هذا التغيير وطريق العودة إلى الرشد، ونخلط بين عمل النبي في الدعوة، وبين عمله عندما صار رجل دولة، ومسؤولاً عن القرار” (11).

ويوضح سعيد طابع هذه الأطروحات التي يطرحها بأنها منهج الأنبياء”هذا هو منهج الأنبياء، ومنهج النبوة الخاتمة، مهما ظن الناس أنه مثالي أو خرافي وغير قابل للتطبيق.. إنه منهج الأنبياء من البدء وإلى المنتهى. إن أعظم من نفذ هذا الأسلوب بوضوح وجلاء لا خدش فيه ولا التباس خلال 13 سنة؛ هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ليس يوتوبيا ولا مثاليات ولا مستحيلات.
ومن لم يصدق؛ فلينظر إلى الماضي، وليتأمل الحاضر، ولينتظر المستقبل، أو فليمارس “الواقعية” في شراء الأسلحة من العدو.

إن العقلية الأسطورية هي التي تقتل الناس، العقلية التي تؤمن بأننا يمكن أن ننتصر من خلال السلاح الذي نشتريه، والذي فات أوانه بما فيه القنبلة النووية. فكيف ينظر إلينا من يبيعنا السلاح، أو يتصدق به علينا لنقتل به بعضنا البعض؟

لن يتغير قانون الله، ولكن نحن الذين سنتغير، سيتغير مفهومنا عن الله وقوانينه وسننه، ولن يمل الله حتى نمل، وسنقوم بالحروب حتى نعتبر وندرك حقا ما هي البراغماتية والواقعية” (12).

“بالعودة إلى سعيد ومشروعه؛ فإنّ إدراك السبب الرئيس لاهتمامه بنبذ العنف هو أنّ العمل الإسلامي بوجهته الواقعة (الاهتمام بالسياسة والمواجهة مع السلطة) كان يسير باتجاه مغاير تماماً لمقاربة سعيد الإصلاحية، التي تقوم على الاهتمام بالمعرفة والتغيير الثقافي والابتعاد عن الاشتباك المباشر مع السياسة، والتركيز على الواجبات بدلاً من الحقوق السياسية” (13).

“من حسن الحظ أنّنا نتحدث عن مفكّر ما يزال حيّاً، شاهداً على هذه المرحلة وما فيها من نيل لحرية الشعوب، وما واجهته أيضاً من إخفاقات وانتكاسات لاحقاً، وولوج إلى صراعات أيديولوجية وطائفية وسلطوية.

ليس ذلك فحسب؛ بل أيّد سعيد الثورة السلمية في سورية، ووقف إلى جانب مطالب الحرية والتحرر الشعبية، وقد غادر سورية إلى أوروبا لإلقاء محاضرات، وعاد إلى إسطنبول في الآونة الأخيرة، وبالرغم من موقفه الواضح في نبذ العنف ورفض حمل السلاح بديلاً عن التغيير السلمي؛ فإنه تجنب توجيه النقد العلني لـ”عسكرة الثورة السورية”، وعلى الأغلب خشيةً من توظيف النظام السوري لهذا الموقف، في الوقت الذي لا يزال تلاميذه ومريدوه يشاركون في الاحتجاجات السلمية في سوريا، وقد قتل شقيقه (محمد) في قصف للجيش السوري على قريتهم بئر عجم، في نوفمبر 2012، بينما نجا جودت سعيد (81 عاماً) من القتل” (14).

وعليه فإن المفكر جودت لا يزال يبشر بالسلام في زمن الحرب، ويؤكد ثقته بانتصار الكلمة على السيف، ولم يمل من تكرار أفكاره منذ أن سطرها في كتابه “مذهب ابن آدم الأول” مطلع ستينيات القرن الماضي. وهكذا يستمر مشروع التغيير السلمي معه ليطبع إسهامه الأبرز في الخطاب الإسلامي المعاصر، ويشكل مرتكزاً أساسياً له ولمدرسته والمتأثرين به.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ جودت سعيد، مذهب ابن آدم الأول: مشكلة العنف في العمل الإسلامي، دارالفكر، الطبعة الخامسة، دت، دمشق، ص58.
2 ـ سعيد، جودت، التغيير مفهوم هو طرائقه، مرجع سابق، ص47.
3 ـ سعيد،جودت،مذهب ابن آدم الأول…، مرجع سابق، ص187.
4 ـ من رحم الأزمة السورية، تقرير عن الخطاب الإسلامي لثقافة الحرب والإعداد لثقافة السلام والبناء، مرجع سابق، ص57.
5 ـ محمد همام، مفهوم العنف ومشكلة الصراع السياسي في الفقه السياسي الإسلامي مقاربة منهجية، مقال نشر له في موقع الملتقى الفكري للإبداع، بتاريخ 30/07/2009، http://almultaka.org/site.php?id=759&idC=3&idSC=12.
6 ـ من حديث أخرجه أبو داود في الفتن، باب: النهي عن السعي في الفتنة، رقم الحديث4206-4207، والترمذي في الفتن، باب: ما جاء أنه تكون فتنة القاعد فيها خير من فتنة القائم، رقم الحديث 2195، وابن ماجة في الفتن، باب التثبتفي الفتنة رقم الحديث 3957.
7 ـ سورة إبراهيم الآية 12.
8 ـ مداخلة الأستاذ جودت سعيد في الندوة الفكرية ،الإسلام وظاهرة العنف، حول “فكر إسلامي حديث” شارك فيها: الأستاذ جودت سعيد، الدكتور محمود عكام، الدكتور أسعد السحمراني، الدكتور نعيم اليافي، إعداد وتقديم محمد نفيسة، دار السقا- دمشق-، ط1، 1416هـ/1996.
9 ـ سورة الكهف الآية29.
10 ـ خالص جلبي، التأسيس لمفهوم اللاعنف، مقال نشر له في صحيفة الشرق بتاريخ 07/09/2010، http://www.alsharq.net.sa/2015/09/08/1401815.
11 ـ جودت سعيد: السلام طريق الأنبياء والخيار المسلح مرفوض، في حوار لـ”عربي21″ مع “غاندي العرب”، بتاريخ الإثنين، 15 مايو 2017 01:04 م: http://arabi21.com/story/1005990.
12 ـ نفسه.
13 ـ محمد أبو رمان، تيارات السلم والمصالحة والتضامن في الزمن المعاصر أنموذج جودت سعيد، مجلة التفاهم الإليكترونية العدد43. http://tafahom.om/index.php/nums/view/12/246.
14 ـ نفسه.