في العلاقة بين العقل الفقهي والأخلاق وحقوق الإنسان

لعل ما يحتاجه العقل الفقهي من مراجعات هو أمر كثير لكن الأولى في الاعتبار هي مسالة الاخلاق وحقوق الإنسان حيث يتجاهل هذا العقل الفقهي هذين الجانبين المهمين.

فالفقيه يؤثر الارتباط او الانسجام مع معاييره الفقهية وفتاويه متناسيا بعد الاخلاق و”انسانية” الانسان، فمثلا الفقيه يحبذ الغوص في جزئيات الصلاة والوضوء والزكاة والنفاس والحيض بينما يتجاهل الحيف الاجتماعي وانعدام العدل ومظاهر الاستبداد السياسي التي تشكل جوهر القيم الكبرى الانسانية.

ولتوضيح فكرتنا الأساسية يمكن أن نضرب هذا المثال فإذا ما خير الفقيه في الحديث بين امرأة لا تغطي شعرها جيدا وبين نفس المرأة وهي تبر بذويها وتأوي اليتامى وتنصر المظلومين فانه حتما ستثور ثائرته حول عدم حرصها على “حد الحجاب ” هكذا يبرز اهمال الاخلاق من قبل الفقهاء والأصوليين.

أما “حقوق الانسان ” أو البشر فهي تبرز بأشكال عدة من أهمها ما يطلق عليه باب “الحيل الشرعية” فقد سمعت أحد الخطباء في المدة الأخيرة يبرر التهريب في ظل نظام “مرتد” أو “كافر” ظنا منه أنه يسئ الى ذلك النظام بينما هو يدمر ثروة بلد كامل ويعمل في نفس على إذاية آلاف الناس .

وهناك مثلا آخر يبرز خاصة من خلال الحركات الدينية والإرهابية التي تهدر حياة البشر كونها فقط يخالفونها في المعتقدات (انظر تصرف حركة داعش مع اليزيديين والقتل على الهوية) وعادة ما تحشر هذه الحركات ترسانة فقهية هدفها الأساسي تبرير القتل وهدر حياة الناس وهذا السلوك يؤكد غياب حق البشر وغياب “قيمة الانسان” في حد ذاته.

ان العقل الفقهي الذي يتماهى مع قوانينه وفتاويه قد تحول الدين في الأخير الى أمور شكلية، إذ فقد روحه وجوهره ووظيفته في حماية البشر والتبشير بأخلاق وقيم تؤسس لمجتمع حي متلاحم.

ونظرا لأهمية معطى الأخلاق وقيمة الكيان الإنساني عمل كثير من الفقهاء والفلاسفة الى تلافي هذا النقص من ذلك الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (ت1973) في كتابه “مقاصد الشريعة الاسلامية “، حيث وجه نقدا للمنظومة الفقهية وأشاد بكثير من الاخلاق خاصة قيمة العدل والحرية (مفهوم الحرية عنده يقترب من مفاهيم فاسفة الانوار)، وهناك أيضا علال الفاسي، وفي الفترة المعاصرة نجد فضل الرحمن ومحمد اقبال ثم حاليا فيلسوف الاخلاق طه عبد الرحمن..

ورغم ذلك فإن المسالة مازالت تحتاج الى تعميق والى مزيد من التنظير..
عبد المجيد بن براهيم – تونس