كتاب “ناقصات عقل ودين”: بين مدلول النص واستنباطات الفقهاء وأهمية السياق

إعداد: د. يوسف الكلاّم
صدر حديثا في المكتبة المغربية عن “جسور للدراسات والأبحاث العلمية والتدريب” كتاب يتناول موضوعا جديرا بالاهتمام والدراسة بعنوان: “ناقصات عقل ودين بين مدلول النص واستنباطات الفقهاء وأهمية السياق” من تأليف الباحثة في القضايا النسائية الدكتورة نادية الشرقاوي، والجديد في هذا الكتاب هو تناوله للموضوع من خلال مقاربة تنويرية مقاصدية، فهو كما وصفته الدكتورة أسماء لمرابط التي قدمت لهذا الكتاب: “نموذج من قراءة وتأويل بديل لما راج في الفكر الإسلامي التقليدي منذ عصر الانحطاط، والذي طالما استنبط مبادئ وأحكاما عامة خارج السياق التاريخي والاجتماعي لرسالة الإسلام”.

ويعد هذا الكتاب حلقة أولى من سلسلة حلقات خاصة حول: “تجديد النظر في قضايا النساء في الإسلام”، تفتح باب النقاش العلمي الهادئ البعيد عن شخصنة الأمور التي تحول ما هو علمي إلى صراعات شخصية لا قيمة لها.

يطرح هذا الكتاب مجموعة من الإشكالات، سطرتها مقدمة الكتاب: كيف يؤثر بتر النص من سياقه في تغيير المفهوم وإعادة صياغة معنى آخر؟
هل يتوافق تفسير نص الحديث مع ما جاء في نص الحديث؟ وكيف أثرت التقاليد والعادات والأعراف في تغيير المعنى المقصود من الحديث وأكدت إهانة المرأة بإيجاد “غطاء شرعي” من خلال التفسيرات المغلوطة لبعض الأحاديث النبوية الشريفة؟

للإجابة عن هذه الأسئلة تناول هذا الكتاب مجموعة من المحاور منها: علاقة السياق بفهم النص، مناسبة ورود هذا الحديث النبوي الشريف، كيف شُرح هذا الحديث، ما هي الأحكام التي استنبطها العلماء منه، وبعض المحاولات المعاصرة لشرح نص الحديث.

ونبّهت الباحثة في مقدمة الكتاب إلى أن النصوص الحديثية التي هي إلى جانب النص القرآني جزء لا يتجزأ من النص الديني المؤسس في الإسلام، فقد اختلف مفهوم الكثير منها خصوصا المتعلقة بموضوع النساء، بحسب تأويلات الفقهاء، وفق ما ينسجم وثقافتهم ورؤيتهم للمرأة مبتعدين في ذلك عن السياق الحقيقي لمضمون الحديث النبوي الشريف، فاستنبطوا من خلال هذه التأويلات أحكاما خاصة بالمرأة، صارت شرعا ملزما وعرفا لصيقا بها، مع أنها لا تتفق والقيم التي أسس لها القرآن الكريم بقدر ما أنها ترسخ كما قلنا لثقافة مجتمعية معينة وتعبر عن رؤيتهم للمرأة.

وقد أعطت الباحثة في دراسـتها أهمية للسياق في فهم النص عموما وحديث “ناقصات عقل ودين” على وجه الخصوص، فـلفهم هذا الحديث النبوي الشريف لابد من معرفة السياق الذي ورد فيه، إذ للسياق أهمية كبرى في الدلالة على تحليل النصوص وتوجيه المعنى، وبترُ النص واقتطاعُه من السياق الذي جاء فيه، ثم تأويله على أساسه الظاهر أمرٌ فيه نظر، لأن إهمال سياق النص يؤدي لا محالة إلى الوقوع في الغلط والمغالطة، ويؤثر سلبا على الاستنباط السليم للأحكام الشرعية.

في معنى “نقصان العقل”، وقفت الباحثة مع مفهوم الشهادة والإشهاد وتمييز الفروق بينهما، ومع استعمالات مصطلح “العقل”، لتبين أن نقص العقل الذي أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، لا علاقة له بتفعيل العقل أو بذل المجهود العقلي، وإنما هو نتاج ثقافة اجتماعية لا تتحمل المرأة مسؤوليتها فيها، فلذلك جاء التأكيد على ضرورة تعضيد المرأة الواحدة بالثانية لتفادي النسيان الذي يحصل بسب قلة المهارة وغياب الخبرة، فنقصان العقل الذي وصف به الرسول عليه الصلاة والسلام النساءَ مع وجود هذه الآية القرآنية هو وصف لــ “نقص الخبرة”.

في معنى “نقصان الدين” أكدت الباحثة على أن المقصود بنقص الدين ليس النقصُ في انقياد المرأة وإذعانها وطاعتها لله تعالى واستسلامها لأوامره واجتنابها لنواهيه عز وجل، ومعرفتها لمراتب التوحيد والإيمان والنظر، وإلا كان مسَلما بأن النساء أقل تدينا من الرجال في حالة ثبوت هذه المفارقة.

لتخلص في الأخير إلى أن نقص الدين ونقص العقل، ليس من كسب النساء، وإنما هي أمور مترتبة عن معطيات اجتماعية كما هو الشأن في مسألة نقص العقل، أو طبيعية كما هو الشأن في مسألة نقص الدين، ولو كان الأمر كذلك لوجب ألا تقبل شهادة من يترك الصيام أو الحج أو الزكاة لمرض أو أي عذر شرعي، لأن المرأة تركت الصلاة والصيام أثناء الحيض لعذر شرعي أيضا، فما الفرق بينها وبين المريض من الرجال؟

بعد ذلك وقفت مع الأحكام التي استنبطها العلماء استنادا إلى نص الحديث: “ناقصات عقل ودين”، عند مناقشة موضوع إمامة المرأة وصحة توليها منصب القضاء، وكيف وظفوا نص الحديث لحرمان المرأة من تولي المسؤوليات العامة، معتبرين أن هذا النقص صفة مطلقة لازمة للمرأة في جميع أحوالها وأمورها فلا تصلح لتدبير أي شأن يخدم الصالح العام.

وفي عرض مجموعة من المحاولات المعاصرة لشرح نص الحديث، نبهت الباحثة إلى أن هذه المواقف متفقة في البحث عن مخرج لفهم هذا الحديث النبوي الشريف، ومن خلال هذه المواقف تستنتج أنه لتفادي هذه الإشكالات التي يُفسَّر بها النص وجب الوقوف على السياق الذي قيل فيه الحديث، ومعرفته لأنه أمر مهم، لأن بتغَيُّر السياق يتغير المعنى من الذم إلى المدح أو العكس، فتبقى قراءة النص في مجمله وفي إطاره السياقي ضرورية لفهم المعنى والمقصود منه.

لم يفت الباحثة أن تذكر في خاتمة الكتاب بما وصلت إليه المرأة من المناصب العليا وإتقانها للمسؤوليات المنوطة إليها في المجالات الاجتماعية والاقتصادية وغيرها….. كالطب والسياسة والهندسة وعلوم التربية عكس ما يروج له.

ولم يفتها أيضا أن تنبه إلى أمر مهم وهو أن: “ميزان العدل الذي سطره القرآن قد جعل كلا الجنسين ذكرا كان أو أنثى سواسية في العبادة أمام رب العباد، لقول الحق سبحانه وتعالى:﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ النساء:124، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِيـنَ وَالصَّادِقَـاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾الأحزاب، 35، ومن ثمة لا يحق لأحد أن ينتقص من عمل أحد، ولا يحق لأحد أن يميز بين عباد الله رجالا ونساء إلا بميزان العمل الصالح والتقوى، وإذا اختلت معايير التفاضل والمفاضلة على هذا الأساس انعكس ذلك على ميزان الأداء والإنتاج، فيكون ذلك مخالفا لعين القسط وتحقيق العدل بين الناس”.

جاء هذا الكتاب أيضا في ظرف مهم، وفي وقت حققت فيه المرأة المغربية مكتسبا جديدا، بتمكنها من دخول حقل طالما اقتُصر على الرجال، وهو حقل ممارسة العدالة، بعدما أعطى جلالة الملك بصفته أميرا للمؤمنين موافقته على مزاولتها لمهنة العدالة، فهنيئا للباحثة الدكتورة نادية الشرقاوي، وهنيئا لكل نساء المغرب بهذا العمل العلمي الجاد، وبهذا المكتسب الاجتماعي أيضا.