ديموقراطية الفراعنة على أرض الكنانة

يتغنى المصريون دوما بكون بلدهم مصر أرضا مقدسة مذكور أثرها في القرآن ، ويفتخرون أشد ما يكون الفخر بتاريخ الفراعنة الذين يرقدون في إحدى عجائب الدنيا السبع ( الأهرامات ) ، كما يحلو للمصريين جميعا تسمية وطنهم ب( مصر أم الدنيا ).

ورغم كون هذا الشعب العريق يتصف بالطيبوبة ويتمتع بحس الفكاهة ويقري الضيف ، ويرضى بالنصيب ويتصف بالصبر ، فهو شعب مخدوع بكل تلك الصفات التي تلهم انتماءه لوطن يعد قلب العروبة ، ومهد القومية العربية التي وطد مفهومها في وجدان كل مصري جمال عبد الناصر ثاني رئيس عسكري أتى إلى السلطة بعد ثورة الضباط الأحرار عام 1955 ، بعد رئاسة إنتقالية لمحمد نجيب.

قلت عن شعب مصر بأنه مخدوع لأنه يثق كثيرا في كل من يرفع شعار التغيير بدءا بحكم العسكر الذي طال أمده منذ سقوط النظام الملكي بيد الجيش وقيام جمهورية على مقاس الثورة وبالتالي بنيت ركائر الحكم الجديد على وأد النخبة الحداثية والليبرالية التي كانت تتعارض مع أفكار وإيديولوجية الثوار الممسكين توا بالسلطة ، وحاربوا كل ما يتصل بالحياة التي ارتبطت بالعهد الملكي البائد ، حتى منعت أغاني أم كلثوم من الإذاعة عبر الأثير ، ولولا انتباه جمال عبد الناصر لعدم إدراج أغانيها على المذياع وأمر بعودتها إلى الساحة لكانت نسيا منسيا. فالسلطة الجديدة ترفع من تشاء وتقبر في غياهب النسيان من تشاء…

مات جمال عبد الناصر وجاء نائبه من نفس البنية العسكرية وحكم ما شاء أن يحكم تحت وطأة رد الإعتبار لمصر بعد الهزيمة ، فحقق في حرب أكتوبر إستعادة سيناء من إسرائيل ، ووقع على إتفاقية كامب ديفيد التي كلفته حياته ، ليعقبه حسني مبارك من نفس المؤسسة العسكرية…

تناوب ثلاث رؤساء عسكريين على حكم الشعب المصري وتوجيه بوصلة ولائه باتجاه تقديس الزعيم التي مثلها عادل إمام في مسرحيته، فقدس المصريون جمال عبد الناصر وخرجوا بعد الهزيمة أمام إسرائيل عام 1967 لا لتنحية الزعيم من منصبه بل لجعله يبقى في السلطة حتى أزاحته المنية عام 1970.

ثم انبرى الشعب المصري الطيب المغلوب على أمره يخضع لحكم زعيم آخر من نفس المؤسسة العسكرية هو أنور السادات الذي قام في عهده بسجن معارضيه ومنهم كاتبة سلمية مثل نوال السعداوي ، فأوحت لها السلطة المطلقة للرئيس بكتابة روايتين إحداهما في السجن ( مذكراتي في سجن النساء ) ، والثانية خارجه ( سقوط الإمام ).

وهذه المرة لن يتنحى الزعيم عن السلطة إلا بعد سقوطه صريعا على يد إسلاميين متشددين رؤوا فيه خائنا للقضية الفلسطينية لما زار إسرائيل وخطب في الكنيست خطبته العصماء التي أفضت بعد حرب أكتوبر إلى توقيع معاهدة سلام جعلت العالم العربي يرفضها ويوبخ مصر بطردها من جامعة الدول العربية ونقل مقرها من مصر إلى تونس قبل أن تعود إليها في وقت لاحق.

قرارات رئاسية لم يستفت فيها الشعب المصري المغلوب على أمره.

ثم جاء حسني مبارك إلى السلطة وحارب الإسلاميين ثم هادنهم وجعل المؤسسات من البرلمان ( مجلس الشعب ) ، مجرد هياكل صورية تؤثت المشهد السياسي لإيهام الداخل والخارج أن هناك حياة ديموقراطية وأن صوت الشعب مسموع ، والحال أن حسني مبارك لم يكن إلا زعيما ديكتاتوريا حكم مصر بأجهزته القمعية التي غيبت المعارضة الحقيقية في غياهب السجون ودجنت النخبة ونفذت بنوذ معاهدة كامب ديفيد مع إسرائيل مثل أي تلميذ نجيب حتى قيل عنه من طرف الإسرائيليين أنفسهم بعد تنحيه عن السلطة بعد قيام ثورة 25 من يناير عام 2011 ، بأن إسرائيل خسرت كنزا إستراتيجيا لها ، في إشارة إلى سقوط رأس النظام ( حسني مبارك ) دون أن يسقط النظام نفسه.

ولما انتخب الشعب المصري المخدوع بشعارات الإخوان رئيسا ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين ( محمد مرسي ) ، في انتخابات نزيهة هي الأولى من نوعها ، خذلهم الرئيس المنتخب حين ترك حل مشاكل البلاد التي بسببها خرج المصريون إلى ميدان التحرير، واستغلت المؤسسة العسكرية تذمر الشعب المصري الذي دفع دفعا للإنقلاب على الشرعية وخروجه ثانية لإسقاط حكم مرسي بعد عام من توليته رئيسا منتخبا لمصر المحروسة.

هكذا وبعد تدخل الجيش لتنحية محمد مرسي وقمع المؤيدين له في ميدان ربيعة ، تكون المؤسسة العسكرية في مصر قد استعادت مكانتها كمؤسسة تتحكم في الحياة السياسية بقبضة من حديد.

اليوم يتولى حكم مصر عبد الفتاح السيسي الذي عينه مرسي على رأس الجيش بعد إحالة المشير طنطاوي على التقاعد لضرب عصفورين بحجر واحد : إيهام المصريين بأن العهد الجديد للإخوان يتخلص من رموز العهد القديم ، وتولية شخص يخدم الرئاسة وفق تصورات الجماعة لما ينبغي أن يكون عليه الحكم في عهدهم ( الأخونة والأسلمة وتخليق المجتمع وفق إيديولوجية الجماعة ) بمباركة أمريكية خططت في الخفاء وجندت جيش الشباب الفيسبوكي لإسقاط حكم مبارك الذي كان يهيء لتعديل دستوري على مقاس التوريث الذي لم تستسغه النخبة المثقفة وقتها ( حركة بلا هوادة ).

ونفس الديكتاتورية ستتكرر مع حكم الإخوان حين لجأ مرسي إلى إصدار إعلان دستوري يحكم بموجبه على وجه الإطلاق في إلغاء تام لأحكام الدستور وكأن البلد في حرب !!

اليوم بعد انقضاء المدة الأولى لولاية عبد الفتاح السيسي ، يتم تشويه صورة الديمقراطية على يد أجهزة المخابرات التي رمت الشباب الحيوي المعارض في السجن ، بل رمت بالمترشح الوحيد الذي وقف ندا لمنافسة السيسي في المعتقل ، ولم يقو أحد في أرض الكنانة على التجرؤ لإعلان ترشيحه للرئاسيات المصرية.

وهذا السيناريو المخيف من جبروت السلطة الذي تحكم قبضتها عليه المخابرات العسكرية ، وتهدد كل من له رصيد من التجربة السياسية بفتح ملفات الفساد في وجهه ، ليبعث على القلق بشأن مصير الديمقراطية في مصر التي قرر شعبها منذ سبع سنوات مضت إعلان الثورة والعصيان في وجه الديكتاتورية طلبا للحرية والكرامة والحقوق ، قبل أن ينقلب الجيش المصري على الشرعية ويمسك بزمام الأمور وكأن قدر المصريين أن يتخلصوا بعد قرون من بطش الفراعنة للوقوع في قبضة العثمانيين ، ومن حكم الأتراك ليرزحوا تحت نير الإنتداب البريطاني ، ومن النظام الملكي الخادم لمصالح التاج البريطاني إلى حكم العسكر ، ومن حكم العسكر إلى حكم الإخوان، ليعود الأمر لحكم العسكر من جديد بعد إنقلاب على الشرعية بمباركة الشعب نفسه الذي غرر به وتم تخويفه من حكم الإخوان فخرج خروج المنقلب على الثورة الصحيحة التي سقط فيها رئيس من المؤسسة العسكرية ، هذه الأخيرة التي لم تستسغ ثورة الخامس والعشرين من يناير ، فهندست لسقوط حكم الإسلاميين الذين جاءت بهم صناديق الإنتخابات إلى السلطة.

فهل الديموقراطية تبنى وفق ما تفرزه صناديق الإقتراع من أصوات ؟ أم هي تمرين على اختيار النخبة القادرة على صنع التغيير بمنطق وقواعد السياسة التي تبنى على أساس التوافقات ، وقبول الإختلاف والتعايش مع الفكر المختلف ، والسماح للمعارضة للتناوب على السلطة ، وتسخير الإعلام للتنوير ونشر قيم ومبادىء الديمقراطية لا التطبيل لسلطة الزعيم وتقديس قراراته ، ومحاربة معارضيه ، وبالتالي ينعدم الوعي السياسي القادر على ممارسة الديمقراطية لعدم توفر الأرضية المناسبة لممارستها.
بقلم : محمد علي لعموري