المثلية الجنسية من منظور باحث مغربي في السوسيولوجيا

ظهر في المعرض الدولي للنشر والكتاب مؤخرا كتاب جديد للباحث الشاب في حقل السوسيولوجيا أمين مزيوقا عن المثلية الجنسية أعطاه صاحبه عنوان “سوسيولوجيا المثلية الجنسية”.(1)
طبعا الموضوع المطروق في ثنايا الكتاب يعتبر من الطابوهات ومن الموضوعات المسكوت عنها (2) ، والدراسات الجادة والعلمية حولها تبقى محتشمة.
جرأة هذا الشاب أنه توخى تقريب المبعد ، واختراق جدار الصمت والإدلاء بدلو البحث العلمي في الموضوع سماه الكاتب ب “البحث في قاع الخابية”. (ص7).
لقد قسم الكاتب تصميم الكتاب إلى شقين: شق نظري وشق عملي ميداني.
بالنسبة للشق النظري حاول الباحث الغوص في السياقات الأدبية التي أنتجت لنا ما يمكن أن نسميه بأدب الجنسانية المثلية أو ما يسميه صاحب الكتاب بـ”المتن الأنثروبولوجي للمثلية (ص 21)” التي تتجلى كمعطى ثقافي راكم عبر التاريخ تجربة أدبية تخرج بالقارئ عن المألوف وتثير فضوله للتعرف على ثقافة الإختلاف كما بناها رواد الأدب المثلي في الشعر العربي ( من ص 23 إلى ص 26) ، وفي الرواية ( من ص 27 إلى ص 31).
لكن الكاتب سرعان ما سينفصل عن الخوض في الإطار التاريخي لينقلنا إلى الحديث عن دور الجسد كوعاء للمتعة بين المثليين خاضع لسوق العرض والطلب مصورا الجسد عند المثليين كسلعة ( من ص 34 إلى ص 38 ).. مشيرا إلى دور المتعة والشهوة باعتبارهما من مرتكرات الفعل الجنسي بين المثليين.

ملاحظات منهجية :
من خلال النظر إلى الفهرست الخاص بالفصل الثاني من الكتاب ( ص 45 ) وكما جاء في المبحث الأول المعنون بـ”المثلية وجينيالوجيا الاحتفال” ، اعتمد الباحث تقسيم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب، من بين هذه المطالب الثلاث هناك المطلب الثاني المعنون بـ “موسم سيدي علي بنحمدوش”.
لكننا حين نعود إلى الفهرست الموجود آخر الدراسة نجد أن المبحث الأول لا يضم سوى مطلبين هما : “كرنفال ديونيسوس” ( المطلب الأول ) ، و”الثورة الحنسية والمثلية” ( المطلب الثاني )..أما العنوان الخاص ب”موسم سيدي علي بن حمدوش ” فقد جاء خارج التقسيم العام للفهرست.
لكن حين نصل بالقراءة إلى الباب الثاني المعنون بـ “المثلية من خلال الأشكال والسلوكات الممارسة” سنجد في المدخل العام تلخيصا لما جاء في الباب الأول يذكر فيه موسم سيدي علي بن حمدوش كما لو كان قد تم التطرق إليه في إحدى المطالب سالفة الذكر ( أنظر إلى ص 75) ، والحال أن الباحث كان قد تركه ليكون فقرة من الهامش الذي عنونه بـ ( تجليات المثلية في الواقع الإجتماعي ) ، لكن دون أن يذكر هذا العنوان داخل الفهرست العام ، بل ذكر عنوانا آخر سماه الكاتب “على هامش البحث”.
ولعل هذا الارتباك على مستوى التقسيم بالإضافة إلى العديد من الأخطاء اللغوية إنما مرده حسب تخميننا الخاص كون الباحث قد استعجل الدراسة الجامعية لتخرج على شكل كتاب يباع في معرض الكتاب الأخير وكأن الكاتب يستعجل رحيله فاستعجل خروج كتابه الأول بهذا الارتباك المنهجي وغياب المراجعة اللغوية…(3)
ورغم عدم اتفاقنا مع العديد من الطروحات التي قال بها الكاتب في هذه الدراسة مثل اختزال المثلية الجنسية في العمل الجنسي والمتعة بالجسد وتسويقه في سوق العرض والطلب (ص 39) ، واختزال تجليات المثلية على المستوى السوسيولوجي في موسم سيدي علي بن حمدوش هو تسويق لصورة نمطية تبقى من اختصاص بعض الصحافة المتسرعة في الحكم على المثلية من خلال معتقدات جزء معين من شرائح المجتمع المثلي ( la communauté gays) في الأضرحة والخرافة والشعودة… والتالي فهذا الموسم لا يعكس الهندسة التيبولوجية والسوسيولوجية للمثلية بالمغرب ( من ص 163 إلى ص 168).
التساؤل الذي يطرح هنا فيما يتعلق بتجليات المثلية كما ناقشها صاحب الكتاب حين اعتبر التحريم الديني والتجريم القانوني للمثلية إحدى تجليات هذه الأخيرة… إلى أي حد يمكن اعتبار هذين البعدين اللذين يشكلان عائقيين أمام حياة المثليين ويحدان من حريتهم تجليين من تجليات المثلية؟
وعموما، فقد تطرق الباحث لموضوع غير مطروق، وحرث فوق أرض ملغومة بكل أشكال المنع والتحريم والتجريم والوصم والتمييز والتهميش والعنف والهشاشة ضد فئة المثليين ، وقد نختلف مع الكاتب منهجيا وموضوعيا ونذهب بالقول إلى أن التميز في مواضيع جد ملغومة يستوجب نظرة أعمق تتوخى التركيز على أبعاد خفية في الظاهرة دون سرد الواقع اليومي أو الإنتصار لموجة متدفقة من الحماس لدى العديد من المثليين الذين يسعون لتغيير واقع المثلية بحس نضالي وبنفس طويل… فالباحث يتوخى دوما ؛ حين يطرق موضوعا حساسا ؛ الإلتزام بالموضوعية وبالعلمية ، ويعرض الواقع وخفاياه حتى يكون البحث العلمي مساهما في تغيير الأوضاع الإجتماعية نحو الأفضل.
——————
هوامش :
1/ الكتاب من الحجم المتوسط طبع بدار “روافد للنشر والتوزيع” المصرية.
3/ للأسف رحل عنا إلى دار البقاء صاحب الكتاب بعد انتهاء المعرض بأيام قليلة إذ أدخل المستشفى في أيام فعاليات معرض الكتاب وكان متوقعا حضوره للتوقيع على كتابه مع الجمهور القارىء لكن الموت كان له رأي آخر.
2/ كان موضوع المثلية الجنسية حديث الصحافة الوطنية قبل أن يطالها قرار المنع ذات مرة من زوير الداخلية الأسبق شكيب بنموسى إثر اللغط الذي انفجر إعلاميا بين أنصار الحديث عن المثلية على صفحات الجرائد وأنصار المنع وقمع حرية الكتابة والتعبير باسم المقدس والدين.

بقلم : محمد علي لعموري