مأساة الخطاب الديني‎

“هناك أموات يديرون الحياة”
لاشك أن جان بول سارتر لم يطلق هذه العبارة جزافا، و إنما كان يعي جيدا ماهية، و جوهر تلك الكلمات التي تختزل الوضع المأساوي الذي خيم على الواقع البشري، و مما لاشك فيه أيضا أن هذه الكلمات تصدق بشكل مخيف على الواقع الإسلامي جراء ما يروج له الخطاب الديني السلفي المتمسك بالموروث الديني الماضوي، و حرفية النص الشرعي دونما اجتهاد، و تأويل، مما أدى إلى اتساع الهوة، و الفجوة بين الواقع المتغير و النصوص الثابتة المتمسك بها، ليبدو الأمر مع الوهلة الأولى صراعا بين المتحرك و الجامد مما أفضى إلى مأساة.

والمأساة الحقيقية تتمظهر في كون الخطاب الديني السلفي يخضع خضوعا تاما لما يسمى بأحكام الشريعة، و الفقه الموروث دون إعمال للعقل، و نقد تلك الآراء الفقهية المتوارثة كابرا عن كابر منذ إغلاق باب الإجتهاد أيام المتوكل العباسي الذي تواطئ مع الحنبلية من أجل قمع، و وأد الفكر التنويري المعتزلي، و خلق مولود مشوه تحت مسمى ” السلفية ” للحد من امتداد الفكر الفلسفي القائم على النقد و العقل؛ و لعل من المهم قبل الخوض في الحديث عن مأساة الخطاب الديني السلفي التطرق لمفهوم السلفية، و تاريخها، و خصائصها المتوارثة جيلا بعد جيل.

السلفية في اللغة مصدر صناعي من السلف، و السلف هم : المتقدمون، و الذين مضوا.

ودل نص القرآن الكريم على هذا المعنى في قوله تعالى : { فجعلناهم سلفا و مثلا للآخرين }، أي : سابقين، متقدمين للخلف بعدهم.

وأما في الإصطلاح فالمقصود من السلفية على حد تعبير السفارييني في ” لوامع الأنوار ” : ( المراد بمذهب السلف ما كان عليه الصحابة الكرام و أعيان التابعين لهم باحسان و أتباعهم و أئمة الدين )

ونفس المعنى يشير له أحمد فريد في كتاب – السلفية قواعد و أصول – بقوله : ” السلف هم الصحابة، و التابعون، و تابعوهم من أهل القرون الخيرية الأولى “

والمقصود من القرون الخيرية الأولى ما رواه البخاري و مسلم من الحديث النبوي : ( خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم )

والسلفيون في وجهة نظر أحمد فريد : هم الذين يعتقدون معتقد السلف الصالح و ينتهجون منهج السلف في فهم الكتاب و السنة “

وهذا الطرح الذي ساقه أحمد فريد مشابه نوعا ما في جملته الأخيرة للدلالة المنهجية المشتهرة في أوساط السلفيين، و التي تتردد على ألسنتهم، و في قنواتهم التلفزية في كل مرة ” كتاب و سنة بفهم سلف الأمة “

وأما جذور السلفية فضاربة في أعماق التاريخ الإسلامي منذ ما اصطلح عليه بطبقة أهل الحديث الممثلة في : الأوزاعي، مالك، الشافعي، أحمد، سفيان الثوري، عبد الله بن المبارك، إسحاق بن راهويه، ثم البخاري، و مسلم، و الدارمي..

وهذه الطبقة ظهرت إبان القرن الثالث و الرابع الهجري و انتسبت بآرائها لأحمد بن حنبل الذي عادى آراء الفكر الإعتزالي القائم على المناهج العقلية في قراءة النصوص و تأويلها، مما أدى إلى نشوب صراع بين المعتزلة و الحنبلية انتهى بتولي المتوكل العباسي مقاليد السلطة، و انتصاره لإبن حنبل و زمرته، و سرعان ما تم إقرار هذا المنهج كمنهج رسمي للدولة العباسية في زمن القادر بالله.

بيد أن السلفية سرعان ما شهدت انحسارا شعبيا، و سياسيا نتيجة تشرذم، و تفرق الفقهاء الإسلاميين طوائف، و شيع، قبل أن يبرز للساحة أحمد بن تيمية في القرن السابع الهجري الذي تزامن مع سقوط عاصمة الدولة العباسية – بغداد – على أيدي التتار سنة 656 هجرية، عاملا على نبش الترب عن الفكر السلفي في صورته التكفيرية كيما ينال من الخصوم الذين اعتبرهم على حد الزعم أنهم أهل بدع و رماهم بالكفر و الضلال مدعيا أنهم أهل الباطل و السلفيون هم أهل الحق على حد تعبيره في مجموع الفتاوى ” مذهب السلف لايكون إلا حقا “.

وبعد مرور قرون على انتهاء حقبة ابن تيمية شهدت السلفية انحسارا ملحوظا من جديد امتد حتى القرن الثامن عشر الميلادي لتعاود الظهور على يد محمد بن عبد الوهاب الذي واكب عصر الإنحطاط المخيم على الدولة العثمانية، و صعود المد الإستعماري الغربي، محاولا من خلال كتيب ” التوحيد ” الذي يعد مرجعا أساسيا لدى أغلب السلفيين إلى جانب ” مجموع الفتاوى لإبن تيمية ” أن يضخ الدماء في الجسم السلفي تحت مسمى ” الدعوة الوهابية/النجدية “.

وماهي إلا سنون حتى برزت على الساحة خلال القرن التاسع عشر الميلادي إشكالية ” التقدم و التأخر ” التي طرحها شكيب أرسلان تحت عنوان : لماذا تقدم الغرب و تأخر المسلمون ؟!، و ذلك بعد تهالك جسم الرجل المريض، و تزايد الأطماع الأوربية في الهيمنة على البلاد العربية، و محاولة هذه الأخيرة بث سياسة الإصلاحات التي تولد من رحمها ما يسمى ب ” الإصلاح الديني ” الذي تبناه الرواد الإصلاحيون ( جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، عبد الرحمن الكواكبي ) الذين زاوجوا بين نزوعهم العقلاني و بين أصول السلفية من أجل محاولة إنقاذ العالم الإسلامي من براثن الركود الفكري الذي أصابه بالعجز و الشلل.

ولربما في هذه الفترة بالذات تمخض الفكر السلفي بالشكل الإصلاحي الذي سعى لأجل تحقيق النهضة و الإنفتاح الحضاري، بتأسيسه لمنهج يدعو إلى التوفيق بين الدين و العلم، و ينشد المصالحة بين الذات السلفية و الفكر، بيد أنه و من سوء حظ السلفية الإصلاحية أنها صادفت في صيرورتها التاريخية قطاع طرق اختطفوا السلفية، و ذبحوا الإصلاح، فانتكست السلفية من جديد، و دخلت في نفق مظلم من التكفير، و التبديع، و التفسيق، و اتخذت السير في منحى هابط يرجع إلى الخلف في صيرورته عوض التطور و التقدم.

وبعد هذه الجولة القصيرة ستتم الإشارة بسرعة إلى أهم خصائص، و قواعد الفكر السلفي؛ فأما الخصائص فتتمثل في ما يعرف ب :

• التوحيد: وهو كل ما يخص القضايا، و المسائل العقدية، إعتمادا على ” العقيدة الواسطية ” لإبن تيمية، و كتاب ” التوحيد ” لمحمد بن عبد الوهاب، و اللذان يعدان بمثابة المدونة الفكرية لأهم ترجيحات السلفية في الأبواب العقدية.
• الإتباع: و يراد به إتباع نصوص الكتاب و السنة دون تأويل، مما يعني بالتلازم البعد عن الإبتداع و الإحداث في الدين.
• التزكية: يقصد بها تطهير النفس من أدران المعاصي على حد تعبيرهم.
وأما في ما يخص قواعد الفكر السلفي فتتلخص في نظر مصطفى حلمي في :
• اتباع السلف في فهم وتفسير النصوص الشرعية.
• رفض التأويل الكلامي.
• الإستدلال بالآيات و البراهين القرآنية.

ومن هذا كله يبدو أن الخطاب الديني السلفي ظل في شد و جدب مع الواقع المتغير رافضا رفضا تاما أي محاولة لتأويل النص الشرعي، و يجتهد في الإستمساك بالموروث الفقهي على ما يحتوي من فضاعة في بعض الأحيان، علما بأن هذا التشريع الفقهي في الأساس ما هو إلا محض جهد بشري قابل للمناقشة حيث يعتبر تشريعا أفقيا بين الإنسان و الإنسان، على خلاف التشريع الإلهي الذي يعتبر تشريعا عموديا بين الله و العبد.

وبهذا يبقى الخطاب الديني السلفي يتخبط في مأساة بناء هوية متأسسة على الماضوية، و مناشدة مستقبل مثالي، و ذلك باستدعاء الماضي الصافي و النقي بغية تجاوز واقع انهزامي مرير؛ و في واقع الأمر أن الخطاب الديني السلفي يقوم ” على أساس أن الماضي هو الأساس، و الحاضر يجب أن يشاكله، و إذا ابتعد الحاضر عن صورة الماضي صار منحرفا ضالا، و من هنا يسعى الخطاب الديني السلفي إلى إعادة الحاضر وفقا لصورة الماضي، و لأن هذا الحلم مستحيل تسيطر على هذا الخطاب الوعظية الإنشائية ” كما عبر عن ذلك د. نصر حامد أبو زيد، و هنا تكمن مأساة الخطاب الديني السلفي الذي لم يفتر عن محاولة تطويع الحاضر، و رسم المستقبل وفق صورة الماضي مما أدى إلى مزيد من الإنحطاط و التخلف.

والحق يقال إن عبارة جان بول سارتر أثبتت صلاحيتها في كل عصر، و مصر، و بالخصوص في العالم العربي الإسلامي الذي ما يزال يدير شؤون الحاضر، و يرسم خطط المستقبل وفق رؤى شخوص أموات مما أثر على واقع الأحياء سلبا، و أغرق الإسلام و المسلمين في برك الجمود، و الإنحطاط، و التخلف.

وأجدد الذكر على أنه بسبب الخطاب الديني السلفي اتسعت الهوة، و الفجوة بين الواقع و النص الشرعي، و زاد الطين بلة تردد الكتاب في تخطئة آراء من يسمون ب ” رجال الدين “، و نزع صفة الأسطورية، و هالة القدسية عن الشخوص المتحكمة في تاريخ الفكر الإسلامي، و دفع الكل نحو الإرتياب و التشكيك في كل سائد لم يقم عليه دليل، ف ” أعظم خطيئة بحق العقل البشري هي تصديق الأشياء بدون دليل ” كما ذكر الدوس هتسلي، و حقا إنها خطيئة ما بعدها خطيئة إذ أنها تستغبي العقل البشري، و تنزع عنه صفة التفكير، و التحليل، و النقد.

وأخيرا، إن أي تغيير مأمول، و تجديد منشود يلزمه لاشك القطيعة مع كل خطاب سلفي ماضوي، كي لا تتكرر المأساة فنظل جاثمين على الركب في وحل التخلف، و ” إن بداية التجديد هي قتل القديم بحثا، و فهما، و دراسة ” كما أشار لذلك أمين الخولي، و لاشك أن في مثل هذه الحالة بالذات يمكن القول أنه تم الإنفلات من سيطرة الأموات الذين يديرون الحياة.
أحمد المهداوي، باحث في مجال الدراسات الإسلامية