مسلسل “قيامة أرطغرل”: الدولة العثمانية بنيت على التصوف والحرب والتجارة

72 يوما من المشاهدة المتواصلة لحلقات مسلسل “قيامة أرطغرل” ، حوالي 108 حلقة التي تتراوح مدتها ما بين ساعتين إلى ساعتين ونصف في كل حلقة.

وهو يحكي عن انبعاث الدولة العلية العثمانية مرحلة الغازي أرطغرل والد عثمان غازي، الانبعاث ترجمة أفضل من القيامة، الذي كان يتزعم قبيلة الكايي إحدى قبائل الأغوز التركية – عددها 24 من جد واحد أوغوز خان- .

يتكون المسلسل حاليا من أربعة أجزاء، الجزء الأول يتحدث عن رحلة قبيلة الكايي من إيران، هروبا من مغول جينكيزخان، إلى حلب، التي كان غالبيتها أتراك، لقد تمت إبادة العرب من طرف الرومان وتم إعمارها بالقبائل التركية من طرف الأيوبيين، ليبدأ الصراع مع حراس الهيكل.

أما الجزء الثاني فيحكي عن رحلة هذه القبيلة من حلب متجهة إلى الأناضول لكن القبيلة تتعرض لهجوم مغولي حقبة أوغاداي بقيادة البايجو نويان، بالقرب من إيرزورم وأخلاط، أما الجزء الثالث فيحكي عن رحلة جزء من قبيلة الكايي بقيادة أرطغرل إلى حدود بيزنطة بالقرب من “قرة جه حصار” ليبدأ صراع جديد مع الصليبيين وحراس الهيكل، أما الجزء الرابع الحالي فيحكي عن فتح قلعة “قرة جه حصار”.

الحبكة الدرامية جيدة خصوصا وأن الحقبة التاريخية تتميز بصراع كبير ما بين السلاجقة الروم حقبة علاء الدين كيقباد أعظم السلاطين السلاجقة والوزير سعد الدين كوبيك – الذي أحيا تراث البرامكة- وأحفاد الأيوبيين والبزنطيين و المغول، أي قبيل سقوط بغداد على يد التتار -وهم سلالة تركية كانت تابعة للمغول- الأحداث التاريخية عموما مبنية على حكايات شعبية لبطولات الكايلار ” شعب الكايي”. لكن هناك بعض الأمور غير صحيحة: فمثلا أن والد أرطغرل هو سليمان شاه، وهذا أمر غير دقيق.

كما أن الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي لم يلتق بأرطغرل بالرغم من تواجدهما معا في الشام في نفس الحقبة. أما فاتح قلعة “قرة جه حصار” هو عثمان بن ارطغرل، الابن الثالث من بعد كندز وصاواجي. ليس هناك ما يثبت أنه كان لأرطغرل إخوة كما أن المؤرخين ليسوا متأكدين إن كانت قبيلة الكايي أصلا مسلمة في تلك الحقبة. لكن كانت عاداتهم أقرب للمسلمين، فهم لا يأكلون لحم الخنزير و يحترمون الحرمات ويقدرون الشيوخ. لذلك كانوا مستعدين للإسلام.

هناك جوانب جميلة حول طريقة عيش وعادات قبائل الأوغوز، فهم شعب منفتح وينصهر داخل أي ثقافة أخرى ويتبناها. يحترمون المرأة بدرجة كبيرة ونساؤهم محاربات أيضا، ولا يوجد بينهم عبيد، وإن وجد فهم من عرق آخر غير العرق التركماني. للقبيلة سيد ومجلس يسيرها مكون من أسياد القبيلة. ولها محاربون مكلفون بحمايتها، فهم مقاتلون شرسون ومعروفون بصناعة الأسلحة من سيوف ودروع. تعتمد القبائل التركية على صناعة الزرابي والتي تحتاج إلى الصوف وبالتالي يحتاجون إلى أراض واسعة للرعي وكذلك للنباتات من أجل الأصباغ. جميع أطفال الأتراك يتعلمون ركوب الخيل منذ سن صغيرة أربع أو ثمان سنين.

يبرز المسلسل بعض العادات أيضا، كسكب الماء خلف المسافر لأن ذلك يرمز أن المسافر يجد طريق العودة دائما كالماء مهما طال الزمن. وأيضا تقاليد الزواج كوضع الحناء على يد العروس ولفها مع قطعة ذهبية وغناء البنات خلف العروس، أما الرجال فيحتفلون برقصة السيف والدرع. ويلف ولي أمر العروس خصرها بخمار أحمر.

بالإضافة إلى نظام التكيات ‘الزوايا’ الذي كان في عهد السلاجقة، والتي كانت مدترس روحية بحق وهي رحلات روحية بدأها مولاي عبد القادر الجيلاني مرورا بالشيخ اليسوي إلى حاج ولي بكتاش. وهناك أيضا الخانات وهي عبارة عن فنادق لعابري السبيل والتجار ويمكن لزائرها المبيت والأكل والشرب مجانا لثلاثة أيام ويؤدي ثمن مازاد على ذلك.

المعارك هي عبارة عن حروب عصابات ولا توجد مواجهات بين جيشين نظاميين، والتي تبرز مهارة الأتراك القتالية، والتي جسدها تورغوت الذي سيستمر إلى عهد عثمان بن أرطغرل.

المسلسل يوضح مسألة مهمة: فالدولة العثمانية بنيت على ثلاث ركائز أساسية التصوف والحرب والتجارة.

فمكانة ابن عربي بالنسبة للشعب التركي هي كمكانة ابن تيمية بالنسبة للجماعة السلفية. التصوف عموما له مكانة خاصة عند العثمانيين، الطريقة البشكاتية لها تأثير كبير على الجيش الانكشاري وكانت لها أدوار سياسية كبيرة، ولقد تم طردها بعد سقوط الدولة العثمانية وانتقلت إلى ألبانيا ثم بعد الهجوم السوفياتي انتقلت إلى مصر.

من أهم رموزها الحاج بكتاش ولي ويونس إيمره الشاعر الأعظم في الأدب التركي. ولقد تزوج عثمان من ابنة شيخ تابع لهذه الطريقة الشيخ إده بالي التي سيرزق منها بأورخان. كما أن الشيخ حاجي بيرام شيخ آق شمس الدين شيخ محمد الفاتح هو من مريدين الشيخ “الأب الخباز” حميد الدين أكسري سمونجي بابا. كما لا ننسى أن تلك الحقبة عرفت مولانا جلال الدين الرومي معلم الحب والدرويش شمس الدين التبريزي.

هناك الكثير ليقال عن المسلسل وحقبته التاريخية وعموما فهذا مسلسل عائلي يستحق حتما المشاهدة.

جلال طنجي

 
المصدر: رابط صفحة الكاتب على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك“: العنوان من اختيار الموقع.