جعفر الكنسوسي: قولٌ في تجديد كسوة ضريح الإمام الجزولي

قبل سنة تقريبا حلَّ أمير المومنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله بمراكش وقام بجولات متتاليات داخل السور القديم وأمر بأن يتصدر برنامجَ الإصلاح والترميم الذي يحمل اسم “مراكش الحاضرة المتجددة”ـ العناية بالمسالك المؤدية لأضرحة الرجال السبعة وها نحن اليوم نجتمع بضريح الإمام وشيخ الإسلام مولاي أمحمد بن سليمان الجزوليـ واسطة عقد هذه المقامات الروحية العظمىـ للقيام بسنة حسنة ـ وفاءا بالعهود القديمة الوثقىـ وهي من صلب عمل أهل المغرب الحضاري في أفقه الواسع الرحب. والكل يعلم أن الزوايا قد اتخذت لها شعارا اعتبره أحد أكابر الأولياء من الرعيل الأولي أبو الفيض ذو النون المصري، من أعلام المروءة وهي القواعد الثلاثة المعروفة عند أهل مؤسسات الصلاح: إطعام الطعام وإفشاء السلام ونشر الحسن. كل ما هو حسن محمود مرغوب فيه. وعمَلنا هذا اليوم يفي بهذه القاعدة الأخيرة.

وفي مثل هذا الإبان من السنة الماضية فتحت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية صرحا ثقافيا هو الأكبر من نوعه في بلدنا أعني المركب الإداري والثقافي بباب إغلي وكانت المحاضرة الفاتحة لهذا الفضاء تحمل عنوان “التراث الروحي دعامة للسياحة بمراكش”ــ ألقاها السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الأستاذ أحمد التوفيق ومما جاء فيها “فمراكش قبل أن تكون محجا للمتعة والراحة والترفيه ــ هي سجل للحكمة والتدبر والاعتبار…وإذا كان هناك فكر يعيق قراءة هذا السجل الروحي فمن واجبنا القيام بتقديم الحجة على القراءة الصحيحة لهذا السجل”. انتهى

ولنا فيه عبرة ومثل. فالزائر المتجول في أزقة المدينة ما إن هو غادر حومة من حومات المدينة تحمل إلى اليوم اسم ولي إلا وأقبل على حي آخر تاريخي يحمل بدوره اسم ولي آخر. هكذا هي التركيبة الحضرية لمدننا العتيقة. ونتساءل لماذا؟

لكل أمة أبطالها وأبطال المغرب منذ أن كان هم الأولياء على التحقيق. والناس أعني المومنين هم الذين ميزوهم عبر العصور وأحاطوهم بالتعظيم والتبجيل وشيدوا عظام القباب فوق مراقدهم. حتى درج الناس على القول إني ذاهب إلى السبعة رجال ويعني به مراكش. وحينما يتحدثون عن صلاحهم وينعتون رجلا بالصالح أو امرأة بالصالحة. فهذا الصلاح ليس مقصورا على ذات الشخص فقط وموصولا بمقاماته الروحية ومكانته عند الله بل تًسمه الجماعة بالصلاح لأنه صلح لها ولحياتها الروحية والاجتماعية كذلك. فالرهان باعتبار ما هو رهان يرتكز على قيم إنسانية روحية حية لا تموت بموت الولي أو الولية. فهذا الإمام الجزولي قد اقترن اسمه بالتعبئة لتحرير المواقع التي احتلها الإبريون من أرض المغرب في القرن الخامس عشر في وقت ضعف فيه الأمراء ـ كما اقترن اسمه بتجديد جذوة إيمان المغاربة بكتاب دلائل الخيرات. فتحصين البلاد بالدفاع عنها باستنهاض القوة الروحية الكامنة في الأمة كانت شارته “كتاب الدليل”.

لقد بشّر الجزولي بظهور بل بحدوث الثورة الثقافية العظمى التي أخد بعصا رايتها الأشراف السعديون. فكما يقول التاريخي الناصري في كتابه “الاستقصا”: فما دخل الأشراف السعديون دار مُلك المغرب إلا من باب شيوخهم الجزوليين.

إن من معاني تجديد هذه الكسوة إظهار التبجيل والتشريف لصاحب هذا المقام. وإذ نستحضر التجديد السنوي الذي يرتبط في تاريخ المسلمين بكسوة الكعبة المشرفةـ نرى أن حذاق أهل الصنعة قد برعوا في صناعتها وتسابقوا لنيل هذا الشرف العظيم. ولنا اليوم غاية الشرف والسعادة بأن أقدمت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على تجديد هذه الكسوة وهي مناسبة مستوحاة من النشاط المولوي السامي الذي قام به أمير المومنين صاحب الجلالة في زيارته الأخيرة لمدينة مراكش. وقد أوكلت الوزارة صناعة هذه الكسوة صناعة رائقة متقنة على الطراز ذي الشروط المرعية لأحد كبار الصناع من ذوي الأهلية وهو لمعلم السيد بنجلون من مدينة فاس. ولا يفوتني أن أشير هاهنا أن الوزارة وبعد مراسيم هذا التجديدـ تتسلم الكسوة القديمة من سدنة الضريح ومشيخة الطريقة الجزولية وتودع بمتحف التراث الديني المغربي بمدرسة بن صالح الذي هو في طور الإنجاز. فبعد معالجتها ستدرج في قائمة القطع المتحفية التي ستعرض بالمتحف المذكور. ففريق الخبراء الذي وكل إليه إنجاز المتحف على وشك الفراغ من عمله وسيكون لزائره مناسبة للوقوف من جديد على الكسوة المتقادمة باعتبارها تحفة تراثية تكشف على وجه من وجوه تعظيم الأولياء بالمغرب وفرصة للتعرف على هذا التراث الديني الشريف القدر.

وللإشارة فمتحف بن صالح يقع في قلب الجانب الشرقي من المدينة داخل السورـ هذا الجانب الذي حدده العلماء والمؤرخون القدامى بعدما نزله العديد من الأولياء والصالحين وسكنوا به واقبر به منهم جم غفير. فهذا العمل اسهام من بين اسهامات الوزارة في مطلب إحياء أنموذج المدينة احياء يلجأ إلى الذاكرة الثقافية والدينية عبر التاريخ وهوما يسمى اليوم بالصناعات الثقافية.

وأخيرا أود أن أنوه بعمل جماعات أهل الدليل بمراكش وعلى رأسها الرابطة الوطنية للطريقة الجزولية في شخص رئيسها الفقيه عبد الرحيم الصويكي والمقدم الفاضل لجماعة الشرفاء لأهل الدليل الأستاذ عبد الغني كريم ومقدم الضريح الشريف مولاي عبد الرحمان التلموذي.

جعفر الكنسوسي. مراكش، في 3 مارس 2018