إشكالية روايات الآحاد وآثارها على تشكيل مدارك العقل المسلم

حمزة الوهابي
على سبيل الإستهلال، هل إدعاء التواضع، ووصف الذات عند بعض المشتغلين بالعلوم الشرعية بالأقزام والطفيليات أمام أعمال المتقدمين تواضع معرفي يقف عاجزا حقيقة أمام ما ألفه المتقدمون أم هي دعوة إلى استقالة العقل وكبت لقيمة الإبداع العقلي لمسلمي السياق الحديث؟!

هل بالفعل لا يمكننا تجاوز ما انتجه العقل العربي المسلم مع بدايات عصر التدوين والعمل على نقده ثم نقضه وتشييده صرحا جديدا منقحا وأكثر قدرة على مواكبة العصر وإشكالاته، أم أن ما دار في ذلك العصر الغابر صرح كبير يكتسب شرعية مطلقة وقدرة كاملة على التفاعل مع كل العصور وبالتالي يجب أن نكتفي بالتهليل له وتقديسه، خصوصا أنه صار مقدسا بفعل سلطة التاريخ؟

ألا يستطيع العقل المسلم المعاصر حقا تجاوزه وإبداع غير ذلك الاجتهاد البشري، خصوصا مع أحكام القيمة التي يصدرها العقل الفقهي السلفي (بتعبير عبد الجواد ياسين)والذي لا يستطيع إلا انتاج أسباب عطبه؟!

إن المنهج الأصولي الذي أسسه الشافعي، تجاهل الدلالات الحقيقة للسكوت حين ألحق كل مسكوت عنه إلى أقرب شبيه له في النصوص، بحجة إشتراكهما في العلة، أو تماثلهما في وجه من وجوه الصفة، وذلك أن الدلالة الحقيقة للسكوت إنما هي الإباح المطلقة أو البراءة الأصيلة في تعبير الأصوليين المعروف (كما يورد ذلك صاحب السلطة في الاسلام العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ) .

إن مشكلة التناهي في الأحكام داخل النص القرآني والمأزق الذي وضعنا فيه القياس، دفع إلى طلب المزيد من النصوص المفارقة للنص القرآني، نقصد به (نصوص السنة)، غير أن مأزق الأخير يتجلى أساسا في التدوين، فإذا كان القرآن دون في عهد النبي (ص) وتحت إشرافه، فالسنة لم تدون إلا بعده بزهاء قرن ونصف مع تجربة الامام مالك الأولى من نوعها (الموطأ) ، دون الحديث عن البخاري وكتب الحديث التي جاءت بعده. ما جعل نيجة التدوين وطلب السنة تنتهي إلى وضع لا يكون في إعتقادي سليما تقبل نصوصها جميعها كأدلة مقطوع بصحةالاستدلال بها..

فانطلاقا مما تم التعارف عليه عند علماء (صنعة الحديث)، فأغلب السنة روايات آحادية ظنية الثبوت، وعليه كيف يكون لنص ظني الثبوت القطع بحكم شرعي في نازلة، دون الحديث عن مسألة أخرى لازلنا نعاني من تبعتها إلى حدود اللحظة، وهي تطويع النصوص وتأويلها بخدمة الاستبداد والطغيان والتجبر، ودون المغالات في سوء النية والشك في زمن التدوين الاول، الذي كان لحظاه إشتباكا جدليا للسلطة والنص، فجملة النصوص تم توظيفها مباشرة من السلطان (بيت الخلافة) الذي كان الطالب الحقيقي للنص من أجل تبرير وضعه ودعوة الرعية نحو تقبل الوضع ومساكنته، فقد كانت النشأة الأولى لأمهات العلوم الاسلامية (علم العقيدة وعلم الفقه وعلم الحديث) مرتبطة بأحداث الأزمة السياسية التي كانت تعصف بكيانات دول الأسر الحاكمة وقتها (الامويين والعباسيين)..

والعجيب في الأمر أن يتقدم الشارع (الفقيه/ المجتهد) للفصل في مسائل من قبيل المعلوم من الدين بالضرورة، كان من الألزم أن يكون فيها النص المستدل به نصا قطعي الثبوت (متواترا) بدل أن يكون آحاديا (ظني الثبوت)، أو بتعبير الأحناف أن لا يستدل بحديث الآحاد فيما تعم به البلوى (أي القضية التي تعني جمهورا واسعا من الناس بالضرورة وتفترض أن يعرفها الناس جميعا لا أفرادا). والأعجب منه أن تكون بعض هذه الأحاديث ناسخة (حسب ادعاء المتقدمين) لحكم ورد في القرآن بصيغة قطعية لا ظنية، بل وتعارضها في بعض الأحيان بينها وبين معاني القرآني التي لم يجد المتقدمون سبيلا إلى القول بنسخها فتم تأويلها أو الأصح تهميشها..

فقد خالفت السنة الأحادية كثيرا مما جاء به القرآن الحكيم، فإذا كان الله تعالى يقول من خلال كتابه (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) جاءت السنة الآحادية وتعبير الفقهاء ليقول بأن القرآن أحوج إلى السنة من حاجة السنة إلى القرآن بل جاءت الاخيرة مفصلة له ومقيدة له وشارحة له، وكأن القرآن قد استنفد دوره في أن يكون دليلا على حجية السنة والمصادر الأخرى الاجتهادية غير النصية (الاجماع، القياس، الاستصحاب، عمل أهل المدينة، الاستحسان…) وأن يكون متعبدا بتلاوته…

لقد كانت نتيجة هذا التضخم في طلب النصوص المفارقة للقرآن تضخم الفقه، خصوصا مع آلية القياس غير النصية، فكان أن جاء بعد ذلك بروز سلطة التاريخ وتغولها على النص الخالص بتعبير عبد الجواد ياسين، بل واكتسابها قدرة على جعل نفسها صلب الموضوع الديني، حيث أضحت النصوص بما فيها (الاحاديث الآحادية) حاشية على مثن القول الفقهي، حيث حجب القرآن أولا عن التفاعل مع المتغيرات الاجتماعية والتاريخية بما هو مقابل موضوعي للسبع المثاني وبما له من دور حاكم، فضلا عن السنة التي أصبحت خاضعة بشكل قسري للتأويل الفقهي..

إن النتيجة النهائية بعيدا عن التعبيرات المصكوكة ولغة الأكاديميات والمراكز البحثية، هي جعل النص خادم عند السلطة، وجعل ما أنتجه العقل الفقهي واكتسب به سلطة تاريخ عبر مرور الزمن، حاكما في القرآن بدل أن يكون العكس هو الصحيح,, بل حتى النحو على سبيل المثال -وكما يذكر أحدث اساتذتنا (عبد الرحمن القاطي)- أصبح حاكما في القرآن بعد أن كان الأخير هو سبب بروزه كعلم مستقل في الوقت الذي لم يكن لهذا العلم وجود في ساح الفكر العربي المتقدم (بمعنى غير الحديث).. والنتيجة هو تضييق دائرة المباح وهامش الحرية الذي يتطلبه الابداع الانساني في السياق الاسلامي/ العربي، وأضحى هذا الانسان من أجل أن يشبع منزعه الإبداعي يهرب من الدين (دين السلطة والتاريخ على الحقيقة) الذي يكبح جماح فنه وفكره من خلال فرامل التحريم والتقييد خارج النص الخالص..

وأخيرا يمكننا أن نلاحظ النزعة الطائفية للعلوم الشرعية وخصوصا منها علم الحديث، حيث اختار علماء الحديث المشتغلين بعلم الرواية والتخريج والجرح والتعديل، أن يقتصروا على البحث في السند دون البحث في متن الاحاديث أولا، ثم الأدهى اقتصارهم في تخريج أحاديث الرواة من مذهبهم وطائفتهم دون باقي المسلمين من المخالفين، فالمالكي لا يروي ولا يأخذ إلا عن مالك، والشوافع والحنابلة على نهجهم، والأحناف لم يفارقوهم في هذا الاجماع غير المعلن..

فهل يأس العقل العربي المسلم عن تجاوز هذا العطب التاريخي المكتسب لسلطة التاريخ؟
يتبع..