حكم الإخوان.. خلق الأزمة لإفشال الدولة

خالد أشيبان
واهم من يظن أن وصول حركة الإخوان المسلمين وملحقاتها في كل دول المنطقة، بدعم قوى دولية وإقليمية بالمال والإعلام والسلاح، إلى كراسي الحكم كان هدفا في حد ذاته. بل إن الإخوان كانوا فقط أداة تنفيذية لمخطط لا يملكون قرارا فيه، ومن استعملهم، ومازال يستعملهم، كان يعرف جيدا عقلية الإخوان وعقيدتهم، وكان مدركا جدا لمدى أنانيتهم وتعطشهم للوصول إلى السلطة بأي وسيلة وبأي ثمن، وكان على يقين بأن الإخوان إذا وصلوا إلى الكراسي لن يتركوها إلا مكرهين، لكن بعد تقسيم الشعوب وزرع بذور الحرب الأهلية.

من خطط لإيصال الإسلاميين إلى كراسي الحكم كان يدرك جيدا أن وصولهم إلى السلطة في أي بلد سيخلق أزمة، لأن الفاشيين الجدد إذا دخلوا قرية أفسدوا فيها. وخلق الأزمة سيسهل الطريق للوصول إلى الهدف الأساسي وهو “إفشال دول المنطقة وإضعاف مؤسساتها وإفراغها من محتواها وتفتيت جيوشها”.

نجح الأمر في ليبيا، والعالم يشاهد اليوم الفوضى، التي خلفها سقوط نظام القذافي وانقضاض الإسلاميين على كراسي الحكم، وإغراق البلاد بجميع أنواع الأسلحة. ولم ينجح الأمر في مصر بعد تدخل الجيش المصري في الوقت المناسب، فأنقذ البلاد من مخطط كان سيفتتها ويوقع شعبها تحت سطوة الإرهاب الذي مازال الجيش المصري يتصدى له في سيناء. وقلبت روسيا الموازين في سوريا عندما ساعدت النظام السوري على البقاء، وضمنت استمرارية الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية.

في المغرب، انتبه النظام إلى جدية المخطط مبكرا، فاستطاع في كل مرة أن يُصدِّر الأزمة إلى الجهة التي تنوي خلقها ولاعَبَ الإسلاميين بنفس أسلوبهم دون أن يلجأ إلى العنف أو المواجهة المباشرة. واصطدم وصول الإسلاميين إلى الحكم في تونس بوعي مجتمعي زرع بورقيبة بذوره الأولى، ولم يستطع الإسلاميون طمسه رغم اغتيال رموزه.

مخطط “الشرق الأوسط الجديد” لم يكن وليد تلك اللحظة التي بدأ فيها الناس يكتشفون نتائجه المباشرة، بل إن الأمور تم التخطيط لها منذ عقود، لكنهم كانوا يصطدمون بأنظمة عربية في المنطقة معظمها ديكتاتوري في واجهته، لكنها أنظمة قوية على الأرض، مسنودة بجيوش على أعلى مستوى من الخبرة والتجهيز، وتمسك بمقاليد الحكم بفضل أجهزتها الأمنيةوالاستخباراتية، وبالتالي يصعب اختراقها.

وليس صدفة أن تكون التوصية الرئيسية، التي خرج بها أول منتدى للتغيير بالدوحة، هي “ضرورة تغيير الأنظمة الحاكمة في دول منطقة الشرق الوسط وشمال إفريقيا”، وليس صدفة أن تنطلق عمليات تكوين قادات ما سمي “ثورات الربيع العربي” في أكاديمية التغيير من نفس المنتدى، وليس صدفة أن يكون التنظيم الدولي للإخوان المسلمين هو المشرف الفعلي على هذه العملية بالدوحة وصربيا، بتمويل قطري وتخطيط أمريكي، وليس صدفة أن تعترف هيلاري كلينتون، وزيرة خارجية أمريكا السابقة، في مذكراتها، بتعامل إدارتها مباشرة مع هيئات المجتمع المدني في الدول، والإشراف على تكوينها وتوفير تمويلها.

لأن أي ثورة محتملة لا يمكن تسويقها دوليا وحشد الدعم لها ماليا وإعلاميا، إلا إذا كان للقائمين عليها امتداد شعبي ووجود فعلي على الأرض، بواجهة ليبيرالية تبعد الشبهات على التيارات الإسلامية، وتستغل المشاكل الداخلية لترويج خطاب دغدغة المشاعر، وإعطائه شرعية تحشد له الجماهير في الساحات، قبل أن يظهر الإخوان وملحقاتهم في كل دول المنطقة في صورة المنقذين المنظمين داخليا، والمرتدين لجلباب الضحية منذ سنوات.

سيسأل سائل: بما أن الأنظمة السابقة لدول المنطقة كانت حليفة لمن خططوا لإسقاطها، فما الهدف من تفتيت دول المنطقة وإسقاط تلك الأنظمة؟

الجواب هو “الطاقة”. وإذا كانت دول المنطقة تقودها أنظمة قوية، ولو كانت ديكتاتورية، فإن حصول القوى العظمى على مصادر الطاقة لا يتم إلا عبر التفاوض في إطار احترام سيادة كل دولة وحقوقها. لأن الأنظمة السابقة، ولو أنها كانت ديكتاتورية، فهي أولا وأخيرا أنظمة وطنية، لا تدين بالولاء إلا لأوطانها، وتعويضها بأنظمة ولاؤها الأول للجماعة، ولا تعترف بحدود الأوطان وتطمع إلى إقامة خلافة إسلامية، يُسهل عملية تفتيت تلك الدول وإفشالها، بخلق الأزمة وإغراقها اقتصاديا، لتصبح رهينة بين يدي المؤسسات المالية الدولية، وبالتالي، يسهل وصول القوى العظمى إلى مصادر الطاقة فيها، ووضع اليد عليها بسهولة واحتكارها.

من يستفيد اليوم من خيرات ليبيا والعراق؟ من المستفيد اليوم من اليورانيوم الموجود في جنوب السودان؟ من كان سيستفيد من غاز البحر المتوسط، لو استمر الإخوان في مصر وتونس؟ من كان سيمرر الغاز من سوريا، لو سقطت الدولة وتفتتت؟ ومن كان يشتري خيرات سوريا من “داعش” و”النصرة”، وباقي الجماعات المتطرفة، ويُسهِّل خروجها من البلاد طيلة سنوات الاقتتال الأخيرة؟
أسئلة لا تتطلب ذكاء كبيرا للإجابة عليها.