هل يتحول الدين إلى علم؟

عندما يقترب المرء بعقله المجرد وتفكيره الرصين من قارة الدين لا بد له من انتظار الهجوم أو النقد النابي في حقه أن خولت له نفسه محاولة التجرؤ على الثابت والمقدس في المنظومة الدينية التي ورثناها عن عهد الأجداد الأولين الذين بنوا لنا هذا الصرح من العقائدية السميكة التي أطرت العقل الإسلامي وجعلته مجرد منبهر بها ، أوعابد لها ، أو مجتر لتفاسير السلف ، أو جاهل بما يدور في فلك المنظومة من ترانيم قدسية ناهيك عن أن يبادر لمحاولة الإجتهاد من داخلها…

حاجة الإنسان إلى الأديان حاجة وجودية ، فهذا الأخير كان قد ظهر على يد أدعيائه من أنبياء وقديسين وصالحين.. ليجيب عن أسئلة الإنسان الوجودية قبل أن يقدم وصفته الأخلاقية والتنظيمية لحياة الإنسان مع شقيقه الإنسان في رحلة الحث على بناء مجتمع مثالي يسوده السلام والأمان والخير بين الناس..
قدم الدين فلسفته الإيمانية التي تقوم على وجود مطلق الخير الذي يصارع مطلق الشر ( ثنائية الله/الشيطان) التي تفسر مصدر ثنائية وعاها الإنسان بعقله وخبرها بتأمله في صراع ( الخير/الشر)..

إن فكرة أن يقوم فعل الإعتقاد في كون مطلق الخير يحكم العالم في ظل وجود مطلق الشر لهي فكرة مغرية ومطمئنة ، ولهذا بنيت العقائد ليس فقط على وجود الله ووجود الشيطان الذي أمهله الله ليعيث في الأرض فسادا وإغراءا وشرا… بل بنيت أيضا على ثنائية لا تقل ترغيبا أو ترهيبا حسب نزوعات المرء إما باتجاه الخير أو باتجاه الشر وهي ثنائية ( الجزاء/العقاب)… ثنائية ظلت تفرض نفسها في نفوس البشر وتؤثر في سلوك المؤمنين منهم ممن يعتقدون في وجود ما وراء الكون التي تلخصها ثنانية أخرى ( الدنيا/الآخرة) أو ما يطلق عليه البعض بالعالم العلوي والعالم السفلي..

ولم تكن لعقيدة الإيمان بتلك الثنائيات لتتثبت وتجد موطىء رسوخ لها في مخيلة الإنسان قبل وجدانه لولا وجود أم الثنائيات التي منها ولها خرج فعل الإعتقاد بكل الغيبيات التي تعايشت جنبا إلى جنب الفتوحات العلمية والإجتهادات العقلية ذات المنزع المادي أو الفلسفي..وهي ثنائية ( الحياة/الموت)..

ففطرة الإنسان مالت منذ تطور الإنسان في الطبيعة وقبل أن تظهر الديانات إلى تفسير الظواهر والحوادث الطبيعية بوجود قوة غيبية ما ورائية هي الأصل الذي منه انبثق كل هذا الوجود..

ثم كان لضعف الإنسان أمام جبروت الطبيعة تأثير على مدركاته فتولد مع خوفه ورجائه في تدخل القوى الغيبية لتلطيف عنف الطبيعة إيمان كبير بالقدرة الماورائية على تغيير المعادلة وتعديل الكفة….

لكن ذات الإنسان الذي آمن بالغيب واعتقد في رسائل الأديان السماوية منها وغير السماوية لحاجة ماسة في نفسه بعد أن ركن إلى الأجوبة التي تحثه على فعل الواجب والحد من حريته وتؤجل طموحه ورغباته وميولاته وأحلامه إلى اليوم الآخر أو العالم الآخر ، هو نفسه الإنسان الذي بنى الحضارات وعمر الأرض واستخدم عقله وشمر على ساعد الجد والبحث العلمي ليخترع ويكتشف ويبتكر لصالح وجوده ووجود بني جلدته فوق الأرض.

ولهذا تفضل العلم وتقدم في صيرورة طويلة لنيل مكانه في عالم من المعتقدات والمسلمات واليقينيات والبديهيات ، فكانت معركته الأولى في إثبات الذات وحلوله جارا مشاكسا يسائل ويشك ويهدم ولا يسلم حتى يتيقن بفعل التجربة والتحقق العلمي بواسطة توفر جو الحرية والتفرغ والعمل الدؤوب في رحلة شاقة لنظريات منها ما أكلتها أخرى ومنها ما صمد وجابه الحقائق السوسيولوجية ومنها فعل الإعتقاد الأعمى الذي يركن إلى أن الحقيقة لا توجد إلا في دين معين لأن المرء كان قد ورثه أو في مذهب عقائدي أو إيديولوجي ينغلق داخله المرء فيتصور أن ما يعتقده هو عين الحقيقة التي لا مجمجة فيها..

إن العلم اليوم يراكم إنجازاته بعيدا عن لغظ العوام وحنق الفقهاء وخوف المؤمنين وجهل الجاهلين.. وهو إذ يفعل في بيئة أخرى غير بيئتنا فلأنه لا يمكنه أن يتقدم ويعيش إلا في جو ومناخ يسود فيه الإحترام لاجتهادات البشر والحرية المطلقة التي لا سقف على ما يبحث فيه العلماء من أكبر الموجودات ( المجرات وعلم الفضاء) إلى أصغرها ( الذرة وما يقل عنها ” الكوارث”)….

إن مستقبل العلم في يد من يرعاه ويحترمه ، وهو في كل يوم ينكشف لنا عن حقائق مبهرة لا تلغي الدين وتكذبه ؛ حتى لا ننساق وراء ثنائية عدائية أخرى ( العلم/الدين) ، بل تدعو الناس لاعتناق نتائجه كي تصحح مسار علاقتها بأديانها في اتجاه اكتشاف أن مطلق الخير يوجد في العلم ( وعلم آدم الأسماء كلها ) وأن مطلق الشر يوجد في الجهل ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون).
بقلم : محمد علي لعموري