الصديقي: الإنسان هو الكائن المبتلى بحريته

أجرى موقع درعة بريس حوارا مفتوحا مع الكاتب والباحث في الفلسفة والفكر الإسلامي الأستاذ عبد الحكيم الصديقي، واختار موقع “اسلام مغربي” أن ينشره تعميما للفائدة. هذا نص الحوار:

هل هناك فرق بين الفلسفة والعلم؟
الفلسفة نشاط عقلي وذهني، والعلم موضوع ومنهج، فالفلسفة تبحث في ثلاثة أشياء: الأنطلوجيا والإبستمولوجيا، والأكسيولوجي، أو مبحث الوجود، ومبحث نظرية المعرفة، ومبحث القيم، المبحث المرتبط بالعلوم هو مبحث نظرية المعرفة، وهو الذي يبحث في أصول المعرفة ووسائلها وإمكانها، فالعلوم بقطع النظر عن كونها تجريبية أو إنسانية تدخل ضمن اهتمامات مبحث نظرية المعرفة، أو بتعبير آخر حديث الإبستمولوجيا التكوينية للعلوم، أما العلم فله مواضيعه الخاصة ومناهجه المتبعة التي لا يحيد عنها، فالعلم ينظر بالمنهج أما الفلسفة فتنظر في المنهج.

هل ترى أن الوجود الانساني مسير أي أن الانسان لم يختر وجوده من عدمه؟ وهل يمكن للإنسانية أن تعيش بلا دين وأن تكتفي بالعلم لتسيير شؤون الحياة؟
لابد في البداية أن نفرق بين الوجود بما هو وجود وكيف تعاطى الإنسان معه لإدراكه مجردا حتى لا نقع في مغالطات منطقية، فسؤال الوجود سؤال فلسفي، ثم اتخذ الإنسان بعد ذلك مناهج علمية لمحاولة تفسير ظواهره كعلم الفيزياء بشقيه النظري والتطبيقي والحديث الذي يعرف بفيزياء الكوانتم، في المقابل ترى أن الإنسان هو المفردة الوحيدة في هذه الأرض القادرة على التعاطي مع هذا الوجود، لأنه الوحيد من بين جميع الموجودات الذي يختص بملكة العقل، والتي يستمد منها الحرية والإرادة التي استطاع من خلالها سبر أغوار أسرار هذا الكون وتفسير قوانينه وظواهره، أما وجود الإنسان فهو مرتبط بعملية جنسية معقدة، هي القانون البيولوجي الذي يعمل على استمرار تسلسل وبقاء النوع الإنساني، وحين يبلغ الطفل مرحلة من عمره بحيث تنضج لديه ملكة العقل يكون حينها مسؤولا عن اختياراته وعن تحديد مساراته ورؤيته الكونية. أما وأن الإنسانية يمكن أن تستغني عن الدين وتكتفي بالعلم لتسيير شؤون الحياة، فلا أعتقد ذلك لأن الدين يخترق جميع فضاءات الحياة الإنسانية، ولو لم ندرك ذلك عقلا، ولو كانت حياة الإنسان خالدة أبدية لا موت فيها يمكن أن نقول أن لا فائدة للدين، لكن تجربة الموت تجعله رغما عنه يفكر في سؤال المصير وما بعد الموت ولن يجد إجابات نهائية إلا بالرجوع إلى فلسفة الدين.
بعد هذه المقدمات يمكن أن نقول إن الإنسان هو الكائن المبتلى بحريته، وهذا جوهر فلسفة الابتلاء الدينية، قال الله تعالى: “هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا”. ومن هذا المنطلق الإيماني يقول الإمام الغزالي: “نحن مجبورون أن نكون مختارين”، ونجد نفس المفهوم عند الفيلسوف الوجودي جون بول سارتر الذي قال: “نحن محكومون بالحرية”، طبعا مع اختلاف في المنطلقات الرؤيوية، فالغزالي منطلقه إيماني، وسارتر منطلقه وجودي لا يتعالى على الكون، لكنهما يتفقان على أن الانسان عالم من الحرية والاختيار.

هل الإسلام يصلح كمنهج لإدارة شؤن الدولة أم فقط الاسلام هو مجرد عبادات روحية تقام داخل دور العبادة ولا علاقة له بنظام الدولة؟
العلماء الذين قرأت لهم في الفكر السياسي الإسلامي يقولون إن السياسية في الإسلام من التبعيات التشريعية لا الكليات، بمعنى أنها قابلة للاجتهاد والاختلاف، وقد تتغير أحكامها وطرق النظر إليها بتغير الزمان والمكان وبما يحقق مصالح الناس ويدرأ عنهم المفاسد، وأساس كل ذلك هو تحقيق العدل بين الناس، ويدل ذلك على أن الإسلام لم يضع نموذجا واحدا للدولة، بل ترك الأمر لمحض الاجتهاد بالرأي، ولذلك نجد أن الإمام “الطاهر بن عاشور” رحمه الله فرق بين تصرفات النبي بالرسالة وتصرفاته (ص) بالإمامة ويرى أن تصرفاته بالإمامة ليست ملزمة لنا على وجه القطع بها، فهي خاضعة لمحض الاجتهاد بالرأي، وهو ما ذهب إليه أيضا الشيخ “فريد الأنصاري” رحمه الله في كتابه “البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي”.

هناك الكثير من الجامعات في العالم العربي، لكننا نلاحظ أنها لا تنتج معرفة حقيقية مقارنة بالجامعات الأروبية على سبيل المثال، بمعنى أن هناك مشكله في العقل العربي رغم أن بعض الدول تعمل بنفس منهجية التعليم الأروبي، فماهي مشكلة العقل العربي، وما هي أسباب عجزه عن إنتاج العلوم، ويكتفي باستهلاك ما ينتجه الغير؟
لابد أولا أن نفرق بين العقل العربي والعقل الإسلامي، فالعقل العربي فيه الإسلامي وفيه العلماني وفيه الحداثي وفيه الاصلاحي وفيه الملحد، لكنهم يجتمعون في شيء واحد، وهو أن مشاريعهم غير قابلة للتطبيق واقعيا في ظل سيطرة الأنظمة الاستبدادية على مواقع القرار، وهيمنة القوى الخاجية على مصادر المعرفة وعلى رؤوس الأموال.
المعرفة اليوم تستهلك عندنا ولا تنتج لأن السياسات التي تقاد بها الدول العربية والإسلامية ليس من صالحها بناء وعي جمعي وإطلاق الحرية للعقول لتنتج المعرفة وتبدع فيها، فما زلنا نعيش على أنقاض القابلية للاستعمار على حد تعبير مالك بن نبي.. إشكاليات العقل العربي والإسلامي ما زالت تحتاج إلى جهود كثيرة وطويلة الأمد لإصلاحها لتنخرط في مجالات التقدم العلمي والنمو الحضاري، ولعل البداية هي في خلق ثورة فكرية خارج النسق السياسي التداولي.
المصدر: موقع درعة بريس