“كنت في الرقة”: تجربة “داعشي” تكفيري لم يتُب

تستحق رواية أو كتاب “كنت في الرقة: هارب من الدولة الإسلامية” لصاحبها الإعلامي التونسي “هادي يحمد” القراءة والاهتمام البحثي, فهي شهادة حية لتجربة متطرف تكفيري جهادي، حيث نجحت في إعطاء تصور عن دولة “داعش” من الداخل لمن يريد ان يعرف عن قرب طبيعة هذا التنظيم الارهابي..

الكتاب هو تأليف هام لتفكيك الظاهرة الإسلامية عموما إلى جانب كتابات اخرى في بلدان عربية تناولت الظاهرة من الداخل وحاولت مقاربتها من وجهات نظر مختلفة.. علما أنه بدأت في الأعوام الأخيرة تبرز إلى الوجود بعض المحاولات التي تتناول “الظاهرة الإسلامية” من الداخل، وتحاول أن تضيء بعض المساحات المظلمة داخل التنظيمات “العقدية” سواء تلك التي تنعت بالمعتدلة أو الأخرى التي توسم بالتشدد والعنف.

وقد ظهرت مثل هذه الكتابات على شكل سيرة ذاتية تحكي بتفصيل حياة بعض “الإسلاميين” وظروف انتماءاتهم التنظيمية، والمشاكل التي كانوا يعانون منها داخل هذه التنظيمات المغلقة، والأسباب التي أدت بهم إلى الثورة عليها والتمرد على قادتها وسلوكياتهم “المشبوهة”.. والجديد في “طنت في الرقة” هو أنه سيرة يحكيها “جهادي” عاش التجربة من داخل تنظيم “داعش”..

وقد سلك بعض “التائبين” من الاسلاميين مسلك البوح “الأدبي” أو “النفسي” تعبيرا عن مرحلة عصيبة عاشوها في حياتهم، سواء على شكل حوارات نشرت في وسائل الإعلام، أو على شكل كتب تم توزيعا، على أمل أن يستفيد منها غيرهم، سواء من أولئك الذين مازالوا يعيشون التجربة، أو أولئك الذين لهم توقٌ إلى الدخول إلى عالم “الاسلام السياسي”، أو التورط في التطرف أو التطرف العنيف..

وبخصوص رواية أو كتاب “كنت في الرقة: هارب من الدولة الإسلامية” لصاحبه الإعلامي التونسي “هادي يحمد”، فهو حكيٌ بالواسطة، أي أن هناك الراوي الذي يسرد قصته داخل تنظيم متطرف إرهابي يسمى “داعش”، وهناك الكاتب أو الصحافي الذي سمع القصة وأعاد كتابتها بأسلوبه الخاص. فهناك بطل الرواية “محمد الفاهم”، الذي عاش التجربة، وهناك الكاتب والإعلامي الذي كتب ونشر الرواية وهو “هادي يحمد”.

وهذا يختلف بطبيعة الحالة عن “الإسلاميين” الذي تولوا هم بأنفسهم كتابة حكاياتهم أو تجاربهم داخل الأقبية المغلقة للتنظيمات الأصولية، وبالتالي كانت لهم القدرة والإمكانية والشجاعة الأدبية للتعبير الذاتي المباشر عمّا رأوه أو عايشوه من أحداث (رواية كنت إسلاميا للكاتب المغربي عمر العمري نموذجا)، بخلاف “محمد الفاهم” الذي تولى شخص آخر الكتابة والتعبير مكانه..

قد نتكلم هنا عن نقصان في الموضوعية، أو تصرف في المعطيات والأفكار من قبل الكاتب بالنيابة. سواء شئنا أم أبينا، لا بد أن تتدخل ذات الكاتب في الأحداث وتتصرف فيها وتُوجِّهها، هذا إن كانت هناك حسن نية، أما إذا وجدت سوء النية، فتلك جريمة في حق الراوي والكاتب والقارئ جميعا..

لذلك ينبغي الأخذ بعين الاعتبار هذه الازواجية (البطل أو الراوي من جهة والكاتب من جهة أخرى) الموجودة في رواية “كنت في الرقة”، في إجراء أي قراءة لهذا العمل، ومحاولة تفكيك بعض جوانبه، لأنه في النهاية هناك إرادتان، إرادة الراوي وإرادة الكاتب، وعلى المحلل أن يكون على حذر تام في التعاطي مع الرواية والأحداث التي تقدمها للقارئ..

ولكن كيفما كان الحال وجب التنويه بهذا العمل لأنه ربما أول عمل “روائي” يتعرض لتفاصيل الحياة داخل تنظيم “داعش” الدموي. وهي تجربة بطبيعة الحال غنية ومفيدة سواء للقارئ للاطلاع على واقع عنيف عاشه “محمد الفاهم” ويرويه عنه الإعلامي التونسي “هادي يحمد”.

إن الكتاب يرصد عن قرب ظهور التيارات السلفية الجهادية بتونس وتفرعاتها وتبنيها للعنف، خصوصا بعد ثورة الياسمين.. كما يبرز مساهمة بعض الانظمة في هجرة “المجاهدين” إلى بلاد الشام.. ورغبتها في إسقاط نظام الأسد جعلها تغض الطرف عن دخول هؤلاء الارهابيين بالآلاف إلى سوريا.. وربما كانت هذه الانظمة تريد التخلص من هؤلاء “المجاهدين” بتسهيل عملية رميهم في محرقة الصراع في بلاد العراق والشام.. وفي رواية “كنت في الرقة” يظهر جليا دور دولة تركيا في تسهيل عملية عبور المتطرفين إلى سوريا..

إن الرواية تسلط الضوء بشكل مثير على دور الاعلام وشبكات التواصل الاجتماعية في التواصل بين الارهابيين. وأنهم على دراية كاملة بالمجال التقني.. وان دولة داعش حققت نجاحات كبيرة في بداية ظهورها بواسطة العالم الرقمي.. وان هذه الدولة الارهابية كانت تولي اهتماما خاصا بالإعلام، واعتمدت عليه في استراتيجية انتشارها، واستمالتها للمتعاطفين معها وإقناعهم بخوض تجربة الاجتهاد..

ويكشف هذا الكتاب مدى الصراعات الداخلية لتنظيم داعش.. وان هناك تيارا تكفيريا أكثر تشددا خرج من رحمها وهو ما عبرت عنه الرواية أولئك الذين يرون ـ”عدم العذر بالجهل”.. او ما سماه الراوي الصراع بين “البنعلية و”الحازمية”..

من الاستنتاجات التي يمكن استنباطها من خلال قرارة متأنية للرواية هي أن هروب “محمد الفاهم” لم يكن نتيجة “تراجعه” عن فكرة الجهاد، وإنما بسبب عدم تحقق حلمه في قيام دولة الاسلام كما كان يحلم بها.. وأنه ظن ان داعش هي دولة الخلافة الموعودة، فاصطدم بالواقع المرير الذي كشف له ان “البغدادي” وامراءه هم اناس عاديون تتحكم فيهم الأهواء والرغبات والتنافس على الغنائم والجنوح إلى تصفية الحسابات…

كما أن هروب الفاهم من داعش كان بسبب اعتناق فكر تكفيري أخطر من فكر داعش ذاته.. إنه ينتقد داعش في تساهلها مع “العوام” وعدم تكفيرها لبعض الرموز الاسلامية.. في مقابل ذلك تعتبر ّداعش” هذا الفكر المنبثق من احشائها “خروجا” عن فكر وخط التنظيم.. لذلك قامت بحملات تصفية لرموزه.. وبطل الرواية هرب من سطوة داعش لأنه بدأ ينتقد فكرها بصورة علنية..

لا توجد في الرواية أية مراجعة للفكر التكفيري أو حتى الجهادي.. ولم تخبرنا بأن “الفاهم” تراجع عن فكرته “الاسلامية”.. أو انه اعلن توبته.. إنما انتقد خيبة ظنه في تحقق حلمه في قيام دولة الاسلام الموعودة.. وانه لم يحصل على المكانة اللائقة به داخل التنظيم كشخص غامر بحياته وترك حياة الرفاهية وقطع مسافات طويلة من أجل حلم ضائع.. عكس بعض “الاسلاميين” الآخرين الذي تخلوا بصفة نهائية عن “المشروع الاسلامي” واعلنوا توبتهم بشكل صريح..

هناك غموض شديد في نهاية الرواية لا يعطي تصورا حول حقيقة “الفاهم” وما هو مقدم عليه في مقبل الأيام.. وبقاؤه تائها الآن في تركيا يؤكد أنه يعيش حالة ضياع.. وربما يعمل إلى التواصل مع باقي المنشقين عن داعش لبلورة أفكار جديدة تؤسس لمرحلة ما بعد داعش..

وتكشف أيضا عن دور “السعوديين” أو “الجزراويين” كما يسميهم الرواي في اختراق تونس والتأثير على شبابها في التأسيس لفكر سلفي جهادي خطير.. وهو حالهم مع باقي الدول.. فكر التشدد والغلو في العالم ترجع نسبة كبيرة منه إلى شبه الجزيرة العربية…

هناك أشياء كثيرة يمكن إثارتها في هذا العمل، لكن اكتفينا فقط ببعض الجوانب فيه، والتي تستحق الكشف عنها وتوضيحها بالنسبة للقارئ أو المهتم بمعرفة أسرار التنظيمات الإسلامية عموما، و”العنيفة” أو “الجهادية على وجه الخصوص..
أمينة السليماني ـ إسلام مغربي