جامع قرطبة: الأهمية والواقع

زيارة الجامع الأعظم بقرطبة تجعل المرء يجلس منفردا ويطيل في البكاء والألم والحسرة…

يعتبر جامع قرطبة، أحد أعظم مساجد المسلمين بعد المساجد الثلاثة التي نص عليها الحديث النبوي؛ وهي: مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والقدس الشريف. فتتحدث المصادر التاريخية أن أول من أسسه هو ا=نبي الله سليمان عليه السلام، ثم تحول إلى معبد وثني بعد دخول الرومان، ثم إلى كنيسة أريوسية بعد دخول النصارى الموحدين، ثم حولها الكاثوليك إلى كنيسة كاثوليكية، وبعد دخول الإسلام للأندلس، وحكم الدولة الأموية، اعتنى خلفاءها بتملك هذا المكان، فبنوا جواره مسجدا، ثم ما فتئوا أن اشتروا المقر من الكنيسة، وضموها إلى المسجد، في مقابل باهظ، ليتفنن ملوك الأندلس في عمارة هذا المسجد وتوسعته جيلا بعد جيل، حتى أصبح في وقته أحد أكبر مساجد الدنيا، وأجملها، سواء شرقا وغربا، فهو أكبر من جامع القرويين بفاس، وجامع الزيتونة بتونس، والجامع الأزهر بمصر، والجامع الأموي بدمشق.

وبالرغم من كون جامع قرطبة ليس أول مسجد جامع في مدينة قرطبة، فقد سبقه مسجد القاضي أبي عثمان، ولكنه ما تم حتى فاق مسجد القاضي أبي عثمان وأصبح أشهر منه؛ خاصة بعد أن درس فيها ودرَس أعلام كبار بقي إشعاعهم العالمي إلى الآن؛ كابن حزم، وابن عبد البر، والباجي، وابن رشد الجد والحفيد، ودرَس فيه الفيلسوف والعالم اليهودي الشهير موسى بن ميمون، وغيرهم ممن لا يحصره عد.

وقد اعتبر المؤرخون؛ ومنهم: الحميري في “الروض المعطار” هذا المسجد أحد عجائب الدنيا، من حيث العمارة والنقش، والزخرفة، وطريقة البناء، ويكفي في غرابة صنعه أنه يكاد يكون البناء الوحيد الذي ثبت ولم يسقط في الزلزال العظيم الذي ضرب إسبانيا في القرن الثامن عشر، حتى سماه أهل قرطبة: المسجد الحي.

بعد سقوط قرطبة في أيدي النصارى لم تستطع الكنيسة هدم هذا المسجد كما فعلت مع كثير غيره، فقد لقيت معارضة عظيمة من طرف ساكنة قرطبة، وفي القرن السابع عشر عزم أحد ملوك إسبانيا على هدمه وإعادة بنائه على الطراز القوطي؛ فرفع سكان قرطبة – وهم نصارى – عرائض يطالبون فيها الملك بعدم فعل ذلك، لأنه يعتبر تراثا محليا عظيما يفتخرون به.

بل لم تستطع الكنيسة حتى سلبه صفة المسجد، فهو إلى الآن اسمه: مسجد قرطبة، بالرغم لتأسيسها بابوية في قرطبة، غير أنها قامت بتغيير جانب من جوانب المسجد، مع مائنته، لتعتبرها كاتدرائية. فكان المسجد يضم داخله كاتدرائية. والمسجد – في الأصل – ملك للدولة الإسبانية وليس للكنيسة، عدا القسم الكاتدرائي.

وفي سنة 1972؛ وبعد الأزمة الاقتصادية التي مرت بها إسبانيا في الستينات والسبعينات من القرن العشرين؛ عرض الجنرال فرانكو على الملك السعودي فيصل بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، شراء المسجد بمبلغ مالي، فوافق الملك على ذلك، وبعث لجنة ترأسها والدي الدكتور علي بن المنتصر الكتاني رحمه الله تعالى، ليكتشف استحالة تنفيذ ذلك البيع نظرا لكون جزء من المسجد تابعا للكنيسة، ونظرا لاعتبارات أخرى ذكرها في كتابه: “انبعاث الإسلام في الأندلس”..

وقد صلى في هذا المسجد الأمير شكيب أرسلان، وجدي الإمام محمد المنتصر بالله الكتاني، بل صلى الملك فيصل آل سعود وهو ووفده فيه صلاة الجمعة جماعة، وأذكر وأنا صغير في أول الثمانينات أنني صليت فيه ما والدي ومع وفد كان معه، في بواكير نشاطاته لإعادة الإسلام في الأندلس…

غير أنه نظرا لكثيرة زوار المسجد من المسلمين، وبدء انتشار الإسلام في الأندلس؛ فقد توجست الكنيسة خيفة من أن يسترد المسلمون الجامع؛ فبدأت في وضع يدها عليها، وتغيير ملامحه بجرأة ووقاحة غير معهودتين. فبدأت منذ نهاية الثمانينات في تغيير الكثير من معالمه، عن طريق طمس الآسات القرآنية، وتغطية النقوش الإسلامية، وتوسعة القسم الكاتدرائي في المسجد، وبالرغم من كثرة العرائض المرفوعة من سكان قرطبة ضد هذه الأفعال فقد باءت بالفشل.

ثم بعد الألفين ميلادي؛ بدأت الكنيسة في تحديد رسوم على الداخلين للمسجد، تستفيد منها الكنيسة، ثم بعد عام 2002 تقريبا، إثر دخول جماعي للمسلمين الأندلسيين من اجل ممارسة حقهم في الصلاة في المسجد منعت الكنيسة الصلاة في المسجد تماما لأي أحد، وذلك تحت العنف، ورفع الدعاوى القضائية.

ثم في سنة 2016 استغلت الكنيسة قانونا إسبانيا متعلقا بتحفيظ الأملاك العقارية، فضمت إلى ملكيتها سائر المسجد بثمن رمزي لا يتعدى 30 ألف يورو، وحفظته باسمها، كما حفظت آلاف المواقع والمساجد والساحات والدروب والزقاق وغيرها، مما له صفة عمومية، أو من أوقاف المسلمين المنهوبة، وبذلك أصبحت تتعامل مع المسجد تعامل المالك في ملكه.

ومن ذلك الوقت وبالرغم من الرفض الجماعي لهذه الأفعال من طرف ساكنة قرطبة، مسلميها وغيرهم، وقد رصدت هذا الرفض من طرف غير المسلمين أنفسهم، وتأففهم من قلب هوية المسجد إلى كاتدرائية مسيحية، بالرغم من ذلك فقد أجرت الكنيسة تغييرات كثيرة داخل المسجد وخارجه، رصدت مجموعة منها في هذا الألبوم؛ منها:

-طمس الكثير من المعالم الإسلامية. سواء عن طريق القلع، أو عن طريق التغطية.
-منع الصلاة مطلقا.
-دفن الكثير من الرهبان القدماء والمحدثين في بهو المسجد، في انتهاك صارخ لقداسته.
-إزالة صفة المسجد عنه، وتسميته جميعه بالكاتدرائية. ونلاحظ أن هذه الصفة قوبلت برفض شعبي كبير، فمازالت الإشارات في الشوارع والمحال العمومية تسميه المسجد.
-العنف في التعامل مع الزوار إن قاموا بشيء من الشعائر الدينية، يثل للضرب والطرد، ورفع دعوى قضائية (ويلاحظ في بعض الصور أنني أصلي جالسا حتى لا ينتبهوا لي).
-أخذ 10 أورو من كل زائر، مقابل دخول المسجد، ومع العلم أن زوار قرطبة السنويين من السياح يبلغ نحو المليونين، فيكون مداخيل زيارة المسجد لوحدها عشرين مليون يورو، تأخذها الكنيسة عنوة.

ولذلك فيمكن تلخيص أهمية مسجد قرطبة في كونه:
-مسجدا معظمت من مساجد المسلمين، بناه نبي من الأنبياء، يمكن أن يضاف – معنويا – للمساجد الثلاثة المقدسة.
-يتضمن تاريخا علميا وفلسفيا إسلاميا، يعتبر قاسما مشتركا بين جميع المسلمين في العالم.
-يعتبر أحد أعظم مساجد الغرب الإسلامي، بل أجملها وأبدعها.
-يرتبط هذا المسجد ارتباطا عضويا بالهوية الإسلامية الأندلسية.
-هذا المسجد الجامع، اشتراه المسلمون بالمال، وهو من أوقاف المسلمين التي يضمن القانون الإسباني الحالي حمايتها لو وجد هيئة قوية تسهر على ذلك.

هذه الوضعية المزرية للمسجد يتحمل المسلمون جزءا كبيرا من مسؤوليتها؛ فالدولة المغربية – مثلا – تعتبر وصية على أوقاف المسلمين في إسبانيا، نظرا لكون إسبانيا المسلمة مدة طويلة تحت الوصاية المغربية، وجل مآثرها بنتها أو أصلحتها أو أسستها دول مغربية؛ كالحموديين، والمرابطين، والموحدين، والمرينيين، ولا يمكن أن يبقى المغرب غائبا عن مسؤولياته ومحال نفوذه.

كما أن العالم الإسلامي برمته مسؤول عن سكوته أمام هذا التغيير، خاصة الدول الغنية، البترولية، التي يمكنها فعل الكثير؛ وبهذه المناسبة أتمنى من المملكة العربية السعودية، أو دول الإمارات، أن يتدخلا – بما لهما من نفوذ اقتصادي على إسبانيا – لإصلاح الوضع، أو على الأقل إعطاء المسلمين الحق في الصلاة في المسجد، باعتباره مسجدا وكاتدرائية.

والمسلمون الإسبان، وهم يبلغون – بين مهاجر ووطني – نحو المليونين، ولكن للأسف فيهم من الضعف، والهوان، ما يجعلهم أضعف من أن يدافعوا عن حقوقهم الأساسية.

وختاما؛ فهذه صرخة مكلوم، أسأل الله تعالى أن تجد بين المسلمين آذانا صاغية، وهذه صور صورتها بنفسي من أجل أن يطلع عليها من يهمه الأمر…والسلام.

بقلم: د. حمزة بن علي الكتاني