مدينة الزهراء الأندلسية ومفارقة العناية بالمآثر

بقلم: د. حمزة بن علي الكتاني
زرت مدينة الزهراء الواقعة ضواحي مدينة قرطبة، نحو 7 كيلومترات غربا، وهي زيارتي الأولى لهذه المدينة التي لم أزرها من قبل بالرغم من حرصي على ذلك، وهذه المدينة في الأصل، حي مركب إداري يسكنه خليفة الدولة الأموية بالأندلس، ويشرف منه على جميع البلاد التي يحكمها، وقد أسسها الخليفة عبد الرحمن الناصر (الثالث)، سنة 325هـ/ 936م، وبها دار الملك، وإدارات الدولة، ومجلس الشيوخ والأعيان، وما يتعلق بذلك من الملحقات..

المدينة اندثرت بعد ثورة البربر أيام المنصور ابن أبي عامر، حيث لم تبق سوى ثمانين عاما تقريبا، فنهبت بناءاتها وتحفها، وأخذت أعمدتها وسقوفها، حتى اندثرت ولم تعد تعرف إلى عام 1911، حيث اكتشفها البحاثة الإسبان، ومنذ ذلك الحين والمؤسسات العلمية والثقافية تعمل على إحيائها والتعريف بها..

يفترض أن مدينة الزهراء كانت هي “قرطبة القديمة”، والقسم الموجود بها الآن والذي رمم قسم مهم منه، يضم سورا كبيرا، ومن الداخل بناء المشور الملكي، الذي ينقسم إلى قسم استقبالات للسفراء والجيش ومجلس الشورى، وقسم عائلي، فيه بيوت النساء والأبناء، وحدائقهم، ومطابخهم وما يتعلق بالمنافع، وفي الجهة القبلية مسجد جامع كبير، بني على طراز جامع قرطبة.

المعروف من مدينة الزهراء الآن هو نحو 10 في المائة منها، أما البقية فلازالت لم ترصد بعد، وقد أسست الدولة مركزا للدراسات، مجاورا للمدينة، يشمل بناء كبيرا، جله مبني تحت الآرض، يتكون من استقبال، وقاعات محاضرات، وقاعة مؤتمرات كبيرة، يعرض فيها فلم وثائقي تقريبي للتعريف بالمدينة وتأسيسها. الفلم يعرض باللغة الإسبانية، والترجمة أسفل باللغة الإنجليزية، وهناك غياب تام للغة العربية…

بعد ذلك هناك متحف تابع للمركب، فيه مجموعة من الآثار الموقوف عليها في المنطقة، تشمل جرات، ووسائل غذاء، والحياء اليومية، ونقوشا وزخارف وعملات، مما لم تطله أيدي النهب، مركبا في جدران حديثة الصنع، يشرف على تنظيمها خبراء آثار (أركيولوجيون).

ثم هناك مختبرات كبيرة جدا تضم مختلف التحف والأجزاء والبناءات المعثور عليها، والمراد إعادة تركيبها من أجل إحياء المدينة، وإقامة جدرانها على طريقة أقرب ما تكون لطريقة إنشائها أول يوم.

عندما تنتهي من الجولة في المتحف، تجد أمامك مكتبة تضم جميع ما كتب حول الأندلس وحضارتها، بل والديانة الإسلامية، فقد وجدت كتاب والدي الدكتور الشهيد علي بن المنتصر الكتاني: “انبعاث الإسلام في الأندلس”، بترجمة زوجتي الدكتورة مليكة الكتاني باسم: “El resurgir del Islam en Al Andaluz”، الذي أرخ للوجود الإسلامي في الأندلس منذ سقوط غرناطة إلى الآن، ووجدت كتاب الشهيد سيد قطي: “نظام المجتمع في الإسلام” مترجما للإسبانية أيضا، علاوة على جميع ما ألف حول مدينة الزهراء، وتاريخها، وبناءاتها، وزخارفها وحضارتها…

بعد ذلك تأخذك حافلات أعدت مسبقا، إلى عين المدينة من أجل زيارتها، فحين زيارتها، وجدت مدينة فيها بضعة هكتارات، على الطريقة المشار إليها والمعرف بها في الفيلم الوثائقي، والتي حاولت اختصارها أعلاه، ومن أول ما جذب اهتمامي: قنوات الماء العذب التي تنزل إليها، وقنوات التصريف الصحي والمياه العادمة التي تمر بكل بيت وكل غرفة…

كما يلفت العناية العمل الدؤوب في إحياء المدينة، وإعادة بنائها على الطراز القديم، بحيث إن جل فناءاتها يمنع التحرك فيها نظرا لكونها تحت الترميم أو التنقيب…

وفي أسفل المدينة هناك حدائق رائعة، منظمة على طريقة قصر الحمراء بغرناطة، مغلقة عن الزوار إذ هي قيد الإصلاح، وبتوسطها بناء كبير مرمم، هو المسجد الجامع، ولكنه من غير مئذنة، ولا يزار الآن.

في مدخل المدينة يوجد معرض للصُّور، من ضمنها معرض للمسجد الجامع، وفيه يظهر بناء المسجد، وشبهه إلى حد كبير بجامع قرطبة الأعظم، ولكن على طريقة مصغرة، ولكن للأسف يستعمل لعرض المسرحيات والحفلات الراقصة وما شابه ذلك..

يلاحظ في المدينة عناية الجهة المشرفة على حفظ جميع المعالم، حتى منها ما هو مكتوب باللغة العربية أو يضم آيات قرآنية، فأقل شيء يعملون على المحافظة عليه وإحيائه أو تقليده، ولكن الملاحظ أيضا أنهم لا يستفيدون أبدا من الصناع المغاربة، الذين لا يزالون محتفظين بطرق النقش على الحجر والرخام وتركيب الزليج والفسيفساء…الخ، ذلك التراث الأندلسي العريق الذي لا يزال محتفظا به في المغرب إلى حد كبير.

كما أنه يلاحظ أن الترميم كثيرا ما تدخل فيه أدوات البناء الحديثة من طوب وآجر، وإسمنت، وغير ذلك، ولا يعتمد فيه وسائل البناء القديمة، وهذا من شأنه تشويه منظر الترميم، وجعله غير متناسق ولا متكامل مع الطراز القديم..

تشكل مدينة الزهراء حلقة مهمة في التاريخ الإسلامي والحضاري للأندلس/ إسبانيا، إذ كانت المدينة في الغاية من الرقي والازدهاء، ومثالا كبيرا من أمثلة التنظيم الإداري ونظام الدولة، فهي تضم دار الملك، ومجلس الشعب / البرلمان، ومضافة السفراء، وساحات الجيش الذي كان يرسل لجميع أطراف الأندلس، ومجلس الشورى حيث كان يجتمع كبار العلماء والحكماء بالبلاد، ولذلك فإن المحافظة عليها تعتبر جزءا مهما من حلقات المحافظة على التراث الإسباني من جهة، والتراث الإسلامي الأندلسي من جهة أخرى…كما أن ترميم هذه المدينة وجعلها قبلة للسياح؛ يدر على البلاد ملايين الأوروات كل عام، مما ينشط الحركة الاقتصادية في المنطقة…

من هنا يمكننا عقد مقارنة بين مدينة الزهراء ومسجد قرطبة، ففي وقت نجد الكنيسة تدمر كل عام آثارا من جامع قرطبة، وتطمس آثارا أخرى، وتُزَوِّرُ التاريخ، وتُفسد القيم التاريخية للبناء الذي يمثل الكثير الكثير من المعاني، نجد أن الإدارة تعتني بأقل شيء في مدينة الزهراء من أجل رسم صورة المدينة كيف كانت عليه منذ أكثر من ألف عام، وهذه مفارقة مهمة تصور النظرتين المختلفتين للتاريخ الإسباني التي تنظرها الكنيسة من جهة، والتي تنظرها الإدارة ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية من جهة أخرى…

كما أن ما شاهدته من ترميم وإعادة بناء لهذه المدينة المندثرة؛ جعلني أستعيد النظر في مدننا المغربية الثرية، التي طالتها ومازالت تطالها أيدي الإهمال والعبث، فلا زلت لا أنسى المدن الأثرية التي كانت في ضواحي طنجة، والتي تمتد لآلاف السنين، كيف أقيمت عليها في الثلاثين سنة الأخيرة تجزئات سكنية، أو اعطبت هدايا لمسؤولين في الخارج…

مدينة وليلي، أول عاصمة للدولة المغربية؛ كيف هي مهملة تماما، ولا يجد زائروها أي عناية تذكر للتعرف عليها، ولا توجد أصلا اي سياسة لإحيائها وإعادة إعمارها، بالرغم من إغراقها في التاريخ.

مدينة شالة في الرباط العاصمة، هذه المدينة التي كان يسميها ابن أبي زرع: “المدينة المقدسة”، هدمها المولى الرشيد بن الشريف، وبقيت مهملة إلى الآن؛ بحيث لم يبق يُعرف بها سوى ضريح أو ضريحين، وسقطت جل أبنيتها، ومئذنة مسجدها الوحيد عرضة للسقوط في أي لحظة بعد أن ذهب جله، وقبور ملوك بني مرين فيها وكبار قادتهم؛ مهجورة منهوبة، بل أصبحت منصة للحفلات الراقصة والسهرات الغنائية بعد أن كانت مدينة دينية وروحية..

ومدينة البصرة؛ جهة وازان، التي كانت تتبادل صفة العاصمة هي وفاس، في زمن الآدارسة، وكانت تصك فيها العملة المغربية، وكانت بحسب المؤرخين الغاية في الرقي والحضارة، لم يعد يعرفها أحد، بل لا يسمع بها سواحنا ولا حتى مثقفونا، وزيارتها محفوفة بأشد أنواع المخاطر…

وقصور بني مرين في جبل القلة المطل على فاس، كانت كقصر الحمراء لبني الأحمر النصريين في غرناطة، وكان الحاكم بها يحكم في جميع شمال إفريقيا والأندلس، وبها مجلس الأشياخ (أول برلمان مغربي في التاريخ) انهارت تماما، وبني محلها فندق، وطمست قبور الملوك الموجودة في سفحها…

وقس على ما لم يذكر؛ مدن اللكسوس وتمودا جهة العرائش، ومولاي إدريس جهة تاونات، ومدن أخرى في منطقة سوس وغيرها، لا توجد أي عناية بها، ولا توجيه للسياحة إليها، ولا كتب حول ما بها، ولا دراسات أكاديمية تذكر..فنحن لا نعرف التاريخ والآثار إلا من أجل نهبها وبيعها، والبحث عن “القفية” الذي يستخرجون الكنوز من تحت الآرض لتذويب ذهبها وفضتها وبيعها مواد خام…الخ…ولله في خلقه شؤون..

فهذه دعوة متعددة للعناية بتراثنا المغربي المهمل، وكذا دعوة للإسبان أن ينقذوا جامع قرطبة من عبث الكنيسة الكاثوليكية بها، والله الموفق للصواب..