قراءة في رواية “تلافيـــف التيـــه” للكاتب عبد الحكيم الصديقي

محاور القراءة:
– قراءة في العنوان
– قراءة في الغلاف
-جنس المؤلف
– المتن الحكائي
– التيمات الكبرى في الرواية
– اللغة و الأسلوب
– البعد الاجتماعي
– البعد النفسي (القوى الفاعلة)
– الزمن والمكان في الرواية
– خلاصة

1- قراءة في العنوان:
للعنوان أهمية كبيرة في النصوص الروائية تحديدا، إذ يحمل في طياته سمة الإثارة والتشويق واستجلاب اهتمام القارئ، بل وإثارته بما يحمله من دلالات مُغلقة وغامضة قلّما تكون شفافة المعنى. ولعل رواية “‘تلافيف التيه” للكاتب عبد الحكيم الصديقي تدخل ضمن هذا القصد. فالتلافيف هي الأنسجة الرقيقة المُلتوية (ما يلتف به وحوله الشيء)، أما التيه فهو الحيرة وفقدان التوازن المطلوب في مسألة ما، وغالبا ما له ارتباط بالنفس البشرية عُموما. ( له علاقة بالصفحة 34 الحيرة و تيه البطل).

إن عنوان هذه الرواية القصيرة، يحملُ دلالة متشظية ومفتوحة على اللانهاية، ففيه ايهام وغموض أدبي، ربما له علاقة بشخصية الكاتب الذي يبحث من خلال الرواية عن شط الأمان، انطلاقا من نص مقوله في ص34 من الرواية (حطامُ إنسان).

2- قراءة في لوحة الغلاف:
للعنوان علاقة مُباشرة بصُورة الغلاف، حيث تجسّد كل تلك الاندياحات المُتسلسلة التيه نفسه وتلافيف متشعبة بعضها يشد في بعض، وتدفع المتلقي منذ البداية – وبقوة- إلى التساؤل عن حدود هذا المَدى المُشرع في الرّواية ولأي سبب؟ وما علاقته بشخصية الكاتب؟

فدوائر الدوامة في صُورة الغلاف اختصار لكل دوائر حياة بطل القصة، ففي كل مرة تزّلّ به عَوادي الدهر نحو حضيض الندم والتأنيب، تأتي مَوجة جديدة لتقرّبه إلى شط الأمان . أما ألوانها فتكملة لمعناها، ولا يخفى على مبتدئ في الدراسات السّميائية أهمية دراسة الألوان والرموز في الصور واللوحات. فاللون الأصفر الدال على الذبول والمرض والشحُوب وما جاورها من المعاني السّلبية، إنما هي سمات في البطل، وفي الشخصيات الأخرى في القصة، تحديدا عند زهور ووجدان.(ذبل شبابهم ومات المرح في ذواتهم).

3- جنس المؤلف:
نص حكائي جنّسَهُ كاتبه ضمن الرواية القصيرة (مكتوب جنس النص في أعلى الواجهة الأولى بشكل بارز) وهي جنس أدبي نشاز، يتربع بين جنسين أدبيين عريقين هما القصة القصيرة والرواية. إنه بكل بساطة سيرة ذاتية يتقمصُ فيها الكاتب شخصية “عكي نايت حوسى”، بدليل ضمير المتكلم المُستعمل وقرائن الحال والمكان. فضلا عن اعتماده تقنية السّرد المُركب التي هي باختصار رواية داخل رواية (سأحكي لكم ما جرى ) ص14.

4- المتن الحكائي:
رواية أدبية تتحدث عن مسار شاب يافع، منذ ولادته إلى أن استقام عُوده، وما وسم حياته من مُجون مُراهقاتي وطيش، جعل البطل “عكي نايت حوسى” يعيشُ في دوامة من الأسئلة الوجودية القلقة التي يَسعى دوما إلى الضفر بإجابة شافية لها. وقد استطاع البطل بعد جهد جهيد أن يودع صفحة سَوداء من عُمره وما تخللها من مُغامرات سلبية في أمكنة مُحددة في الزمان والمكان “اقدار، غرفة زهور، سطح بيت الجارة…”، ويدخل في حياة جديدة سُرعان ما ثبت له أنها متزمتة وتنحا نحو التشدد المقيت، إحساسٌ ذكي نبّهه في الوقت المُناسب إلى مُراجعة العديد من أفكاره الحيرى والنزوح نحو المقاربة الفكرية لكل أموره الدينية والدنيوية. وعلى الرغم من قدرة البطل في الفصل الثاني على تحقيق نوع من التوازن النفسي(العاطفي)والروحي (الديني)، فإنه ظل دوما وفيا لإحساس عاطفي وقّاد، يربطه دوما بمحبوبته لطيفة التي شكلت تيمة مركزية في الرواية منذ البداية الى النهاية.

5 التيمات الكبرى في الرواية:
يمكن أن نجمل هذه التيمات أوالموضوعات الكبرى في رواية “تلافيف التيه” في ما يلي ، وسنقتصرُ على ذكرها دون تبسيط الكلام فيها درءا للإطالة، وربما سنعُود إلى ذلك في مقامات أخرى إن شاء الله:

أ- تيمة الحب (حب تلبية النزوات الجنسية في أقدار – حب لطيفة )
ب- تيمة الخطيئة ( ايمان البطل جزما ان ما يفعله خاطئ ولا علاقة له بالخلق الحسن)
ج- تيمة الندم والاحساس بالذنب ( تيمة مبثوثة في ثنايا المؤلف كله، إذ غالبا ما يفصح البطل وباقي الشخصيات الأخرى عن ندمها وتأسفها لأمر ما)
د- تيمة التفلسف الوجودي والعقدي.( تتضح من خلال أسئلة البطل وزهور ووجدان (ص:29)، ثم من خلال الفصل الثاني) عموما.

6- اللغة والأسلوب:
كُتب هذا المؤلف بلغة أدبية شاعرية يمزج فيها الكاتب بين العامية والأمازيغية والعربية الفصحى، وهي لفتة إبداعية تكسّر معيارية السّرد في الروايات القديمة. و دلالة هذا التداخل اللسني/ اللغوي هو مُحاولة نقل التفاصيل الدقيقة والأحداث الجزئية في وقائع المؤلف وتقريبها من المتلقي القارئ (أسلوب نجيب محفوظ مثلا الذي يمكن ان ندخله ضمن السّهل الممتنع، يتلذذ به القارئ العادي والمتخصّص على حد سواء).

ثم إن الكاتب في هذه الرواية يُكثف من استعمال الاستعارات والانزياحات المجازية (الخرق اللغوي) بشكل طافح ما جعلني تحديدا ألمسُ فيه رائحة الشعر، فالصديقي في هذه الرواية يقتربُ من الشعر أكثر من القص الأدبي. و لعل تمتعه بهذا الحس هو ما يجعله أحيانا يبالغ في التصور الفني ويؤلف بين الأشياء المتباعدة بشكل فجّ. (الأكف الوقحة ص24 (الحُزن الجميل) ص:41).

7- البعد الاجتماعي في الرواية:
الكلام في هذا المحور تلزمه وحده مُحاضرة أو ندوة، لكن حسبنا في هذا المقام أن نشير باقتضاب إلى أن هذا النص رواية تصريحية ذاتية غير رمزية، تُحاول تصوير واقع الشباب التنغيري زمن” أقدار”، وما يمثله هذا المكان في تنغير من روحانية جنسية واستفزاز لمشاعر الرجال في المنطقة والجنوب الشرقي بشكل عام. و كذلك مُعاناة النساء الممتهنات للدعارة والتجارة الجنسية، حيث غدا هذا الفضاء قبلة تحجّ إليها كل “فيكتيمات” أو ضحايا المغرب من النساء، وأصبح رقما في التسويق السّياحي للمنطقة يصعب محوه.
رواية “تلافيف التيه” أيضا في بُعدها الاجتماعي تعكس لنا مُختلف الويلات التي تنجم عن تلك المُمارسات المشينة التي غالبا ما ينتقدها البطل في الرواية. في غياب تام للسُلطات والوازع الديني الذي تتبجح به منطقة تودغى والجنوب الشرقي عُموما. ففي الرواية نلمس كيف تستغل السلطة وتحارب حتى “عْمي يدير” ص: 41، بينما تفتح المجال أمام رواد أقدار بدون رقابة.

إن الرواية من جانب سوسيولوجي، صُورة مُصغرة لتناقض القيم العاطفية والفكرية زمن التسعينات من القرن الماضي وبداية هذا القرن عند فئة الشباب تحديدا. خاصة في منطقة تنغير المُحافظة، التي استطاع الكاتب أن يفضح (استعمل هذا المصطلح بدل الكشف لحَمولته المعنوية المقصودة) تناقض السّلوك البشري بين الرغبة في الشيء والرغبة عنه. وربما لو شاء الكاتب أن يفتح عدسة سرده أكثر لنقل لنا تجارب الكبارالمُضحكة أيضا مع هذا المكان المقدس.

8- البعد النفسي في الرواية:
يهمّ تحديدا نفسية البطل (عكي نايت حوسى) شاب تنغيري مشحُون منذ صغره بقيم المُحافظة والكبح الجنسي الذي فرضته عليه ظروف التنشئة الاجتماعية، (ص:13 وصاية العم عليه)، وهي قيم سُرعان ما تقحمه في دوامة من الصّراعات المتناقضة وتمزق أوصال تفكيره إربا إربا. إنه نموذج حقيقي للشباب المغربي الذي جاء في مرحلة تاريخية حسّاسة يطبعها سؤال المُحافظة والتحديث، والحيرة القصوى بين الغوص في الملذات المحرمة أو الذوْذ عن حياض التقية والورع ، وهذا أمر جلي في الرواية من خلال مواقف شخصية البطل المتناقضة والعاجزة عن الوصول الى الحقيقة العاطفية المتمثلة في الضفر بلطيفة كقيمة أنثوية مثالية، وكذا العقدية المتمثلة في ماهية الدين السّوي الذي يجب أن يتبع .

إن الجانب النفسي عند البطل وعند قُوى فاعلة أخرى كزهور ووجدان، ينم عن انفصام خطير داخل المجتمع، بل هو نفسه تجلّ له ارتباط جدلي بأسباب تأخر مؤشر التنمية في المنطقة، والرقي الفكري والحضاري فيها. فسِمة نفاق البعض ونكوصه على عقبيه وازدواجية مواقفه ورغباته المكبوتة غالبا ما يقف عثرة امام التشييد المنشود، وقد لاحظنا من خلال النص كيف فشل البطل في وباقي الشخصيات في الوصُول إلى الحقيقة بسبب العلل النفسية العرجاء التي ورثوها واحتضنوها عندهم وهم يعبرون جسر الزمن نحو المستقبل الحاضر.

9- تتبع الحدث في الرواية:
يتسم الزمن في الرواية بطابع التسلسل والتتابع الكرونلوجي، وهي سمة روائية كلاسيكية ، غير ان الكاتب في روايته هذه يتخذ من الاختصار الزمني وقودا لدفع عجلة السرد، فإطلالة بسيطة على كيفية تدبير الزمن في النص يكشف لنا عن مقدار السّرعة والاختزال في زمن السّرد، على الرغم من امتداد زمن الفعل الحكائي، وهو إجراء – صحيح يجد مسوغه ضمن خصائص جنس النص الأدبي – لكنه يجعل فعل القراءة مهرولا ومعه تكون تعمية المعنى وإغماضه كما نلاحظ في الصفحة (43) مثلا الذي يعيد فيه الكاتب أحداثا قديمة كأنها جديدة في يومه. يُضاف كذلك التوزيع المعيب للكتلة الزمنة على جسم النص، بحيث يستحوذ الفصل الأول على حصة الأسد والفصل الثاني يضل يشكو خصاصا ظاهرا، حتى يتم الكاتب ما تبقى من الرواية ذات يوم إن شاء الله.

الفصل الأول (ص: 5)

غير محدد من 1972 إلى 1994 (ص10)
أول الصيف 17 يونيو 1994 (ص15)
آخر الصيف 11 سبتمبر 1995 (ص36)
آخر الصيف 21 سبتمبر 1995 (ص39)
أول الربيع 7 ماي 1997 (ص 42)
وسط الصيف 10 غشت 1998 (ص 50)

الفصل الثاني (ص:56)
أول الشتاء 17 يناير 2001 (ص58)
آخر الخريف 21 مارس 2004 (ص71)

10- خلاصة:
يتضح بشكل غير مُجامل، أن الكاتب استطاع بنجاح أن يعكس لنا واقع تنغير خلال التسعينات من القرن الماضي وبداية هذا القرن، وما طبعه من قيم مُتناقضة وازدواجية في المواقف والرغبات (الخير والشر) وما تنعم به بعض الأمكنة مثل أقدار من حضوة وقداسة، وذلك عن طريق تقديم تجربة “عكي نايت حوسى” الذي يتماها مع شخصية الكاتب الصديقي وأمثاله إبانئذ في قالب قصصي جميل، وبأسلوب أدبي مُمتع؛ حابل بكل اللذائذ الأدبية والفكرية التي عثا فيها الكاتب سَردا في هذا المؤلف الروائي الواعد.
الأستاذ: محمد بوطاهر