من هو الإمام محمد الباقر الكتاني؟

من شيوخ الطريقة الأحمدية الكتانية، بل يعد مؤسسها الثاني، ومن نبغاء المغرب وعلمائه، ومناضليه ضد الاستعمار الفرنسي، محدث حافظ، فقيه أثري، إمام مشارك في جل العلوم الشرعية، مؤرخ نسابة، أديب ناثر شاعر، صالح مصلح، أجمل أهل وقته خَلقا وخُلقا. أبو الهدى.

أخذ بفاس، والرباط وسلا اللتين انتقل إليهما عام 1338، 1340، عن أعلامها؛ كجده أبي المكارم عبد الكبير بن محمد الكتاني، وشقيقه محمد المهدي بن محمد الكتاني، وعمه عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، وابن عمه محمد الطاهر بن الحسن الكتاني، وأحمد بن الخياط الزكاري، ومحمد بن رشيد العراقي، ومحمد بن أحمد ابن الحاج السلمي المرداسي، وأبي شعيب الدكالي، ومحمد المدني ابن الحسني، ومحمد المكي البطاوري…وغيرهم، حتى نبغ في مختلف العلوم وأتقنها.

وحج عام1357، وأخذ عن أعلام الحجاز ومصر؛ كالشيوخ عمر بن حمدان المحرسي، وعبد القادر بن توفيق الشلبي، وبدر الدين البيباني، وبخيت المطيعي، ومحمد بن إبراهيم السمالوطي، وتدبج مع الشيخ زاهد بن حسن الكوثري…وغيرهم.

كما أخذ عنه بالمشرق والمغرب جملة من أعلامهما؛ كنجليه عبد الرحمن ومحمد، وأبناء عمه: محمد المنتصر بالله بن محمد الزمزمي الكتاني، ومحمد الناصر لدين الله بن محمد الزمزمي الكتاني، ومصطفى بن حسن الجعفري الإسكندري، وعبد الحميد الشيمي، وعبد الله بن عبد القادر التليدي، وعبد الله الهرري وغيرهم.

وتصدر لتربية المريدين بالزاوية الكتانية بسلا، ولمشيخة الطريقة الكتانية بعد تنازل شقيقه وشيخه الشيخ محمد المهدي له زهدا فيها عام (1356)، ولتدريس العلم بالجامع الأعظم منها، ومسجد الشراطين، ومسجد سيدي أحمد حجي، والزاوية الكتانية بالرباط وسلا، ومختلف الزوايا الكتانية بالمغرب.

وكان طول فترة الاستعمار الفرنسي ممنوعا من الرحلة إلى الأرياف والقبائل من أجل الدعوة إلى الله تعالى، خشية أن يدعو الناس للثورة والجهاد ضد الاستعمار. وبالرغم من ذلك؛ فقد كان له – عن طريق مريديه ورسائله – دور مهم في مقاومة الاستعمار الفرنسي، سواء عن طريق مقاطعة بضائعه، وعن طريق المقاومة السلمية والمسلحة.

كما رفع عرائض ضد الاستعمار الفرنسي منادية بالاستقلال وإرجاع محمد الخامس إلى ملكه حين نفيه عام (1373/ 1955)، وشارك بمحاضراته ودروسه ومؤلفاته في هذا الاتجاه.

كما شارك الشيخ محمد الباقر الكتاني في عدة جمعيات علمية ودعوية؛ وعلى رأسها رابطة علماء المغرب التي كان أحد مؤسسيها الأوائل، بل كان جمعها التحضيري الأول بمنزله بسلا، ودعا من خلال مؤتمرها التأسيسي بنزل باليما بالرباط عام 1382/ 1962 إلى نبذ القانون الوضعي، وتطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد.

كما ربط الشيخ محمد الباقر الكتاني علاقات وطيدة مع زعماء الإصلاح بالمشرق، وبعض ملوكه؛ ك: الملك إدريس السنوسي، و**، والشيخ محمد زكي إبراهيم، والأستاذ سعيد رمضان، كان لها دور مهم في تنسيق العمل الدعوي الإسلامي بين المشرق والمغرب. كما كان منزله مضافة يأوي إليها خيرة الوطن من العلماء والدعاة المخلصين، ومن يفدون عليه من أعلام المشرق.

وللشيخ محمد الباقر الكتاني دور مهم في إحياء الطريقة الأحمدية الكتانية، وفتح فروع لها بالمشرق، والحفاظ على تراثها من الضياع، وجمع رسائل وتراجم ومؤلفات شيوخها، وفتح زوايا لها بالمغرب، والتعريف بعلومها وأدوارها الإصلاحية. كما كان له دور مهم جدا في توضيح عبارات مؤسس الطريقة الكتانية، وتقريب معناها للعموم، وله في سبيل ذلك مئات الرسائل، وعشرات المؤلفات. إضافة إلى أذكار وتوسلات أضافها لأذكار الطريقة الكتانية لم يفل فيها مآسي الأمة الإسلامية، بحيث يعدد مجدد الطرقة الكتانية، بل مؤسسها الثاني، ولذلك كانت تنسب إليه الطريقة الكتانية الباقرية التي هي أقرب في عباراتها لفهم العامة، وهي صورة مبدعة من الطريقة الأحمدية الكتانية.

كان الشيخ الباقر فقيها أثريا، يدعو إلى العمل بالحديث، ونبذ التعصب المذهبي، وكان يميل إلى الاجتهاد ويعمل به، كما كان له اعتناء كبير بالحديث وعلومه، حافظا له، ساردا لكتبه، خادما لها، بحيث يعد حافظ المغرب وأحد مسنديه في القرن المنصرم بعد عمه الشيخ عبد الحي الكتاني. وقد دافع عن أفكاره في جل مؤلفاته وكتبه.

كما يعد أديبا مبرزا من أدباء المغرب المعاصرين، سواء بنثره الذي ينحو فيه منحى التشبيه والسجع، وأشعاره التي تبلغ خمسة عشر ألف بيت ضمنها المدح والرثاء، والحنين وغيرها من ضروب الشعر.

ومن شعره قوله:
أطوف على أرجاء دور أحبتي===أهيم بها وجدا لتحقيق نسبتي

ألوذ بها شوقا وكل عوالمي===تتيه بأنوار عن الوصف جلت

أروم مفاتيح الشهود لأنني===ولوع بنيل الفتح في كل لحظة

أبوح بعشق المكرمات شهامة===وأسكب في تلك المشاهد عبرتي

ولا أرتضى الإحجام فالفضل واسع===ولا أيأسن من نيل فيض ورفعة

أروح لتقسيم المفاخر جهرة===لعلي أحظى بالمعالي الجليلة

وأحيى حياة الواصلين لحيها===وأسلو ولي الخيرات من كل وجهة

أجر ذيول الفوز في كل رتبة===لها المركز الأسمى وكل مزية

والقصيدة تحتوي على مائة وثلاثين بيتا.

ومنه قوله كذلك من قصيدة تبلغ 130 بيتا:

فاض الفؤاد بحب ذات محمد===لهجتْ قوابل عاشق لمحمد

صار الهيام بحبه متزايدا===زاد الغرام صبابة بمحمد

لم لا أصول به وحبه واجب===مازال قلبي يهتدي بمحمد

حقا أصول بحبه وشهوده===ما عطرت أفكار حب محمد

ظهر الكمال وزاد شوقي كلما===عظم الوجود سعادة بمحمد

أنى لروح أن توفى حقه===كلا فخالفنا متيب محمد

أنصت بفكرك للمعالي إنني===أسلو بمدحي في خلال محمد

واصغ بقلبك ولتذق أشعار من===سعدت قوابله بمدح محمد

وهدى القلوب بشرحه لشريعة===نسخت شرائع إخوة لمحمد

ويعد أحد أهم مؤرخي المغرب؛ عن طريق عشرات المؤلفات التي ضمنها جوانب مهمة من التاريخ وتراجم الرجال، بل يعد أحد مؤرخي فترة ما قبل الحماية الفرنسية القلائل، خاصة من الوجهة السياسية.

وللشيخ محمد الباقر روح إسلامية ووطنية جياشة، وجرأة في إبداء آرائه والانتصار لها، لا يخاف في الله لومة لائم.

كما كان وليا صالحا، عارفا بالله تعالى، قواما لليل، صواما للنهار، له كرامات عديدة يحفظها أهله ومحبوه. وكان شديد الجمال بحيث كان يتلثم في شبابه، شديد الشبه بوالده الشيخ أبي الفيض، هينا لطيفا، أحسن أهل زمانه خلقا، وخُلقا.

ترك تآليف تناهز المائتين، في التفسير والفقه والحديث، والتصوف والتاريخ والأنساب والسياسة؛ منها: “اختصار الموطأ”، واختصار “جامع الترمذي”، و”طبقات الكتانيين طريقة”، في ثماني مجلدات، و”دائرة العلوم والمعارف الكتانية” في ثماني مجلدات، ترجم فيها والده وذكر علومه، و”التاج المرصع بالجوهر الفريد، في ترجمة الشيخ الإمام محمد الكتاني الشهيد” في ثلاثة مجلدات، و”ترجمة الشيخ محمد الكتاني الشهيد” طبعت في مجلد، و”الكواكب الزاهية في أعلام الشعبة الكتانية الوافية”، و”شرح الورد الكتاني”، و”إيقاف النبلاء بتراجم جماعة من عالمات النساء”، و”بدائع النفائس، في اتصالنا بالفهارس”، و”التبيان لفضائل القرآن”، والأجوبة الفقهية والحديثية والصوفية”…وغيرها.

توفي فجأة بسبب مرض القلب بسلا في 29 شعبان عام 1384/ 1964، وشيع في جنازة مهيبة حضرها العلماء والقضاة ومشايخ الطرق الصوفية، والسياسيون، إلى مرقده الأخير بالزاوية الكتانية بسلا.
المصدر: كتاب “النجم الثاقب، في تراجم علماء الكتانيين وصلحائهم وذوي المناقب” للدكتور حمزة الكتاني وقد نشر  الكاتب هذه الترجمة على صفحته بالفيسبوك.