حمادة: القادم أسوأ في غياب تقييم وتقويم الاختلالات الخطيرة التي طالت الحقل الديني في المغرب

هذا الحوار نشرته أمس الاثنين جريدة “الأحداث المغربية” وأجرته مع الكاتب والباحث منتصر حمادة عن مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث. نص الحوار:

كيف ترى توالي توفيق وزارة الأوقاف للخطباء والأئمة؟
عمل الإمام والخطيب في المجال التداولي المغربي، يُسطره “دليل الإمام والخطيب والواعظ”، وهو الدليل المصادق عليه من طرف المجلس العلمي الأعلى، وهو أيضاً الدليل الذي يلتزم كل إمام وخطيب باحترام مقتضياته، قبل ولوج عالم الإمامة والخطابة في المساجد أو المؤسسات الدينية التابعة للوزارة الوصية أو للمجلس العلمي الأعلى.. وبالتالي عندما يرفض إمام ما الالتزام بمقتضيات هذا الدليل، فطبيعي أن يتعرض لتبعات عدم الالتزام. ونأتي للحالة الأخيرة مثلاً، وتتعلق بإيقاف لحسن ياسين، خطيب وإمام مسجد دوار “واكليم” بتنغير، فقد كان مبرر الإيقاف “خروجه على أحكام المذهب المالكي”، ذلك حسب تقرير لرئيس المجلس العلمي المحلي، ويُقصد بـ”الخروج على أحكام المذهب المالكي” في هذه الواقعة، أن المعني أصرّ “على ترك قراءة الحزب الراتب والخروج من الصلاة بتسليمين، والأذان مرة واحدة يوم الجمعة، وترك القنوت في صلاة الصبح والدعاء عقب الصلوات”، وما إلى ذلك. ونفس الأمر يقال عن محمد ابياط، إمام مسجد يوسف بن تاشفين بمدينة فاس، والذي تم إيقافه هو الآخر، على خلفية إدلائه بمواقف سياسية تقوض مقتضى دليل الإمام.

لكن يرجع البعض مثل هذه التوقيفات إلى أن الوزارة تتعامل بصرامة مع خطباء جمعة.. تكتب لهم الخطب، وما عليهم سوى أن يقرؤوا ما تكتب، حتى وإن لم يكونوا مقتنعين بفحوى الخطبة.. هل ما يزال هذا المنطق سائدا في علاقة الخطيب بالوزارة؟
ليس بهذه الصيغة، لأن ما يجري في الواقع أن الوزارة ترسل مذكرة توجيهية، تشير إلى طبيعة الموضوع الذي يُرجح أن يتطرق إليه خطيب الجمعة، هذا كل ما في الأمر، أما طبيعية تناول الموضوع، مقاربته، لغته (العربية أو الأمازيغية، أو العامية)، مدة الخوض فيه.. إلخ، فهذه أمور يتحكم فيها خطيب الجمعة المعني وليس الوزارة، وبالتالي مرتبطة بسعة اطلاعه وتكوينه ومرجعيته وما إلى ذلك. ترويج هذه القراءات النمطية يكشف عن جهل بمقتضى عمل الأئمة عند البعض، ولكنه يكشف عن سوء نية مقصود عند البعض الآخر، وخاصة التيار الإسلامي الحركي، السلفي الوهابي والإخواني على الخصوص.

في نظرك كم بلغ عدد الأئمة والخطباء الموقوفين أو بالأحرى أشهر الخطباء الموقوفين.. وما هي المخالفات الأكثر شيوعا التي أدت بهم إلى النزول من المنابر؟
هناك شقان اثنان في السؤال: الجواب على الشق الأول يندرج في سياق “القصص السرديات الصغرى” بتعبير أدبيات “ما بعد الحداثة”، لأن الأرقام متداولة لدى الوزارة الوصية ومتداولة أيضاً لدى المعنيين، على قلتهم، ولو أن التضخيم من هذه الوقائع ليس أمراً بريئاً بالمرة، خاصة عندما نأخذ بعين الاعتبار المرجعية السياسية والفكرانية (الإيديولوجية) للمعنيين بالتضخيم، بما يتطلب التوقف عند بيت القصيد المسكوت عنه في هذه الوقائع، وبالتالي التوقف عند “السرديات الكبرى”، أي التوثق عند الشق الثاني، والمرتبط بموضوع للسياق المذهبي والعقدي والفكراني (الإيديولوجي) المرتبط بالواقعتين، وغيرها من الوقائع. مع الحالة الأولى، نحن أمام إمام سلفي وهابي، على ما يبدو من خلال الرواية الرسمية؛ ومع الحالة الثانية، نحن أمام إمام إخواني المرجعية. لذلك لا يكمن المشكل الذي تواجه الوزارة مع هذه الحالات في طبيعة مرجعية هؤلاء، لأنها كانت معروفة [معلومة] لدى المؤسسة الدينية، ولكن يكمن المشكل في عدم احترام هؤلاء مقتضى دليل الإمام، وبالتالي، كان عليهم توقع الوصول إلى هذا المأزق بسبب عدم احترامه.
أما تبني خيار التصعيد، كما قام به بعض الفاعلين الإخوان في حالة فاس، وكما يقوم بذلك التيار السلفي الوهابي في حالات أخرى، فهذه ردود أفعال تكشف حقيقة مواقف هؤلاء، الذين يريدون فرض مشروعهم رويدا رويدا على التدين المغربي الذي لا علاقة أساساً بهذه الأنماط الدينية الشاذة من التدين، وكلها قادمة من المشرق، سواء تعلق الأمر بالتدين السلفي الوهابي أو التدين الإخواني.

ألا ترى أن التوقيف في حق بعض الخطباء، يحول الموقوفين إلى “معارضين” للسياسة الدينية في المغرب، كما هو الشأن أبو النعيم وأمثاله؟
على هؤلاء الأئمة، الذين يرغب بعضهم في الاستفادة القصوى من أحداث الحراك، الانتباه إلى أنهم لا يشتغلون في إحدى جمهوريات الموز، ولا في إحدى دول الخليج العربي المعنية بتصدير هذا التديّن الحركي ودعمه وتمويله وما إلى ذلك، ولا يشتغلون تحت أوامر “مشروع إسلامي أممي”، وإنما يشتغلون في دولة عريقة وذات سيادة، ولا تنتظر من هؤلاء من يُعلمنا الدين: للمجتمع والدولة: عندما تشتغل في مؤسسة ما، أياً كانت وظيفة المؤسسة، فإنك تلتزم بحقوق وواجبات، اللهم إن كانت الحقوق التي تناضل من أجلها ذات سياقات سياسية أو مذهبية أو كلاهما معاً، كما أصبحنا نعاين فعلا وبشكل لافت ومتوقع، هنا في المغرب، خاصة بعد منعطف 2011، وهذه أمور ليست صدفة في نهاية المطاف، بما يتطلب التذكير بالوجه الآخر للعملة، والمرتبط بأخطاء مؤسساتية ارتكبتها الدولة المغربية في معرض إدماج الإسلاميين (الإخوان والسلفيين) في المؤسسات الدينية.. وبيان ذلك أن هناك عدداً كبيراً من خطباء إسلاميين، من التيار الإخواني على الخصوص، وخاصة حركة التوحيد والإصلاح، بمقتضى اعتراف الدولة بالحركة، وإدماج العديد منهم في المؤسسات الدينية والمساجد، دون أن تنتبه الدولة إلى الوجه الآخر لعملية الإدماج، أي التسريع من وتيرة اختراق المؤسسات الدينية، وتوظيف إمكانات الدولة لخدمة هذه المشاريع، وكان علينا انتظار عدة محطات مجتمعية وسياسية وغيرها، حتى تتضح معالم هذا الوجه الآخر، بمقتضى قاعدة أو قل لازمة “الوطن أم الجماعة”.

لكن قبل الحراك لم يكن أحد يسمع بمثل ذلك.
لم يكن المغاربة يسمعون عن هذه الوقائع قبل أحداث الحراك، لأن هذه المشاريع كانت في مرحلة كمون، ولم تكن لديها الشجاعة السياسية للكشف عن حقيقة مواقفها، لأنها كانت تمارس ما يُشبه التقية، ولكننا اليوم، وكما كشفت ذلك بشكل واضح مواقع التواصل الاجتماعي، نعاين هذه الوقائع بشكل صارخ، ونعاين حالات التعبئة لنصرة المشروع، وشيطنة المخالفين، بمقتضى “المرجعية الإسلامية”، ولو تطلب الأمر اتهامهم بالتكفير، كما عاينا ذلك بشكل صادم أثناء الحملة الانتخابية الأخيرة. (ضمن تفاعل الكتائب الإلكترونية الإسلامية الحركية مع واقعة إمام تنغير، نقرأ مثلاً: “وما زالوا يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا [كذا].. جاء الإسلام غريبا وسيرجع غريبا”، “هل المذهب المالكي يبيح تنظيم مهرجانات العار والرذيلة؟ هل مذهب مالك يبيح تعامل بالربا؟ هل مذهب مالك يجيز السماح للشواذ بالعيش أحياء؟” [كذا]، أو أن “توقيف الأئمة العلماء الشرفاء هو محاولة لتجفيف منابع الصحوة الإسلامية” [كذا]، وواضح أن محرري هذه التعليقات ينتمون إلى تلك المشاريع الإسلامية الحركية، والتي لم تصل بعد إلى مرحلة التحكم في دواليب الدولة والمجتمع، ولكنها تشتغل على ذلك، وبكفاءة أكبر بكثير مما كان متوقعاً، بسبب النوافذ التي بزغت بعد أحداث الحراك من جهة، ورهانها على الازدواجية من جهة ثانية).
ما نعاينه مع هذه المشاريع، أمر متوقع، ليس فقط لأنها تشتغل في سياق تفعيل وإقامة مشاريع دينية حركية، ولكن أيضاً، كما سلف الذكر، بسبب أخطاء بالجملة ارتكبتها الدولة في معرض تدبير الشأن الديني، وبالتالي القادم أسوأ في غياب تقييم وتقويم الاختلالات الخطيرة التي طالت الحقل الديني في المغرب.