نقد القراءة الشحرورية لنشأة الإنسانية

لقد تولى الله تعالى عرض قصة خلق آدم في تسع سور من الذكر الحكيم، وبين لنا في قصته أنه هو الإنسان الأول الذي بث الله منه هذه السلالة من البشر على وجه هذه الأرض، كما حدد الله لنا في كتابه كيفية خلقه لآدم، بشكل صريح واضح لا يحتمل التأويل، فلا مجال لإيراد تكهنات وتخيلات وفرضيات حول كيفية بدء وجود الإنسان على هذه الأرض، ولا مجال للنظرية الداروينية بعد أن ورد إلينا يقين لا شبهة فيه عن الذي خلق وصور وهو بكل شيء عليم.. ونكتفي هنا بذكر بعض الآيات التي تناسب المقام:

يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجرات، الآية 26].

وقال أيضا: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ سورة ص: الآية 71 و 72].

وقال أيضا: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ} [السجدة: 7].

وقال في خلق ذرية آدم: {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8)} [السجدة: 8].

المهندس محمد شحرور كما يزعم ويردد: “سمحنا لأنفسنا بأن ننظر إلى التنزيل بعيون معاصرة” (1) يرى أن هذه الحقيقة الربانية القرآنية لا تنسجم مع ما تقرر في نظرية التطور لداروين، وبشيء من التنطع والزحلقة اللغوية والتلفيق والتأويل المحرف، جاءنا بقراءة معاصرة لنشأة الإنسان يجمع فيها بين النقيضين النظرية الداروينية والحقيقة الدينية، يقول: “عندما بلغ البشر مرحلة متقدمة من التطور العضوي والنضج، أصبح مؤهلا لنفخة الروح، وهذا التأهل كان في ظاهرتين رئيسيتين:

1- انتصاب الإنسان على قدميه وتحرير اليدين…

2- نضوج جهاز صوتي خاص به، وهذا الجهاز قادر على إصدار نغمات مختلفة بعكس بقية المخلوقات التي تصدر نغمة صوتية واحدة… (2)”.

ويقول في موضع آخر: “أصبح البشر جاهزا من الناحية الفيزيولوجية لعملية نفخ الروح «الأنسنة» وذلك بانتصابه على قدميه وتحرير اليدين وبوجود جهاز صوتي قادر على إصدار النغمات المختلفة…(3)”.

بمعنى أن (البشرية) مرحلة من المراحل التي لم تكن فيها الروح، والإنسانية مرحلة متطورة عنها، وبعد تطور البشر بحيث أصبح جاهزا من الناحية العضوية نفخت فيه الروح وانتقل إلى مرحلة (الإنسانية) والآية تقول: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 71 ، 72]. فصدق الله وكذب محمد شحرور.

لم يكتف محمد شحرور بهذا الهبل العلمي فزاد الطين بلة مؤكدا ما سبق بقوله: كان البشر ما يزال في المملكة الحيوانية قبل «الأنسنة»، ولكنه قائم على رجليه وله جهاز صوتي قادر على التنغيم المختلف، وكان تصرفه كالبهائم أي يأكل اللحوم {ويسفك الدماء} ومازال الإنسان إلى اليوم كائنا يأكل اللحوم وله أنياب، وربما كان يأكل بعضهم بعضا {ويفسد فيها} للدلالة على التخريب غير الواعي في الغابات كما تفعل بعض فصائل القردة من قطع أعضاء الأشجار… (4).

هل هذا هو المنهج العلمي الدقيق الذي جاءنا به المهندس شحرور؟ أين تتجلى العلمية في هذا الخليط الفكري، والتضارب الدلالي، والتناقض المنطقي؟.

لا غرابة إذا علمنا أن خير من أول آيات خلق البشر عند محمد شحرور هو “تشارلز داروين”، وعنه يقول: “خير من أول آيات خلق البشر عندي هو العالم الكبير “تشارلز داروين”، فهل عرف داروين القرآن؟ أقول: ليس من الضروري أن يعرف، فقد كان داروين يبحث عن الحقيقة في أصل الإنسان، والقرآن أورد الحقيقة في أصل الإنسان، فيجب أن يتطابقا إن كان داروين على حق، وأعتقد أن نظريته في أصل البشر في هيكلها العام صحيحة (5)”.

ألا يعلم شحرور أن العلماء اكتشفوا حديثا ما بداخل نواة الخلية الحيوانية، وهو الذي يسمونه اليوم بالكروموزومات أو الصبغيات؟ وقد دخل هذا الكشف طور الحقيقة العلمية، وقام من هذا الكشف سد محكم في وجه نظريات التطور بمراحلها الثلاث، بل في وجه أي نظرية تفرض تطور الإنسان من كائن حيواني أقل شأنا.

والدلالة الهامة التي ينطوي عليها هذا الكشف العلمي، هي أن سائر ما يمتاز به الإنسان من المقومات الإنسانية سواء في مظهره أو طبائعه وأخلاقه، نابعة من أصل تكوينه الذاتي، وليست طارئة عليه بفعل التطور الذي يزعمه محمد شحرور والذي اعتمد على مجرد التشابه التدريجي في الأنواع دليلا على ذلك (6).

يقول المفكر يوسف سمرين: أما الداروينية التي انتصر لها (شحرور) وكأنها العلم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتأول لأجلها الآيات فينبغي هنا فضح خرافة تنتشر بين كثير من المنتسبين إليها وكأنهم كاثوليك أكثر من البابا وهي أن نظرية داروين لم تعد بصورتها الأولى، وأن العلم تجاوز كتابات داروين نفسه، وأن النظر في كتبه أضحى محض نظر في تاريخ تطور العلوم، إذ حصل تطوير كبير عليها فيما بعد، بحيث لم يبق لداروين فيها سوى الإسم، وتم سد ثغرات النظرية تماما (7).

فأي الإنسانين أحق بالتكريم؟ وأي الإنسانين يجب أن يعترف به الناس أجمعون، إنسان القرآن أم إنسان شحرور وداروين؟ إنه من المسخ في العقول، والشذوذ في الفهوم، والانحراف في الفطرة: القول بنظرية داروين في تأويل آيات القرآن في خلق الإنسان، لأنها نظرية لا يمكن مطابقتها مع النص القرآني بأي شكل من الأشكال أو أي وجه من الوجوه، فأين هي القراءة العلمية المعاصرة التي يتبجح بها شحرور؟

عبد الحكيم الصديقي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)- الإسلام والإيمان، منظومة القيم، محمد شحرور، ص 24، دار الساقي الطبعة الأولى 2014.
(2)- الكتاب والقرآن، قراءة معاصرة، محمد شحرور، ص 286، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، الطبعة الثامنة 2006.
(3)- نفس المصدر، ص 287.
(4)- نفس المصدر، ص 288.
(5)- نفس المصدر، ص 103، طبعة الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع.
(6)- المذاهب التوحيدية والفلسفات المعاصرة، د. محمد البوطي، ص 313، دار الفكر، الطبعة الثانية 2009. (بتصرف).
(7)- بؤس التلفيق، نقد الأسس التي قام عليها طرح محمد شحرور، ص 103، يوسف سمرين.