حوار مع الأستاذ يوسف سمرين

هذا نص حوار جرى بين الأستاذ عبد الحكيم الصديقي وبين الأستاذ يوسف سمرين، صاحب الكتب النقدية المعروفة والذي وضع طروحات كل من عدنان إبراهيم في رسالته للدكتوراه، ومحمد شحرور في قراءته المعاصرة للقرآن الكريم، ورشيد أيلال في كتابه حول صحيح البخاري، تحت مطرقة النقد الجذري، طُرحت عليه بعض الأسئلة الاستشكالية فأجاب وأجاد، ويُنشر في موقع “إسلام مغربي” تعميما للفائدة:

طرح أحد الإخوة الأفاضل هذا السؤال في معرض التحدي: أيها السلفي، هل تستطيع أن تثبت لملحد وجود الله بدون استخدام أدلة الفلاسفة والمتكلمين؟ مؤكدا أن هذا التحدي مرفوع إلى يوم القيامة، فما جوابكم على هذا السؤال؟

أ. يوسف: السؤال فيه مغالطة، لأنه يفترض سلفا رفض كل من تبع السلف للأدلة العقليه، طبعا لا أتحدث عمن تسمى بالسلفية من كثير من المعاصرين، وهو يؤكد لهم هذا، لكن لو ذهبنا مثلا إلى شخص كابن تيمية عارف بما يقول سيجيبه بأنه لا يعادي كل أدلة الفلاسفة ولا كل أدلة المتكلمين، إنما يعادي منها قسما خاصا بمتابعة أرسطو في إثبات المحرك الذي لا يتحرك، وابن تيمية مثلا يثبت قياس الغائب على الشاهد، بل لو قيل إن خصومة ابن تيمية مع المتكلمين والفلاسفة في عصره كانت لعدم اتساقهم مع العديد من الأدلة التي قدموها لكان له وجه، مثلا لكل شيء سبب، لكل حادث محدث، ابن تيمية يخاصم المتكلمين والفلاسفة الأرسطيين لأنهم لم يلتزموا هذا الدليل، وقد شرحته في مسألة تسلسل الحوادث، هل قرأتها؟.

– أي نعم، وحملتها كذلك.

أي نعم، المتكلمون مثلا أوقفوا هذا الدليل عند نقطة معينة دون أي مسوغ، فقبل العالم لا يوجد أي عالم وقبل العالم لا يسمى الله خالقا إلا مجازا ونحو هذا، ابن تيمية يقول لا مانع أن يكون قبل العالم عالم وقبله عالم وهكذا، وكل عالم مسبوق بخالقه، فلا إشكال هنا مع دليل السببية، بل كيف طبقوه واستثمروه؟، الأمر الآخر وهو جيد، أن ابن تيمية لم يعامل الأدلة بثنائية مصدرها عقل أو نقل، بل بمدى صحتها، فالدليل يؤخذ به عقلا ونقلا، ولا يقال هذا قوي لأنه عقلي ولا هذا قوي لأنه نقلي، بل متى ما كان دليلا صلح للاحتجاج بقطع النظر عن مصدره، مثلا «لكل سبب مسبب» هذا قال به العقل والنقل، كذلك لا ثنائية هنا بل أدلة متظافرة.

يمكن أن يقال هنا أن الأدلة تتبع نظرية المعرفة التي يقيم عليها ابن تيمية أطروحته، لكن هل هي نفسها نظرية المعرفة التي سلكها أهل القرون الثلاثة الأولى؟

أ. يوسف: نعم هيَ هي، وهو جهد أن يبين أن هذا ما كان في القرون الأولى، ولو نظرنا بعض التعبيرات الساذجة الأولى لن تخرج عن مقولاته لكنها لم تكن بصورة فلسفية، مثلا “البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير” هو نفسه قانون السببية لكن ليس بالتعبير الفلسفي الصناعي الدقيق.

قد تطرح هنا مسألة، وهي أن القائلين بقانون السببية أو العلية لا يقولون بالمؤثرات التي تكون في بنية المعلولات في ارتباطها بعللها، ماذا تقول في هذه المسألة؟

أ. يوسف: هذا قول انفرد به الأشعرية وهو ما انتصر له الغزالي، والواقع أنه يلغي مفهوم السببية، لما تكون النار ليس فيها خاصية الحرق يضحى الاحتراق بعدها كارتباط شروق الشمس بخروج رجل إلى العمل، هنا نظرة مثالية تجعل الإنسان ووعيه حكما على الطبيعة، لا أنه يتشكل منها، فهو ما يشكلها عندهم، هنا ابن رشد أجاد في نقد كلام الغزالي، فتضحى السببية محض عادة إنسانية لا علاقة لها بالوجود الموضوعي، وابن تيمية يخالف الغزالي في هذا كذلك.

نعود إلى مسألة تسلسل الحوادث، ألا ترى أستاذ يوسف أن القول بتسلسل الحوادث يستلزم القول بتعدد الخالقين وتعدد العوالم، ومن ثم القول بالمالا نهاية؟

أ. يوسف: المالا نهاية ستكون ذهنية، لأن كل مخلوق موجود له بداية ونهاية، إنما مالا نهاية هو اجتماع كل المتناهيات، ولما ثبت أن كل موجود غير الله له بداية ونهاية وقتها لن تكون المسألة متعلقة بتعدد الخالقين، بل ما قيل في العالم هذا يقال في الذي قبله والذي قبله، خذ كمثال المستقبل أَكُله دائم؟، هل قصد أن التفاحة مثلا نفسها دائمة وهي التي يأكلها أهل الجنه؟، لا، إنما قصد نوعها، تذهب ويأتي غيرها، ابن تيمية يقول لا فرق بين المستقبل والماضي فرقا مؤثرا في هذا، كما أن استمرار الجنة لا يقدح في وجود الله، ووجود مخلوقات تسبق العالم لا تقدح، لأن كل مخلوق بعينه له بداية منها وأنه مسبوق بخالقه.
أجرى الحوار: عبد الحكيم الصديقي