طرابيشي في ضيافة سعيد هادف ( ج1 )‎

في دراسته حول جورج طرابيشي و رحلة البحث عن براديكما جديدة، و المكونة من جزأين، تطرق الكاتب و الباحث الجزائري سعيد هادف إلى القراءة التشريحية العميقة التي قام بها جورج طرابيشي لأزمة الفكر العربي بكل تلاوينه و أيديولوجياته ( الماركسية، القومية، العلمية… ) من أجل البحث عن براديكما جديدة قادرة على إتاحة رؤية مختلفة للوقائع و الأفكار، حيث انطلق سعيد هادف من نظرة طرابيشي لمسألة ذهنية المثقف، و التي تستلزم التغيير معبرا عن ذلك ب ” ليس يتبدل ما في الأعيان، إلا إذا تبدل ما في الأذهان “، معتبرا في ذات الوقت أن المثقف متهم رئيسي، و مسؤول عن امساك خيرات العقلانية بيمينه مما أدى إلى حرمان الأمة من أسباب التقدم، و ذلك بتقديم قراءات محابية نوعا ما لبراديكما عقلانية قادرة على خلق نسق من التمثلات عن الحاضر و المستقبل بعد استقراء الماضي بعيدا عن قطع الصلة به إلى حد الرفض تماما لكل ما هو ماضوي، أو التمسك بتلابيبه إلى حد الغرق في تبعية الأسلاف.

وفي نفس السياق حدد سعيد هادف أطروحة جورج طرابيشي المركزية في كونها تتمحور في انقلاب النهضة إلى ضدها أو ( الردة ) بمعنى آخر، ملفتا النظر إلى ما تعاني منه الشريحة المتخصصة في إنتاج الوعي أو ( الأنتلجنسيا ) على حد تعبيره من معاناة نكوصية يصاحبها افتقار للنضوج، و انسحاب من سيرورة التقدم على ضوء الإضراب المفتعل عن النمو، و الطموح للتطور، في ما اعتبرت هذه الشريحة متأثرة في المقام الأول بالجرح النرجسي ذو الطبيعة الأنتروبولوجية الناجم في الأساس عن السبق الحضاري المنقطع النظير في التاريخ العالمي الذي حققه الشطر الغربي على حد تعبير طرابيشي، أو بمعنى آخر الإنهزامية العربية التي هزت الكيان الجمعي.

وفي إطار البحث عن حل من أجل الخروج من مأزق التخلف و الإنحطاط جاءت حركة النهضة كرد فعل عن ذلك، لكن لم تكن على شاكلة النهضة الأوربية التي تأسست على محاكاة العالم القديم : اليوناني و الروماني، بل كانت نتاجا عن الصدمة الحاصلة إثر الحملة البونابرتية على مصر، و الإستيقاظ على الإحساس بالدونية القاتلة بعد إدراك الهوة، و البون الشاسع بين العالمين العربي و الغربي، مما أنتج خطابا حديثا مأزوما ناتجا عن الصدمة، في الوقت الذي أسس الخطاب المعاصر خطاب ردة نكوصي.

وفي هذا الصدد قدم سعيد هادف الأمثلة التي ذيل بها جورج طرابيشي دراسته لأزمة الفكر العربي بدء من التيارات ذات الأيديولوجية الماركسية/اللينينية المؤسسة على القطيعة المعلنة مع كل الأشكال الوجدانية من الغنائيات الطوباوية، مقدما كل من سمير أمين و توفيق سلوم أنموذجا.

و في خضم دراسة سعيد هادف عرج على التيار القومي بشقيه العلماني مع زكي الأرسوزي و الإسلامي مع محمد عمارة كما قدم ذلك طرابيشي الذي شرح نظرة كل منهما لصباح العرب المتجلي عند الأرسوزي في الجاهلية، و عند عمارة في الإسلام.

وقبل الختام تمت الإشارة إلى التيار العلمي متمثلا في كل من زكي نجيب محمود و العودة الكاذبة للتراث على حد تعبير طرابيشي، إضافة إلى المواقف المتقلبة و المتباينة من التراث الداعية تارة إلى إحراقه، و أخرى إلى الإحتفاظ به في المتاحف؛ أما الجابري فقد اعتبر طرابشي أنه استبعد التعابير اللاعقلية عن العقل في ( العقل العربي ) مما أدى إلى انحراف في الدراسة، و فقد للبوصلة…

وبالرجوع إلى كتاب النهضة تقدم سعيد هادف بأمثلة ممن أشار لهم جورج طرابيشي مثل قاسم أمين الذي استطاع في لحظة ما الإنتقال من طور المنافحة إلى طور النقد، مرورا ب ياسين الحافظ و محاولة السيطرة على عالم الخطاب بدل عالم الواقع من وجهة نظر طرابيشي، و اختلاف الأخير مع قراءة عبد الرزاق عيد الإنتمائية ( التمجيدية ) لأعمال الحافظ، حيث انفصل طرابيشي عن تلك القراءة، و انتقد ياسين الحافظ متسائلا عن مدى إمكانية احتفاظ الحافظ بمخزونه الدلالي الماركسي فيما بعد حقبة 1990، و ما يلبث طرابشي إلى الإشارة إلى محمد أركون و التحول إلى المرارة و الغصة بعد الفشل في مهمة الوساطة بين الفكر الإسلامي و الأوربي، و من تم عرج على طه حسين و مسألة الخلط الحاصل بين مطلب التحديث و إشكالية التغريب، مع لفت الإنتباه إلى أن التماهي الجزئي يعد محاولة للتدريب على حرية الهوية على النقيض من التماهي الكلي المحاكي لموقف العبودية، ليختتم ذ. سعيد هادف الجزء الأول من دراسته جورج طرابيشي و رحلة البحث عن براديكما جديدة بآخر مثال تقدم به الأخير المتمثل في حسن حنفي الذي اعتبره طرابيشي وحدة من التناقضات بسبب مواقفه المتضاربة، الصارخة حتى مع ذاته، و انتهاجه لبراديكما مؤسسة على الإنتقام ( تقدم العرب و توقف الغرب )…
بقلم: أحمد المهداوي