العقل العربي ومآلاته (24): الإحاطة الإلهية

بقلم الشيخ: عبد الغني العمري الحسني
عندما يعتقد الناس أن الإيمان متعلق بـ “ما وراء الطبيعة”، يتوهمون أن الله من ذلك العالم، مباين لهذا؛ وهو سبحانه خالق العوالم. وعندما يصنف العالم إلى طبيعة وما وراءها، بتعبير قدماء اليونان، فينبغي تمحيص هذا القول، على نور الوحي، الذي هو إعلام من الله نفسه سبحانه. وإن عدنا إلى تصنيف العالم، فإننا نجده عندنا شهادة وغيبا. والله سبحانه محيط بهما، ولا يحيط به هو شيء. ومن اعتقد أن الله وراء الشهادة (غير مشهود)، أو اعتقد أنه وراء الطبيعة، فإنه يكون قد حيّز؛ وهذا شرك جلي.

يقول الله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]. الضمير هو، يعود إلى الذات. وأما الأول والآخر والظاهر والباطن، فهي اعتبارات نسبية، تعني أن الله محيط بكل شيء من جميع الجهات. وإذا كان الله هو الأول والآخر، فهذا يعني أن الفاصل بينهما خط وهمي اعتباري غير وجودي. وليس إلا العالم، الذي لم يخرج عن إمكانه قط. والأمر صحيح أيضا، فيما يتعلق بالظاهر والباطن. وهكذا، فإن الله أظهرُ من العالم، وأقربُ من الشهادة؛ وهو وراءَ العالم وأبطنُ من الغيب. وهذه الإحاطة الذاتية، لا تتمكن العقول من إدراكها وتعقلها؛ لأن العقول نفسها داخلة في هذه الإحاطة. والعقل لا يُدرك إلا ما يحيط هو به. فما أعجز العقل عن معرفة الله!… وكل من يروم معرفة الله المعرفة الحق بعقله، فليعلم أنه لا يحوز حتى مقدمات هذه المعرفة، والتي منها معرفة حقيقة العقل ذاته.

إن العقول المعاشية والمفكرة، لا يجوز لها (ولا يصح) أن تبحث المعارف، بما تعلمه من قياسات وبناءات نسقية، وإن كانت تنطلق من الوحي. لأن مرتبة هذه العقول، تعطيها أن تؤمن بما أخبر به الوحي، لا أن تعلمه. وعلى هذا، فإن جل العقائد التي ظن المتكلمون والمتفلسفون أنهم استنبطوها من الوحي، ليست إلا تخرصات من قِبلهم، لا تغني في عالم المعارف شيئا. والأغرب من هذا، هو أن العقائد الصائبة من حيث ظاهر اللفظ، تفهم منها العقول ما يخالف حقيقة ما يدل عليه اللفظ ولا بد. كل هذا، لأن المعرفة الإلهية هي من خارج العقل في الأصل. وأما عقول العارفين الربانية، فإن علمها بالحقيقة ليس منها. وإدراك هذا الصنف، قد يشتبه على من لا علم له، لإلفه بإحاطة العقول بمُدركاتها في العادة؛ والله يحيط ولا يُحاط به، كما أسلفنا. ولهذا السبب، فإن معرفة العارفين نفسها، من أعجب العجب…

إن كل عقل من كل مرتبة، له نظر إلى الحقيقة؛ ولكن العقول الكاملة وحدها، هي من تحوز معرفة الشمول، التي يشير إليها قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]. والمشرق والمغرب في عالم المعاني، حالان للعقول. فأصحاب المشرق هم العارفون، وأصحاب المغرب هم المحجوبون من المؤمنين ومن الكافرين. ووجه الله المشهود لكل فرد من أهل المشرق وأهل المغرب، هو ما يشهده كل واحد، من غير استثناء أحد. وهذا يعني أن العقائد من جهة مناطاتها الشهودية واحدية الحقيقة؛ ولكنها من جهة التعبير عنها من طرف المشاهدين تختلف، مِن تلك الموافِقة لما هو الأمر عليه وجاء به الوحي، إلى ما يخالف ذلك ويدخل في البطلان. وهذا العلم المتعلق بمعرفة الحق والباطل في العقائد، مع كون الوجود حقا لا يخالطه باطل، هو مخصوص بأهل الإطلاق وحدهم.

وبما أننا كنا قد دللنا في فصل سابق على ترتيب العقول، الذي لا بد من العمل عليه في الأمة، حتى تستقيم أمورها؛ فلا بد أيضا أن نبيّن ما يحدث عندما يؤول الأمر إلى العقول الدنيا. أولا، ينبغي أن نعلم أن موافقة الترتيب أو مخالفته، لا تغير من الحقيقة شيئا؛ لأن الأثر يعود على الناظر والعامل فحسب، لا على الحقيقة. وهذا المعنى هو ما أشار إليه قول الله في الحديث القدسي: «إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي.»[1].

إن من يزعمون أنهم حريصون على الشريعة، من أجل إيجاد مسوغات لآرائهم وأفعالهم، التي قد تؤذيهم عواقبها في دنياهم أو في آخرتهم، لا يتنبهون إلى أن إدراك الشريعة، يختلف بحسب مرتبة العقل؛ ولا يعلمون أن الشريعة لو كانت شيئا جامدا لما وقع هذا الاختلاف بين أهلها منذ القرن الأول. والشريعة ليست قانونا منقطعا عن أصله، ليعمل بها العاملون، ويضمنون موافقة الصواب مع ذلك دائما؛ بل هي منوطة في كل لحظة بواضعها سبحانه، الذي ينبغي الرجوع إليه في كل تفاصيلها لاستمداد السداد والتوفيق. ولو كانت الشريعة جامدة آلية، لانعدم معها معنى التوفيق الإلهي من أفعال العباد، كما لا يخفى.

ولقد سبق أن كتبنا في غير هذا الموضع، أن الشريعة المحمدية مطلقة، بخلاف كل الشرائع التي قبلها. ومعنى إطلاقها، لا يختلف عن معنى إطلاق القرآن نفسه الذي ذكرناه سابقا، والذي هو الإطلاق المعنوي في صورة التقييد اللفظي. إن الدين ليس مذهبا فكريا كما يتوهم جل القاصرين؛ وإنما هو منظومة معرفية متكاملة، مطابقة للحقيقة التي لا يتمكن العقل من إدراكها، إلا باتباع سبيل مخصوص في التدين. ولسنا نعني إلا التدين كما هو في أصله، وعن طريق الاستمداد من النبوة من غير ظن ولا شبهة.

إن الأمة اليوم في معظمها، مقطوعة عن نور النبوة؛ لأن الفقهاء من أصحاب العقول المعاشية، أوهموها أن الدين هو ما يعلمون. والعوام من المسلمين استطابوا ذلك، لرغبتهم في اتباع هواهم والانغماس في الدنيا كما يشتهون. ولكن النتيجة العامة التي لا يختلف عليها اثنان، كانت ضعفا عاما، نزل بالأمة في مجالات كثيرة، إلى أسفل من الكافرين. والإصرار من البعض على أن الغلبة منوطة بتحقيق السبق التقاني وحده، هو فرار من مواجهة الحقيقة وإطالة في عمر الأزمة فحسب.

نحن لا نريد أن ندفع بالناس في اتجاه مخصوص، عن طريق التقديم له نظريا، كما قد يبدو؛ ولكننا نطمع في أن يتحمل أفراد الأمة تبعات اختياراتهم عن وعي ومسؤولية. إن المرء الحر، هو من يعلم وجهته من البداية؛ وهو من يتمكن من تغيير توجهه متى بدا له أن الأمر يتطلب ذلك. وإن الأمّة الحرة، هي التي لا تتقيد إلا بما قيدها الله، وبالقدر الذي شُرع؛ من دون أن يتحول ذلك كله إلى حبال تمنع حركتها أو تشدها إلى الخلف، كما هو الأمر الآن…
________________________________________
[1] . أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه.