مساجد أوربا: بعضٌ مما هو مطلوب منها

كنيسة جد متواضعة من حيث بناؤها، غير أنها جد غنية من حيث أنشطتها وتواصلها المستمر مع مختلف شرائح الحي الذي توجد فيه Stradella التابع لبلدية Bigarello التي لا تبعد كثيرا عن مدينة Mantova، وهي تشرف على حديقة ألعاب واسعة تتضمن مختلف أصناف الألعاب والملاعب المتاحة للأطفال من شتى الفئات العمرية.

ما استرعى انتباهي هنا هو أن القسيس السيد Don Giuseppe يشرف بنفسه طوال الوقت على الحديقة، وهو يتواصل بشكل منفتح وسمح مع الأطفال والآباء، ويحضر لهم مختلف أنواع الألعاب من سيارات ودرجات وكرات دون أي مقابل. وقد تعرفت عليه شخصيا غير أنه للأسف كان التواصل معه ضعيفا لعدم معرفتي للغة الإيطالية وعدم معرفته للغة الإنجليزية أو الفرنسية!

الغرض من هذه التدوينة ليس التعبير عن أي نوع من الانبهار أو الدونية كما قد يفهم أو يؤول البعض، بل تقديم جانب من الدور الريادي الذي تلعبه الكنيسة داخل المجتمع الإيطالي خاصة والأوروبي عامة، رغم تصاعد ظاهرة اللاتدين والابتعاد عن الكنيسة. ومع ذلك، فإن هذا المثال الذي اضربه يعبر عن أن الكنيسة تعمل كل ما في وسعها لأن تستقطب مختلف شرائح المجتمع، سواء أكانت مسيحية أم غير مسيحية عن طريق التفاعل مع احتياجات الواقع الجديدة، والانفتاح على جيل المستقبل من أطفال وشباب.

في مقابل ذلك (وهذا هو الأهم) شيدت آلاف المساجد في أوروبا والغرب التي لم يأخذ أغلبها فئة الأطفال والشباب بعين الاعتبار، فهي مساجد كما اقول دائما أسست لأجيال الهجرة الأولى، ولم تأخذ بعين الاعتبار الشروط والظروف الجديدة التي تخص أطفالنا وشبابنا، بل ولم تفكر في تكييف أنشطتها حتى تلبي حاجيات هذه الشريحة المجتمعية المهمة والمصيرية لوجود المسلمين في أوروبا والغرب.

لماذا لا نفكر في تزويد مساجدنا بحدائق للأطفال والشباب ونجعلها متاحة للجميع؛ مسلمين وغير مسلمين؟ لماذا لم نعمل على تجهيز مساجدنا بمكتبات بمختلف الكتب والمؤلفات والبرامج واللغات التي تفهمها الأجيال الصاعدة؟ لماذا لا ينزل أئمتنا إلى أرض الواقع فيتفاعلون مباشرة مع الشباب والأطفال؟ لماذا لم تفكر مساجدنا في تأسيس فرق لكرة القدم تشارك بها في البطولات المحلية وفي مباريات الأحياء؟

هذا غيض من فيض، أريد أن أثبت من خلاله أننا لن نلج المستقبل ونراهن على الأجيال الصاعدة إلا إذا تعاطينا لمثل هذه المقاربة الاستشرافية المنفتحة، التي تقطع مع الأشكال الثقافية الابيسية المنغلقة، وتمنح حيزا لأطفالنا وشبابنا للتعبير عن طاقتهم ومواهبهم وحاجياتهم، ويتعلق هذا الأمر بمجتمعات المواطنة الأوروبية والغربية والبلدان الأصلية على حد سواء.
التجاني بولعوالي
10 يوليوز 2018 على الساعة 9:35 في القطار ما بين مانتوفا وميلانو في إيطاليا
مصدر المقالة: https://www.facebook.com/tijani.boulaouali.ar