قطار فائق السرعة يكشف تباينا بين إصلاحات إمارة المؤمنين والاجترار في المؤسسات الدينية

على غرار ما جرى في العديد من المحطات، منها موضوع “مدونة الأسرة”، أو الدفع بالمرأة للواجهة الإصلاحية وغيرها من المحطات، لا زال المتتبع في المغرب يُعاين ما يُشبه التباين بين السقف الإصلاحي لمؤسسة إمارة المؤمنين، والمؤسسات الدينية، والتي لا زالت تعيش في معظمها على واقع التقليد وربما الاجترار.

جاءت آخر الأمثلة، مع تفضل الملك محمد السادس بإطلاق إسم “البراق” ذي الحمولة الرمزية الكبيرة، على القطار الفائق السرعة الرابط بين طنجة والدار البيضاء. وجاء في بلاغ للمكتب الوطني للسكك الحديدية، أمس الخميس، أن إسم البراق المستوحى من الدابة المجنحة يستحضر “السرعة والسفر، ويعكس القيم الثقافية القوية لمشروع طموح وضخم يمثل اليوم فخر الأمة.

ولكن في الجهة المقابلة، هناك فتوى صادرة عن الهيأة العلمية المكلفة بالإفتاء بالمجلس العلمي الأعلى بتاريخ 27 ربيع الأول 1430هـ موافق 25 مارس 2009م تقضي بعدم جواز إطلاق تسمية “حريسة البراق” على حريسة فلاحية لتربية الخيول بطريق الجديدة.

ومن الحيثيات التي استندت عليها الهيأة في التحريم هي أنه “لم يثبـت في تاريخ الإسلام وفتوحاته الدعوية الهادية من عهد الصحابة فمن بعدهم مثل هذا الإطلاق :(كتيبة البراق)، على كـتيبة من كتائب الفتح والنصر، ولا على مركوبها من الخيل والإبل، ولو من باب التبرك والتفاؤل، ولو كان ذلك جائزا لأطلقوه على فتح من فتوحات الإسلام، أو ملحمة من ملاحمه التاريخية العظيمة”.

فهل انتبه المسؤولون إلى هذه الفتوى التي تحرم إطلاق اسم البراق على شيء معين لأنه حسب فتوى المجلس العلمي الأعلى فإن “اسم البراق ومدلوله يعتبر من مقدسات الإسلام”، أم أن التحريم يطال فقط حريسة الخيول ولا ينطبق على القطار السريع؟ أم ربما أن بادرة أمس، أي إطلاق إسم “البراق” تقوض هذه الفتاوى المتجاوزة والتي لا تساير قضايا ومستجدات العصر؟
…….
وفيما يلي نص الفتوى كاملة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
“ربنا آتنا من لدنك رحمة، وهيئ لنا من أمرنا رشدا”.
وبعد، فقـد تدارست لجنة من هيأة الإفتاء بالمجلس العلمي الأعلى المطلب المتعلق بإبداء الرأي الفقهي حول مسألة إطلاق “حريسة البراق” على حريسة فلاحية لتربية الخيول بطريق الجديدة (ليساسفة، الدار البيضاء)، وخلصت من خلال النظر فيه من الوجهة الشرعية إلى أن ذلك لا يجوز، للاعتبارات النظرية الآتية، والتي منها قاعدة سد الذريعة.
أولا: أن اسم البراق ومدلول كلمته في الإسلام، يطلق على تلك الدابة الخاصة المتميزة، التي ركبها نبينا المصطفى رسول الإسلام والرحمة إلى الناس كافة، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أثناء رحلته المعجزة الخارقة ليلة الإسراء به من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى بالقدس الشريف والعروج به إثر ذلك إلى الملإ الأعلى والسماوات العلى، والعودة به من كل ذلك إلى مكة، في جزء من تلك الليلة المباركة الخالدة.
فكلمة البراق ودلالتها إذن مرتبطة بتلك المعجزة الإسلامية النبوية العظيمة، التي أثبتها القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية الشريفة، وخلدها الحق سبحانه بقوله تعالى في أول سورة الإسراء: ﴿سبحان الله الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا، إنه هو السميع البصير﴾.
ولذلك فاسم البراق ومدلوله يعتبر من مقدسات الإسلام، وذا منزلة عالية ومكانة رفيعة في نفوس المسلمين وقلوبهم المومنة، فهو تلك الدابة العجيبة الخلق، البديعة الصنع، المتناهية السرعة، التي يعلم الله حقيقتها، والتي اشتق اسمها من كلمة البرق، لكونها أشبه بسرعته في إشراق ضوئه وظهور لمعانه واختفائه، ويصدق عليها عموم قول الله تعالى: ﴿صنع الله الذي أتقن كل شيء﴾، وقـولُه سبحانه: ﴿ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه﴾؛
ثانيا: لم يثبـت في تاريخ الإسلام وفتوحاته الدعوية الهادية من عهد الصحابة فمن بعدهم مثل هذا الإطلاق: (كتيبة البراق)، على كـتيبة من كتائب الفتح والنصر، ولا على مركوبها من الخيل والإبل، ولو من باب التبرك والتفاؤل، ولو كان ذلك جائزا لأطلقوه على فتح من فتوحات الإسلام، أو ملحمة من ملاحمه التاريخية العظيمة؛
ثالثا: الأخذ بسد الذريعة، الذي هو أصل من أصول المذهب المالكي، وقاعدة من قواعده في الاجتهاد واستنباط الأحكام غير المنصوص عليها في الكتاب والسنة، يقتضي منع ذلك الإطلاق على تلك الحريسة.
إذ هو أصل يعتبر أساسا للنظر في كل وسيلة قد يؤول أمرها إلى ما هو ممنوع شرعا بالنص والدليل القطعي، وبالتالي إلى الحيلولة دون الإذن والترخص في استعمال تلك الوسيلة، وإلى عدم السماح بذلك الاسم، اجتهادا واستنباطا، واتقاء للشبهة، واستبراء للدين والذمة، واحتراما للمقدسات عند المسلمين، وأخذا بالنظر والرأي الفقهي بالأَولى والأَحوط والأنسب والأسلم في مثل هذه الأمور، ودفعا لما قد يتبين عند التساهل في الأمر وشأنه أنه غير مشروع وغير سليم من وجهة الشرع والدين.
لكل تلـك الحيثيـات والاعتبارات الدينية والنظرية الاستنباطية، فقد خلصت اللجنة المذكورة إلى الرأي الفقهي الذي يرى عدم جـواز إطلاق “حريسة البراق” على تلك الحريسة الفلاحية لتربية الخيول.
والله أعلم، والموفق إلى السداد والصواب.