إن الدين عند الله الإنسان

بقلم: مصطفى انصالي ـ أستاذ مادة الفلسفة
أن يكون الدين انسانيا معناه أنه دين يستمد مشروعيته من الأرض، إنه قصة أرض لا قصة سماء، قصة إنسان لا قصة إله. الله لم يرسل أنبياءه ورسله كي يثبت وجوده هو؛ بل أرسلهم كي يوجد روحه في الأرض، نفخ فينا من روحه وأرادنا أن نكون تحققا لهذه الروح في أرضه، جعلنا خلفاء له في الأرض فاستصغرتنا الملائكة بقولهم ” أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء… ” فعظمنا بقوله ردا عليهم : ” إني أعلم ما لا تعلمون” إنه يعلم إذن، لكن المصيبة أننا صرنا لا نعلم! أراد الله أن يكون الدين انسانا ونحن أردنا أن يكون الانسان دينا، الله لا يهمه تكبيرنا باسمه خمس مرات في اليوم المهم بالنسة له أن نكبر نحن، لا يهمه تعظيمنا له المهم ان تصير أنت عظيما.

إن قيام نخلة عند الله أهم من قيام الصلاة داخل المعبد، هذه بداهة دينية من لم يستطع فهمها ووعيها فهو لم يعلم عن الله شيئا. أليس هو القائل عز وجل ” أينما تولوا فثم وجه الله”. نبحث عن الله في القبلة والانسان قبلته، هو يطوف حولنا ونحن نطوف الكعبة، مشكلتنا هو أننا صرنا لا نتوقع إلها خارج أسوار المعبد، فكيف له أن يوجد في المعابد وقد تفرق خلقه بها! بسببها صار المسلم كافرا لدى اليهودي واليهودي ضال لدى المسيحي والبوذي وثني في عيونهم جميعا… لقد حار جبريل في الفصل بينهم وهو رسول الله إليهم جميعا.

الله يكتب في قرآنه “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا” وهم يكتبون : وجعلناكم أديانا ومذاهب لتتحاربوا وتتقاتلوا. هذه مصيبة؛ أما الكارثة فهو أنهم جميعا يعودون إلى صلاتهم بعد القتل ! فهل يصح دين بدون حب ؟ لا أعتقد . وهل يصح دين بقتل ؟ لا يمكن.

إن الدين عند الله الانسان معناه أن الله ليس عربيا ولا عبريا ولا هنديا، الله هو الله. إنه لا يختار شعبا ضد آخر لقد ظلمناه بجعله إلها عرقيا، الدين عنده صفة أخلاقية لا صفة قومية عرقية، دين لا يخص جماعة بحد ذاتها بقدر ما يخص جماعة الانسان، ما أسهل أن نصف أتباع دين آخر بأنهم كفار؛ لكن ما أصعب علينا أن نكون نحن مؤمنين، فأن تؤمن بالله معناه أن تؤمن بالخير والعدل والجمال والحب، إن لم تكن كذلك فأنت لم تؤمن به حتى ولو صليت ملايين الركعات، فكفر العادلين إيمان وظلم المؤمنين كفر، كفر الأخيار إيمان وإيمان الأشرار كفر، الحزب الذي يحمل للناس خبزا أفضل بكثير لدى الله من الحزب الذي يحمل لهم مصاحفا. إيمان الإنسان هذا يكون على قدر مبادئه لا على قدر معابده، ما يهم الله في دينه هذا هو نظافة قلبك لا نظافة معبدك. لم يفهموا دينه جيدا لكنهم بالتأكيد زوروه جيدا.

دين الإنسان نزل من أجل رفع أحجار العبودية عن العبيد فقزمناه في مجرد رفع أحجار الأصنام عن الكعبة، تأملوا في قصة عمار بن ياسر، أتدرون لماذا آمن ؟ لقد آمن بدين محمد عليه السلام لأنه وجد فيه إلها يقف مع محمد الطيب والخير ضد أبا لهب الظالم والشرير، لم يؤمن بالدين لأنه يقول بالتوحيد مقابل الوثنية بل آمن به لأنه دين إله يصطف بجانب الفقراء ضد اقطاعية قريش، أنظروا إلى بلال أيضا والذي عندما أراد الإيمان بدين محمد كان سؤاله الأول موجها لرفيقه في العبودية عمار بن ياسر : هل إلهه يقبل العبودية ؟ فأجابه عمار: إن الناس لدى محمد سواسية في اللون والدم “لا فرق بين عربي ولا أعجمي ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى ” . تأكد بلال قبل إيمانه بأنه أمام إله عادل طيب لن يحتقره كما احتقره أبا لهب لذا وفقط آمن به. نحن نؤمن بالنبي لوحيه وهم آمنوا به لنبله وعدله وانسانيته حتى قبل أن ينزل عليه الوحي، مشكلتنا أننا ننظر لمحمد بعد قصة غار حراء في حين أن الاسلام الأوضح هو محمد قبل الغار. لقد كان وكما وصفته زوجته قرءانا يمشي بين الناس أي أخلاقا ومبادئ تمشي في الأرض ومن أجل الأرض.

وحدهم كهنة المعبد من خذلونا وسرقوا منا ديننا ونبينا بل وإلهنا والهدف هو اغتيال كل انسان فينا، لقد أعلن الفيلسوف الألماني نيتشه عن موت الاله. فعلا لقد مات الاله لكن موته ليس موتا بيولوجيا إنه موت قيمي، اغتيال لكل القيم الجميلة التي زرعها فينا ونفخها فينا من روحه، لقد صدق دوستويفسكي عندما أعلن على لسان إحدى شخصياته أنه: ” إذا لم يعد الله موجودا فإن كل شيء سيصير مباحا “إن الله هو الضمير الذي يحكمنا ، فأن تريد الله في سلوكك وأخلاقك معناه أنك تريد الانسان، بمنطق فيلسوف الأخلاق كانط جعلت من الانسان غاية لا وسيلة… فبالأمس كان هناك إله واحد بكل تلك الروح واليوم فينا ألف إله لكن وللأسف بدون روح. فإلى كهنة المعبد أقول : لا نريد دينا مقلوبا نريد دينا يقلبنا، لا نريد صلاة مأجورة نريد صلاة تصلنا بربنا، لا نريد صياما عن الأكل والشرب نريد صياما عن العبودية والظلم..
إلا أن يتحقق هذا الدين أقول لكم ولمغيبيكم : لكم دينكم ولي دين.