العقل العربي ومآلاته (28): العقل والشك

بقلم الشيخ: عبد الغني العمري الحسني
العقل من حيث هو، ليس له من العلم إلا الشك (الظن)؛ لأنه من حقيقته الإمكانية. والإمكان له وجه إلى الإثبات، ووجه إلى النفي دائما. وإن لهذين الوجهين مدخلا في الاحتمالات، التي قد تتعدد وتتشعب بحسب المسألة المنظورة. ومن تعدد الاحتمالات، كان للعقلاء ولع بجمع المعلومات؛ وذلك لأنها توسع دائرة الاحتمال لديهم، الذي لن يوسع في النهاية إلا شكهم.

وإن الذين يتكلمون في الشك، بالمعنى العام وبالمعنى المنهجي، ومع ذلك يريدون أن يتوصلوا بالعمليات العقلية إلى اليقين، لا يعلمون حقيقة ما يتكلمون فيه. لكنهم لعدم عثورهم على طريق اليقين (طريق طلبه)، يتوهمون أنْ لا طريق إلا ما هم عليه. فتضيع أعمارهم، من دون أن يصلوا إلى ما يشفي غليلهم. وهذا الذي نذكره، هو السبب في عدم انتهاء الفلاسفة إلى شيء يذكر، بالنظر إلى فلسفة الفيلسوف الواحد، أو بالنظر إلى الفلسفة عامة، والتي ينقض بعضها بعضا على الدوام. والغريب، هو أن الفلاسفة لا يتمكنون من تغيير طريقهم، مع ظهور عدم جدواه بالتجربة. وفي الحقيقة هذا عائد إلى مكانتهم العقلية، التي يغلب عليهم فيها الإمكان الأصلي.

وقد يتوهم المؤمنون أنهم قد خرجوا من الشك مطلقا بسبب إيمانهم؛ وهو أمر غير صحيح؛ لأن الإيمان (التدين) لا يخلو من تفاصيل تعتمد الشك؛ وإلا انقلب التقدم في الطريق تقهقرا. وذلك كالذي يدل عليه قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60]؛ فهذا الصنف من المؤمنين، مع بذلهم أموالهم وإتيانهم لأعمال البر، يشكون في أنفسهم ويخافون من بطلان أعمالهم عند الله. وهذا من الشك المحمود، الذي جُعل في محله. وذلك لأن النفس ممكنة، ومعاملتها بما تعطيه حقيقتها، يجعل صاحبها يأمن بوائقها؛ بعكس الجهلة الذين يعاملون أنفسهم بحسب وجدانهم، فيجعلونها وجوبا بالحال لا إمكانا. والعقل في الحقيقة، ما دام على حقيقته الأصلية، لا يتمكن من معرفة الوجوب أبدا؛ لأن الوجوب لا يُعلم إلا للواجب. لكن الإمكان يُعطي من نفسه تمييز مرتبة الوجوب، وهذا هو أصل كل كلام المتكلمين في الواجب بنفسه، والواجب بغيره (بحسب اصطلاحهم).

ولما قال الله تعالى: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [إبراهيم: 10]، فإنما لينبه السامع إلى تعلق الشك، الذي لا يكون إلا بالممكن. لأن الشك تردد بين وجهيه، كما أخبرنا آنفا. وأما الله الذي له الوجود المحض (الوجوب)، فإن الشك لا يتعلق به؛ كما أن العقول من مرتبتها الإمكانية لا تعلمه. وقد أغفل هذا الأصل كثير من الناس، فتاهوا في بيداء الإمكان إلى ما شاء الله…

أما اليقين، الذي قال فيه علي عليه السلام: “لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا”؛ فإنه ليس من مرتبة الإمكان؛ وإنما هو من مرتبة الوجوب. والعقل يصل إلى هذه المرتبة بإيصال الله، عندما يتخلص من وجهه العدمي. وهذه المرتبة هي الربانية، التي تعطي وحدها ما ذُكر. واليقين لا يزيد، بخلاف الإيمان الذي ما يزال صاحبه على الإمكان، فإنه يزيد وينقص، بحسب غلبة أحد الوجهين على الآخر في الوقت. يقول الله تعالى في مثل هذا: {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر: 31]. لكن إيمان المؤمن الذي يزيد وينقص، يتعلق بمفردات المسائل، لا بالألوهية من حيث هي مرتبة ذاتية. ونعني أن الإيمان بالصفات والأسماء، قد يزيد وينقص؛ لأنه متعلق بالإمكان من جهة الشهود، من وراء الحجاب. فالأسماء لا تُعلم قبل ظهور العالم (الممكن). وأما الذات، فلا يتعلق بها الشك من الأصل. وهذا مما التبس على المتكلمين، وحاولوا الانتصار فيه للوحي بحسب ما يُدركون منه، فأخطأوا كثيرا. ولو أنهم نظروا إلى كفر الكافر -مثلا- الذي هو طرف الشك العدمي، لوجدوه متعلقا بالألوهية لا بالذات؛ لأن الذات ثابتة في وجدان كل قائل، وإن لم يعبر عنها لجهله بما يجد، وبكيفية الإعراب عنه. فالذات هي منطلق كل ناطق، وإن نطق بأشنع العقائد. هذا فحسب!…

أما الشك الذي يجعلونه مذهبا فلسفيا ماديا وعقليا تمحيصيا، والذي تسرب إلى العقول المعاشية لدينا، فصارت تهذي به أنى عنّ لها، فإنه من ضلالات الشياطين، التي لا يريدون من ورائها سوى إدخال الناس في فوضى معرفية، تكون منطلقا للفوضى التامة التي هي الهرج والمرج بالمعنى المحسوس. وهذا الصنف من الشك المرضي، الذي وصل ببعض الضعفاء إلى الشك في الدين، لا يصح عند من يعلم حقيقة الشك ومتعلَّقه. وهو عندما يغطي على عين القلب، فإنه قد يصل بالعبد إلى الشك في كل شيء حتى في شكه؛ وهذا يقارب الشك المطلق. نقول يقارب، لأن الشك المطلق محال؛ بسبب كونه لا يصح إلا في مجال الإمكان العقلي المجرد وحده؛ ونحن قد قلنا إن مستند الإمكان الوجوب؛ إذ لولا الوجوب ما كان إمكان. وهذه الإحاطة الوجودية بكل شيء، هي التي تعطي ثبات المراتب الإمكانية في نفسها. ومن علم مقاربة الشك للإطلاق، فإنه سيجده عذابا أشد من عذاب جهنم للعقول!…

إن العقول الضعيفة، عندما يتعلق شكها بالله، فهي لا تميز مناط الشك في الله، ولا تميز مرتبة نفسها الإمكانية، التي تعطي الشك. ولو أن أصحابها عكسوا الأمر، بأن يشكوا في أنفسهم وفي العالم، لخرجوا بشيء. وذلك كأن يقولوا: هل نحن موجودون حقيقة؟ هل العالم موجود حقيقة؟… وقد خلص بعض الفلاسفة إلى عدم وجود العالم، خصوصا عندما رأوا اختلاف العقول في إدراكه. فلو كان وجودا، لأُدرك على الوجه ذاته. لكن الشك في حقيقته، وفي حال صحته إن صح، فإنه يليق بالعقول العليا، لا بالعقول الضعيفة؛ وعقول الفلاسفة ضعيفة. وعقل المؤمن نفسه، لا يطيق الشك في العالم، لأن الأحكام الدينية متعلقة بتفاصيله. والشك فيها، يعود شكا في الدين نفسه، وإن كان الأمر على غير ما يبدو. ولا يتمكن من خوض بحر الشك، إلا من كان راسخا في علم الحقائق؛ وهو عندئذ سيجده عالما ممتعا وواسعا في غاية السعة.