كنت في جماعة العدل والإحسان: الحلقة الأولى

قصتي و هي واقعية بأشخاص و أحداث واقعية .. كنت بدأتها السنة الفارطة .. كتبت منها سبع مشاهد و لم أكملها .. أتمنى بتشجيعكم و متابعتكم أن أكملها .. دعواتكم ..
…….
المشهد الأول : دهشتي و بداية مسار ..
انظر إليهم و الدهشة تأسرني ..
أتساءل : ما الذي يجعل شبابا في ريعان العمر و بدايات الحياة يسلكون هذا المسلك ؟! ما الذي يجعلهم على هذا الإصرار في المداومة على هذه الطريق ؟!
طريق لا كالطرق .. طريق رغم صعوبتها بالنسبة لشباب جيلي .. إلا أنها شدتني و أجبرتني على حبها و تعظيمها ..
متذ شهور و أنا اتابعهم ، أراقبهم غداة كل صلاة .
صرت أنتظر مجيئهم ..
إنهم آتون .. نفس مشيتهم و ابتساماتهم .. أقسم أنهم مختلفون .. أحسهم مميزين ..
وصلوا المسجد .. خلعوا النعال ، دخلوا للصلاة . و دخلت أنا الى أعماقي من جديد !
يا إلهي .. لم أعجز ان أكون مثلهم .. و لماذا أصلا لست مثلهم .. ألست مسلما و يفترض في ان أكون مثلهم ؟!
متحسر أنا بل و رافض لحالي و ما عليه نفسي من سهولة غوايتها و انخراطها في المعاصي !
سأنتظر انتهاء الصلاة و خروجهم من المسجد ..
انظر إليهم خلسة من خلف شباك بيتنا في الطابق الأول .. لعلي أستقي من وميض وميضهم وميضا ..
المسجد عبارة عن مرآب ” كراج ” وهبه أحد المحسنين لسكان الحي و الأحياء المجاورة للصلاة .. المسجد في المنزل الملاصق لبيتنا.. في حي شعبي من أحياء مدينة الدار البيضاء العملاقة .. ” مسجد بوكانوف ” و من لا يعرفه !
قلت أنتظر خروجهم .. أنتظر فقط لأنظر في وجوههم و سمتهم و تؤدتهم .. إنهم مثيرون للانتباه .. شباب في السابعة عشر و يزيد بعضهم عن الثامنة عشر ..
من يكون هؤلاء ؟ و لم هم دائما مجتمعون ؟ مواظبون على المسجد ؟ ما الذي يجمعهم و من أين لهم بقوة الانضباط هذه ؟!
من خلال سحناتهم و ثيابهم و حالتهم الصحية يبدون من عائلات متوسطة مهتمة بأولادها .. ربما منهم بعض الميسورين .. لقد جذبني سمتهم ..
تساؤلات كثيرة لا اجد لها أجوبة .. أهمها من يكون هؤلاء ؟
كان عمري سبعة عشر سنة من أسرة محافظة تقليدية .. رغم كوني أمازيغي .. عشقت اللغة العربية و أحببت التاريخ و كان لي تعلق بمادة التربية الاسلامية .. كنت احب اساتذتها و أعظمهم في نفسي ..” إنهم يعلموننا الدين ” هكذا انظر إليهم ..
عندما خرج الشباب من المسجد ” المرآب ” سلموا على بعضهم بشكل غريب نوعا ما .. عناق .. سلام فيه حرارة ..و ابتسامات موزعة بسخاء ..
آه .. اليوم بينهم جديد شاب يسكن بزنقتنا ( لا زال صديقي الى اليوم ) ..غريب .. كيف تعرف عليهم او بالاحرى كيف تعرفوا عليه .. أحسهم يحتضنونه كما تحتضن الدجاجة بيضها الذي أفقس للتو ..
إنهم يتكاثرون يوما عن يوم .. صيف 1990 كان مميزا ..
بعد دقائق تفرقوا ..
كنت متيقنا أنهم سيعودون في صلاة العصر .. سأنتظرهم .. في صلاتي المغرب و العشاء يكون المصلون بعدد اكبر و حتى الدوائر التي يتحلق فيها هؤلاء الوافدون الجدد تكون أكثر و اكبر .. في المغرب و العشاء لاحظت انه يلتحق بحلقيتهم استاذ و معه بعض كبار السن .. إنهم يوقرونه و ينصتون إليه باهتمام ..
عند أذان العصر .. رجعت إلى مكاني خلف النافذة ارقب حضورهم .. أنتظر ان أراهم يدلفون إلى زنقتنا و الإبتسامة على وجوههم .. كانت أشد ما كان يثيرني .. إنها مقتلي .. أعشق بطبعي أهل الصفاء و الوداد .. شباب بين المراهقة و الشباب .. لا سباب لا تشاحن لا تعارك .. هكذا احب .. طبعي يشبه طبعهم ..
فعلا و كما المتوقع أتوا .. نفس المشهد ، اراقبهم .. أراقب حركاتهم و طريقة تصرفهم .. جديد حلقياتهم .. صرت أعرفهم و هم لا يعرفونني .. لكن تساؤلاتي تزداد يوما عن يوم .. و لا أجوبة .. من يكون هؤلاء و كيف خرجوا فجأة ؟!
إنهم قطعة من نور ، هكذا صرت أراهم ..
قضيت الصيف على هذه الحال .. عند كل رجوع من الاستجمام في البحر او اللعب مع اقرأني او مساعدة والدي في عمله أعاود متابعة ” فلمي الخاص ” إنه متجدد مشوق مثير ..
كنت أتساءل هل يمكنني أن أكون مثلهم و أن أصير ” ملتزما ” ألبس كما يلبسون و انضبط كما ينضبطون .. أن أحافظ على الصلاة في المسجد و على أخلاقيات ” الالتزام” .. لا بحر و لا رفاق و لا نظر هكذا او هكذا .. ههه ؟
هل سأستطيع الصبر على ذلك ؟
رغبة تكسرها الموانع التي يفرضها ” الإلتزام ”
صيفي مر غريبا آخذا معه عقلي و لبي الى عوالم متناقضة.. أعيش متعة الشباب كما الشباب مع رغبة جامحة في الالتزام .. حل الدخول المدرسي .. ثانوية جمال الدين المهياوي بحي الفرح الشعبي المكتظ بالسكان.. اليوم الأول .. دخلت أبحث في اللوائح عن فصلي و التوقيت و الأساتذة ..
في الساحة ألحظ حلقية صغيرة كحلقيات المسجد .. يا إلهي إنهم هنا .. نفس الوجوه نفس الابتسامة .. حلقية بقلب الساحة خاصة بهم و كأنهم مجتمع خاص مختلف عنا .. لكنهم مميزون .. تحس لهم هيبة كاريزما او شيء من هذا .. تابعتهم بنظرات من بعيد .. كم كنت احب ان اشاركهم حلقيتهم و اسمع إلى ما يقولون و فيما يتحدثون .. فضول عارم ..
رن الجرس .. علي الالتحاق بالفصل ..
ما إن صعدت الدرج حتى وجدت بعضهم يسلك نفس وجهتي .. دخلت القسم فدخل منهم معي ثلاثة .. يا إلهي هل سندرس في نفس القسم ؟!
يتبع إن وجدت متابعة و تفاعلا .. القصة في بدايتها ..
ابراهيم أتحاش
المصدر: موقع الكاتب على الفيسبوك