رسالة مفتوحة من الدكتور فريد الزاهي إلى السيد وزير الثقافة والاتصال

السيد المحترم وزير الثقافة والاتصال،
عذرا، السيد الوزير، إن أنا وجهت لك هذه الخطاب عبر وسائل قد يعتبرها البعض غير رسمية وغير قانونية ولا تحترم التراتبية الإدارية، ولا يتم حفظها في مكتب الضبط؛ ومعذرة مرة أخرى إن كانت ستصلك بهذه الوسيلة التي صارت اليوم نافذة الفرد على العالم. فرؤساء أمريكا، كباراك أوباما وترامب يستعملونها لمخاطبة ملايين الأفراد من شعوبهم بشكل مباشر ومفتوح.
ربما أنت لا تعرفني، رغم أنك كنت زميلي في جامعة محمد الخامس، وأنت صديق لجميع أصدقائي، ورغم أني كنت كاتبا عاما للمعهد الجامعي للبحث العلمي في بداية التسعينيات مع مديره الدكتور الراحل والكاتب المعروف عبد الكبير الخطيبي (أتمنى أن تكون قد سمعت به أو أخبروك عنه !).
وربما أنت لا تعرفني لأني كاتب وباحث معروف (حسب ما يصفونني به !) ومثقف فاعل منذ الثمانينيات في الحقل الثقافي المغربي. ولو رجعت لأرشيفات وزارة الثقافة وجائزة المغرب ولجان مهرجاناتها ولجان تحكيمها العديدة لوجدت اسمي يتردّد فيها، من مديرية الكتاب إلى مديرية الفنون، مرورا بأرشيف السيدة ثريا جبران ومحمد الأشعري ! ووصولا إلى متحف الفن الحديث والمعاصر والمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط والثقافي والمدرسة العليا للفنون الجميلة بتطوان، حتى أن الكثيرين كانوا يخطئون أحيانا في انتمائي فينسبونني لوزارة الثقافة…
وربما أنت لا تعرفني لأني لم أطرق بابك يوما، كما لم أطرق باب صديقتي ثريا جبران، ولا صديقي محمد الأشعري ولا صديقي بنسالم حميش، كما لم أطرق قبلها باب وزارة صديقتي نزهة الشقروني ولا صديقي عزيمان ولا الكثير غيرهم من الأصدقاء كمحمد بنعيسى (الذي اشتغلت معه في مهرجان أصيلة لأكثر من عشرين سنة)…

السيد الوزير المحترم،
أما بخصوص المسألة الأولى، وهي الأهم، فأبسطها على نظركم كما يلي:
حين أعلنت وزارة الثقافة عن شغور منصب مدير المكتبة الوطنية للملكة المغربية (BNRM) لم أطَّلع على الإعلان لأني كنت في إقامة بحْثية بالخارج، فلم أستطع الترشح للمنصب رغم أنه الأقرب إلى قلبي وتجربتي ومساري المهني…
وحين تم تجميد المنصب لأسباب وعلل لا أعرفها (ومن دون إعلان رسمي)، وثارت ثائرة بعض المترشحين الانتهازيين (كما وصفهم صاحب الجلالة)، والوصوليين وقناصي المناصب والفرص، علمت بالأمر. فصرت أنتظر الإعلان عن فتح المنصب لأترشح له لا لأني عاشق للمناصب، ولا لأني أرغب في منصب وازن (كما يقال اليوم)، ولكن فقط للأسباب التالية، التي بسطتها في مشروعي:
– أني اشتغلت مع السيد أحمد التوفيق لأكثر من سنتين في بداية الألفية الجديدة في تأهيل mise à niveau الرصيد العلمي والثقافي والكتبي للمكتبة الوطنية. وإذا كان القراء اليوم يستطيعون البحث بالكمبيوتر عن العناوين ومحتوياتها، فذلك بفضل إشرافي على الجانب العلمي على هذه العملية الهامة (ولك السيد الوزير أن تسأل في ذلك زميلك في الحكومة الأستاذ أحمد التوفيق !)…
– أن السيد إدريس خروز كان على علم بذلك، فحين التقينا في جنازة صديقي الفنان التشكيلي محمد القاسمي، وكان حينها حديث العهد بالتعيين مديرا للمكتبة الوطنية، قال لي بالحرف بأنه يعتزم التعاون معي وتعييني مستشارا أو تنقيلي للمكتبة الوطنية لمكتابعة هذا الصرح الذي بنيناه منذ بداية سنة 2000.
– أني كاتب نشر بالعربية وبالفرنسية في مجالات الأدب والأنثربولوجيا الثقافية والفلسفة والفنون البصرية كتابات (أكثر من عشرين مصنّفا) تعتبر مرجعية في العالم العربي وفي الجامعات العربية والأجنبية؛ ومترجم ترجم أكثر من ستين كتابا هي أيضا مرجعيا، جزء منها كمترجم مراجع مع مشروع كلمة بأبوظبي والبعض الآخر مع المجلس القومي للترجمة بمصر (وكلها مودعة بالمكتبة الوطنية)…
– وأني حزت على جائزة المغرب للكتاب؛
– وأني مثقف فاعل وواضح وبعيد عن الأضواء؛
– وأني بالأخص قضيت ما يتجاوز 12 سنة في التسيير الإداري في المؤسسات العمومية (المعهد الجامعي للبحث العلمي والمشتشار الفني لبنك المغرب)، ناهيك عن اشتغالي الثقافي مع العديد من المؤسسات والبنوك والجمعيات الدولية…
ألا يكفي هذا السيد الوزير لأكون مرشحا قابلا (أقول قابلا ولا أقول مستحقا) لمنصب مثل هذا؟
ألا تكفي هذه التجربة (المتواضعة طبعا) كي يصل الملف بين أيديكم الذي وضعته في كتابتكم الخاصة (التي تعاملت معي للأسف بفظاظة لأن القائمين عليها قليلو الأدب والتربية، ولأني فقط لم أكن مرتديا ياقة وكوسطار) إلى جنابكم الموقّر؟

السيد الوزير المحترم،
حين تم الإعلان في موقع المناصب العليا عن تمديد الترشيح لمنصب مدير المكتبة الوطنية، لم يكن لي إلا عشرة أيام لصياغة مشروع (وهو، بيني وبينك، تمديد زمني قصير جدا يوحي بما يسمى بالفرنسية y’a anguille sous roche والتي يمكن أن أترجمها لك بالمأثور التالي: وراء الأكمة ما وراءها…)…
وطبعا صغت المشروع باللغة الفرنسية (أنا المعرَّب المتفرْنج)، بطريقة واضحة سلسلة وبالاعتماد على التاريخ والوثائق التي توصلت إليها (فلا تنس السيد الوزير أني باحث !)… ووضعته في كتابتكم الموقرة بوصل لا أزال أحتفظ به…
ولعلمكم، فالشخص المحترم الذي يمارس النيابة منذ شهور عديدة بالمكتبة الوطنية، هو شخص بدأت أنا وإياه الكتابة والنشرونحن يافعان في الجرائد الوطنية والمجلات منذ أواسط السبعينيات، وهو يعلم علم اليقين بنيتي في الترشح للمنصب وبوضعي للملف. كان ذلك إخبارا له فقط… (يمكنك السيد الوزير أيضا التأكد من ذلك أيضا ).
وبين نهاية أجل إيداع ملفات الترشيح، وانعقاد اللجنة، وصلتني أخبار متضاربة، من أصدقاء مقربين، لأني لم أعلن ترشيحي على الملأ… ومن بين الأخبار، ترشح شخص حديث العهد بالثقافة والدكتوراه، هو مدير ديوانكم (Y’a là un conflit d’intérêt flagrant Monsieur le Ministre !)، ومرشحة للمنصب من حزب في الحكومة وبرلمانية أيضا ، نشرت رسالة دكتوراه بئيسة عن المسرح المغربي، تطمع في أن تزيد من مداخيلها الشهرية…

السيد الوزير،
جاءني الخبر من داخل المكتبة الوطنية بأن اللجنة (التي علمتُ أنها تتكون من إداريين سامين، لا علاقة لهم طبعا لا بالثقافة ولا بالكتاب !)، اجتمعت وتداولت من دون أن يصلني منها ولا منكم خبر ولا مراسلة للدعوة لحضور لقاءات اللجنة، كما هو الأمر مناصب في التعليم العالي الذي ننتمي له معا، السيد الوزير..
ما الذي حدث السيد الوزير؟
لماذا غُيِّب ملفي وملفات أخرى وأُقبر ولم يصل بين أيدي لجنتكم الموقّرة؟
ولماذا حُجب ملفي عن اللجنة “الموقرة”؟
ولماذا لم أُستدع للقاء مع اللجنة، كما يتم الأمر في جميع المناصب العليا، تبعا لمبدأ الشفافية المستد على مبدأ الإعلان العمومي؟
ثم لماذا تم حجْب المنصب من غير إعلان للعموم في المرة الأولى والثانية؟

السيد الوزير،
هذه ليست ممارسات تتماشى مع مبادئ الدستور، ولا في ما يُفترض في الوزارات والمؤسسات العمومية انتهاجها ، ومن ضمنها المؤسسة العمومية التي أشرف على إدارتها،… ولك أن تسأل عني كيف أدير المعهد ومستوى الديمقراطية والشفافية والترشيد والوضوح الذي أمارسه فيه (ولو أنه معهد بحث صغير ولا يرقى إلى وزارة)…
السيد الوزير، كان بودي ألا أكتب لك هذه الرسالة المفتوحة، لولا أن ممارسات من قبيل هذه في المؤسسات العمومية المغربية، التي تشتغل ماديا بمال الشعب، يلزم أن يتم توضيحها للعموم بشفافية ونزاهة…
ولولا أن هذه الممارسات تساهم في هدر الكفاءات والأدمغة… التي تنتهي بأن تهاجر إلى أماكن أرْحب وأكثر نزاهة…
أكتب لك هذا السيد الوزير وأنا أحتسي قهوة قرب البحر، في المكان الذي كنت أجلس فيه مع صديقي عبد الكبير الخطيبي، ومع مثقفين شرفاء آخرين ووزراء ثقافة سابقين، وأنا أعد العدّة للهجرة والعمل بالخارج… ورسالتي هذه هي مجرد إخبار ليس من ورائها طلب أي شيء…
فمطرب الحي هنا لا يطرب حتى ولو كان فريد الأطرش…
مع كامل احترامي وتقديري
ملحوظة: أملك كل الوثائق والمرجعيات التي تثبت أقوالي هذه. ولك فقط أن تطلب من مساعديك الموقرين أن يططلعوك على ملفي، وتطلع على عشرات الصفحات التي خصصها لي غوغل بالفرنسية (Farid Zahi)وبالعربية (فريد زاهي أو الزاهي لأنه اسمي الثقافي)، كي تتأكد من صدق أقوالي…
ملحوظة ثانية: سأكاتبكم كتابيا قريبا، بخصوص مسألتين أخريين ليست لهما أهمية واستعجالية هذهملحوظة ثالثة: أرفق هذه الرسالة بصورة شخصية، فربما قد تكون قد قرأت أحد كتبي أو شاهدت إحدى حواراتي التلفزيونية…
من د. فريد الزاهي، أستاذ التعليم العالي، كاتب وباحث ومترجم وناقد فني