صراع على الأموات

هناء السعيد
من العقد الموروثة من أفهام منكوسة شكلت ضمائرنا، والتي أضرت كثيرًا عقل المسلمين هي (عقد المناقب). “مناقب” شخص هي ميزاته، فضائله، أعماله، تموت الرجال وتبقي مبادئهم، ونحن أزمتنا دوماً مع “الرجال” أنفسهم.
أنت مع من أو ضد من، فعليه يتحدد إيمانك أو كفرك، هداك أو ضلالك، ورعك أو زندقتك.
من المخجل والمؤسف أن هذه من كبرى قضيتنا، وجدلياتنا التي ما أورثتنا يوماً سوى البوار والعقم والموت. فتحنا سطور تاريخنا لا لنعتبر، أو حتى نمنع تاريخ كبواتنا وجاهليتنا من أن يعيد نفسه.. إنما فتحناه لننفض الغبار عن عصبيتنا ونحييها على حساب الحياة كلها.
وقد كان المكر باسم الدين، والكذب على الله ورسوله، ووضع التخاريف والأساطير وتبريرها بفخر وعزة. والحال أن الناس الآن تتقاتل، تتباغض، تتلاعن، تتباعد بسبب أموات !!
ومما لا مهرب منه هو سمة راسخة في عقولنا كبشر، وهي أننا عندما نحب إنسان نحول كل أعماله لمناقب، وإذا بغضناه لا نذكر له ولو حسنة واحدة .
نعم، لا عيب أن البشر يخطئون، لكن كل العيب في عواطفنا تجاه الخطأ، هل نقزمه حتى لا نكاد نراه، أم نعظمه حتى نشيطن صاحبه، أم تحجبنا أساطيره عن رؤية سواد أفاعيله؟!
لا أرى بأساً بل هو طبيعي أن تفاضل بين حي وحي فوق الأرض ماذا يفعلون، والعجب كل العجب من مقارنة ميت بميت فيما فعلوه وهم من قرون تحت التراب!!
ستسأل عن عمرك وكل تفاصيله، لكن اطمئن ونم قرير العين أن الله لن يسألك في يوم العرض فلان أفضل أم علان.. دينك بخير بلا مناقب.
هذه عقدنا التي تزداد تعقيداً، فاحمي اللهم عقيدتنا من عقدنا.